تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

تغطية الحرب على الطريقة الأمريكية

تُغطى الحرب على العراق من زوايا كثيرة وخطيرة تضيع بينها الموضوعية والدقة

(Keystone)

تحظى الحرب الأمريكية البريطانية على العراق بتغطية إعلامية واسعة في كافة أنحاء العالم، ولاسيما في الولايات المتحدة.

ورغم تواجد عدد كبير من وسائل الإعلام في ساحات القتال، فإن هنالك تساؤلات وشكوكا كثيرة حول موضوعية التغطية وتجسيد الواقع الميداني.

في أحدث استطلاع، طرحت شركة امريكا أون لاين لخدمات الإنترنت سؤالا على حوالي مليون ومائتي ألف أمريكي يقول: "هل تشعر بأن التغطية الإعلامية الأمريكية على الهواء مباشرة تعطيك الصورة الكاملة عما يدور في الحرب على العراق؟

أجابت نسبة من الأمريكيين ناهزت 80% ممن شاركوا في الاستطلاع "لا"، بينما قال 13% "نعم"، وقالت نسبة بلغت 7% إنهم غير متأكدين من الإجابة.

وجاء استغناء شبكة MSNBC للتليفزيون الأمريكي عن خدمات مراسلها في بغداد بيتر آرنيت، لأنه صرح للتلفزيون العراقي بأن الحرب ضد العراق لا تسير وفق السيناريو المرسوم لها لتجسد عدم تحمل الإعلام الأمريكي لأي وجهة نظر مختلفة في تغطية الحرب. وكما صرح المراسل المفصول، فإن الضغط الذي يمارسه الإعلام اليميني في الولايات المتحدة يتحين الفرص لكيل الاتهامات للمراسلين الموجودين في بغداد، كما أن الحكومة الأمريكية تشعر بحساسية شديدة إزاء كل التقارير الواردة من بغداد، لأنها تخلق مشاكل في واشنطن.

وكما يقول خبراء الإعلام، فإن صورة واحدة قد تكون أفضل وأكثر تأثيرا من ألف كلمة. لذلك، تنفق إدارات تحرير الأخبار في شبكات التليفزيون الأمريكية وقتا طويلا كل يوم لمناقشة ما الذي ستتضمنه التغطيات من صور ولقطات فيديو من مسرح العمليات على أرض العراق، وما الذي ستحجبه منها، وخاصة مشاهد القتلى والجرحى من المدنيين العراقيين، خشية التأثير على الرأي العام الأمريكي.

وأقرت شبكات التليفزيون الأمريكية بأن وزير الدفاع دونالد رامسفلد طلب منها عدم بث صور أسرى الحرب الأمريكيين حتى يتم إبلاغ أسرهم، وأنها قررت عدم عرض صور القتلى الأمريكيين لمجافاة ذلك للذوق العام، وإن كانت بعض الشبكات الأمريكية قد عرضت مشاهد سريعة لهم.

ولا يقتصر التعتيم الإعلامي على استبعاد الرأي الآخر، وانتقاء الصور والمشاهد المسموح ببثها، وإنما امتد إلى استخدام كلمات وتعبيرات تفرغ الأحداث من معناها الحقيقي مثل استخدام تعبير "الترويع والصدمة" لوصف عمليات القتل الجماعي بأضخم ما عرفه التاريخ العسكري من قنابل وصواريخ، ووصف قتل المدنيين العراقيين بأنه إصابات عرضية غير مقصودة.

آراء الخبراء في التغطية الإعلامية

وتوجهت سويس إنفو إلى الدكتور إدموند غريب، أستاذ دراسات الشرق الأوسط بالجامعة الأمريكية في واشنطن وخبير التحليل الإعلامي، لمعرفة تقييمه لتغطية التليفزيون الأمريكي للحرب ضد العراق فقال: "لقد تحولت تلك التغطية إلى خليط من التهليل والتعبير عن مساندة القوات الأمريكية بوازع من المشاعر الوطنية على حساب الموضوعية والمهنية الصحفية في كثير من الأحيان، واستغلال الحكومة الأمريكية لتلك المشاعر في التلاعب والتأثير على تغطيات شبكات التليفزيون مع ظهور استعداد من تلك الشبكات لتقبل هذا التأثير الحكومي."

ويرى الدكتور إدموند غريب أن أسلوب إلحاق مئات المراسلين الصحفيين بوحدات القوات الأمريكية في العراق إلى تركيز الصور التي تعرضها شبكات التليفزيون الأمريكية على مشاهد القصف والتدمير، والقوة العسكرية الهائلة والقدرة الفائقة للأسلحة الذكية على إصابة أهدافها بدقة، بينما أصبح من النادر أن تعرض تلك الشبكات صور الضحايا من المدنيين العراقيين أو المعاناة البشرية للشعب العراقي من جراء الحرب.

واستشهد الدكتور غريب بالتقرير الذي نشرته منظمة "صحفيون بلا حدود"، التي اتهمت فيه قوات التحالف الأمريكي البريطاني بإظهار عدم احترامها لعمل المراسلين الصحفيين المستقلين، الذين لم يقبلوا الالتحاق بالوحدات العسكرية وفضلوا العمل بشكل مستقل.

وقالت المنظمة، إن عددا من هؤلاء المراسلين المستقلين تعرضوا لإطلاق النار عليهم، وقتل أحدهم وهو مراسل شبكة ITN البريطانية. كما أساءت قوات التحالف معاملتهم بالضرب والإهانة والاعتقال لدرجة أن أربعة منهم، من بينهم صحفي إسرائيلي، وصفوا معاملة الشرطة العسكرية الأمريكية لهم عندما اعتقلتهم لمدة يومين بالقرب من النجف وكربلاء، بأنها كانت أسوأ 48 ساعة في حياتهم، ومنعتهم من إرسال تقارير إخبارية لمؤسساتهم الصحفية لمدة 36 ساعة.

ويرى الدكتور إدموند غريب أن الإعلام الأمريكي لم يكتف بعدم تقديم صورة حقيقية وواضحة عن الوجه القبيح للحرب المتمثل في الخسائر بين المدنيين العراقيين، وإنما حاولت شبكات التليفزيون الأمريكية كذلك وضع اللوم على العراق في الخسائر بين المدنيين في سوق الشعلة بالترويج لاحتمال أن يكون سبب سقوط الضحايا صاروخا عراقيا أخطأ هدفه، ولكن تبين زيف هذا الإدعاء عندما أخذ الصحفي البريطاني روبرت فيسك قطعة من حطام الصاروخ وعليها رقم تصنيعه في شركة ريثيون الأمريكية.

ومع ذلك، يستبعد الدكتور غريب أن تعمد الحكومة الأمريكية إلى تقديم معلومات خاطئة عن عدد القتلى أو المصابين في العمليات من القوات الأمريكية، لأن ذلك سيعرضها لردود فعل قوية داخل الولايات المتحدة فيما بعد. كما أشار إلى حقيقة وجود خشية من أن يؤدي عرض صور الضحايا من المدنيين العراقيين وخسائر القوات الأمريكية على شاشات التليفزيون الأمريكي إلى التأثير على الرأي العام الأمريكي، مثلما أثر عرض صور التمثيل بجثث القتلى الأمريكيين في الصومال على قرار إنهاء مهمة القوات الأمريكية في القرن الأفريقي.

وقال السيد غريب، إن مثل ذلك التأثير يحتاج إلى عنصرين، يبدو انهما لا يتوفران في الحرب الحالية، وهما إطالة أمد الحرب، وعودة القتلى الأمريكيين بأعداد كبيرة كما حدث في حرب فييتنام.

العلاقة بين الصحفي والعسكري

أما الدكتور جيمس زغبي، رئيس المعهد العربي الأمريكي في واشنطن، فيرى أن المُـشاهد الأمريكي كان يعتقد أن سماح وزارة الدفاع بإلحاق مئات من المراسلين بالوحدات الأمريكية في العراق، سيتيح له متابعة تغطية حية للمعارك والاشتباكات على الهواء مباشرة، ولكن كل ما وصل إلى المشاهد الأمريكي اقتصر في معظم الأحيان على مشاهد طويلة لتحركات الدبابات والعربات المصفحة في الصحراء العراقية دون أي تفاصيل، باستثناء مَـشاهد بعيدة للقصف الجوي والصاروخي لبغداد وباقي المدن العراقية.

واستشهد الدكتور جيمس زغبي بمقارنة أجرتها صحيفة بوسطن غلوب الأمريكية بين التغطية العربية والتغطية الأمريكية للحرب في العراق قالت فيه، "يرى المشاهد العربي صور الدماء تسيل من أجساد الأطفال العراقيين، ويرى فيالق الجنود الأمريكيين ومشاهد مفزعة للقتلى منهم، بينما لا يري المشاهد الأمريكي أيا من ذلك، وتقتصر التغطية الإعلامية الأمريكية على لقطات بعيدة لقصف أهداف في بغداد، وخلفيات لمسرح العمليات وراء المراسلين الملحقين بالقوات الأمريكية في العراق".

كما استشهد الدكتور زغبي باستطلاع لآراء ألف من الأمريكيين حول مدى متابعتهم للتغطية الإعلامية للحرب. وبينت نتائج الاستطلاع أن 33% يتابعون تطورات الحرب على شبكات التليفزيون لمدة تزيد على ثلاث ساعات يوميا، بينما قال 60% ممن استطلعت آراؤهم أن متابعتهم تتراوح بين ساعة وثلاث ساعات يوميا.

وكان من الغريب أن تلك المتابعة لم تغير من مواقف الأمريكيين من الحرب، كما يقول الدكتور جيمس زغبي، فمن اعترض منهم على شن الحرب، يختار بشكل انتقائي جوانب التغطية الإخبارية التي تدعم منطقه في مناهضة الحرب، ومن ساند منهم شن الحرب صدقوا كل ما ورد على لسان وزير الدفاع الأمريكي وكل ما جاء في المؤتمرات الصحفية للعسكريين الأمريكيين.

الأسباب والمبررات

ولمعرفة السبب في ضعف التغطية الإخبارية لشبكات التليفزيون الأمريكية، رغم جيش المراسلين الملحقين بوحدات القوات الأمريكية، اطلعت سويس إنفو على قائمة الأخبار التي تعـرّض ناشروها للعقوبات، والتي وضعتها وزارة الدفاع لكل الصحفيين المرافقين لوحدات مشاة البحرية الأمريكية ومنها:

أولا، أي معلومات عن أعداد السفن المنتشرة في مسرح العمليات.
ثانيا، أي معلومات عن مواقع الوحدات المقاتلة.
ثالثا، أي معلومات عن العمليات القادمة.
رابعا، معلومات عن أي عمليات يتم تأجيلها أو إلغاؤها.
مع تنبيه عام بالالتزام بتأخير نقل أي أخبار تُـقرر الوحدة العسكرية تأجيل نشره لدواعي أمنية.

ويرى الدكتور إدموند غريب أنه، بالإضافة إلى الضوابط والقيود المفروضة على المراسلين الملحقين بالقوات الأمريكية، فإن الشبكات التليفزيونية التي يراسلونها كثيرا ما تفتقر إلى الموضوعية في تغطية تطورات الحرب، وضرب مثالا على ذلك، بأن تلك الشبكات روجت في البداية لفكرة أن الشعب العراقي سيستقبل القوات الغازية بالورود بمجرد دخولها الأراضي العراقية، ولكن عندما لم تتحقق تلك الرؤية، سارعت شبكات التليفزيون إلى تبرير المقاومة العراقية بأنها جاءت تحت تهديد السلاح من ميليشيات فدائيي صدام وأجهزة الأمن العراقية، وأسقطت تلك الشبكات من حسابها إمكانية اندفاع العراقيين بدافع الشعور الوطني لمقاومة قوات أجنبية دخلت أراضيهم.

كما يرى الدكتور غريب أن وسائل الإعلام الأمريكية لم تبذل جهدا على الإطلاق لدراسة ومعرفة أسباب غضب الشارع العربي والإسلامي من ضرب بغداد، التي تشكل في ذاكرته التاريخية ووجدانه القومي مركزا للحضارة والثقافة والإشعاع، بقطع النظر عن موقفه من النظام العراقي ومن الرئيس صدام حسين.

محمد ماضي - واشنطن


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×