تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

جرأة إماراتية وارتباك عربي

لم تُطرح مبادرة الشيخ زايد على القمة الإسلامية في الدوحة!

(Keystone)

وقعت الملاسنة الفظة بين الوفدين العراقي والكويتي خلال قمة الدوحة الإسلامية بسبب التأييد العلني الكويتي للمبادرة الإماراتية لحل الأزمة العراقية، والداعية إلى تنحي الرئيس صدام حسين طواعية.

لكن المبادرة لم تعرض على القمة الإسلامية، لا بل جرى في الدوحة لقاء عراقي إماراتي لترطيب الأجواء بين البلدين.

في صيغة دبلوماسية عكست قدرا من المجاملة والاسترضاء، اتفق وزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي يوم 3 مارس الجاري على ضرورة طرح مبادرة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الإمارات، الداعية إلى تنحي الرئيس صدام طواعية عن السلطة كمخرج سلمي للأزمة العراقية، في الإطار العربي لمناقشتها وتقييمها باعتبارها شأنا عربيا.

ولم يأت بيان القمة الطارئة لمنظمة المؤتمر الإسلامي يوم الأربعاء 5 مارس في الدوحة على ذكر هذه المبادرة، رغم إعلان مسؤولي الإمارات عزمهم على طرحها على المؤتمرين، تماما كما فعل بيان القمة العربية التي عقدت في شرم الشيخ مطلع مارس الجاري.

ووفقا لصيغة بيان وزراء مجلس التعاون الخليجي، فإن المبادرة نالت تقدير المجتمعين، باعتبارها جاءت من الشيخ زايد، المعروف عنه مواقفه القومية الهادفة لمصلحة الدول العربية والإنسان العربي، وأن أفكاره تهدف إلى دفع الشر عن الشعب العراقي وتجنيبه مغبة العمل العسكري.

وهذه صيغة لا ترقى إلى تأييد المبادرة جملة وتفصيلا، وتقتصر على تقديم دعم معنوي لأفكار لم تُـبَـلور بصورة كاملة ولم تصل إلى حد الخطة المتكاملة. ومن ثم، يمكن الاستنتاج بأنه رغم تصريحات مسئولين خليجيين حول أهمية الأفكار ونبل أهدافها وعدم التشكيك في النوايا العربية والقومية لقيادة دولة الإمارات، فإن الموقف العملي الخليجي لم يصل إلى حد التبني الكامل لهذه الأفكار، أو اعتبارها قابلة للتطبيق، أو أنها بالفعل محاولة ذات نصيب من النجاح على ارض الواقع.

فمجرد تأييد طرح الأفكار للنقاش على المستوى العربي في وقت يبدو قصيرا جدا قبل اندلاع حرب ضروس، قرارها الأساسي بيد قوة أجنبية، هو في الواقع العملي نوع من تجنب الخوض في تحويل الأفكار إلى برنامج عمل. ولا يخرج عن هذا الاستنتاج التأييد الكويتي الكبير لمثل هذا المخرج، والذي يبدو مفهوما في سياق التجربة الخاصة للعلاقات الكويتية العراقية منذ اجتياح العراق للكويت في أغسطس 1990.

ويمكن القول، إن ما ينطبق على المستوى العربي العام ينطبق أيضا على المستوى الخليجي الخاص. فثمة هاجس وقلق عميقان أن يتحول الإجماع العربي بالضغط على زعيم عربي بالتخلي عن السلطة لاعتبارات قومية أو حتى لمصلحة محلية مؤكدة، إلى سابقة قابلة للتكرار في مواجهة زعماء آخرين، بما في ذلك من تقويض لأحد أسس النظام الإقليمي العربي من جانب، والنظم الفرعية المنبثقة عنه من جانب آخر.

ولذلك، كان ملفتا للنظر بعد بيان مؤتمر القمة الإسلامية أن يصف المسؤولون الإماراتيون المبادرة بأنها ليست سوى نصيحة للقيادة العراقية، وليست تدخلا في شؤونه الداخلية، فيما عكس إدراكا بأهمية الابتعاد عن مبدأ التدخل في قضايا الحكم والسياسة الداخلية لدول عربية أخرى، وفي مقدمتها تغيير القيادات والنخب الحاكمة عامة. فما يحدث في العراق اليوم، يمكن أن يحدث في أي بلد عربي آخر.

مبررات إماراتية

إن سمة التوافق والحرص على التعاضد العربي سمة غير مشكوك فيها لدى السياسة الخارجية لدولة الإمارات، كما أن تأييدها لرفع الحصار عن العراق والانفتاح عليه والتعاطف مع شعبه، كلها أمور مرصودة ومقررة وواضحة للعيان منذ سنوات عدة.

ولذلك، كان عنصر المفاجأة بارزا حين قرر الشيخ زايد إرسال أفكاره بشأن تخلي الرئيس صدام حسين ووضع العراق تحت نوع من الوصاية العربية الجماعية لفترة من الزمن، إلى قمة شرم الشيخ دون أن يسبقها نوع من الحوار العربي العلني والعام بغية توفير أرضية تأييد مناسبة لها، والتأييد الخفي الذي أبدته قيادات عربية لمضمون المبادرة، والذي قيل أنه مُرر لقيادة الإمارات، لم يمثل البديل الحقيقي للتأييد المستند على نقاش عربي موسع، بحيث يعكس نوعا من التأييد الشعبي جنبا إلى جنب تأييدا رسميا.

لكن التفاف القمة العربية على هذه الأفكار عبر عدم مناقشتها واعتبارها غير مطروحة رسميا على القمة، لم يكن مفاجأة بأي حال من الأحوال، لما في ذلك من تناسق بين الموقف العربي الجماعي الرافض مبدأ التدخل العربي في الشؤون الداخلية لأي قطر عربي آخر من جانب، وبين حالة الرضاء العام لما انتهت إليه القمة بالفعل بشأن الإجماع على رفض تعرض العراق لعمل عسكري تقوده الولايات المتحدة.

وعلى صعيد الخطاب الإماراتي الرسمي ومن قام بتفسيره، يمكن أن نلحظ مبررات عدة لطرح المبادرة، مثل تعبيرها عن محاولة عربية لتقديم بديل عربي سلمي، ربما هو الأخير، يمنع الحرب من جانب، ويمنع تعرض العراق للدمار والخراب من جانب آخر.

فالمبادرة تعتبرها أطراف كثيرة، في العلن والخفاء، فرصة أخيرة لتدارك الانهيار العربي والعراقي معا، وأنها لم تطرح لشق الصف العربي، بل لتقوية دعائمه استنادا إلى أن تاريخ دولة الإمارات هو مع كل تحرك يخدم التضامن العربي، وأنها قطعا ليست أفكارا أمريكية أو بوحي من واشنطن، وإنما بوحي من حس عربي، وتهدف إلى تفويت الفرصة على الولايات المتحدة ومخططاتها في السيطرة على المنطقة وقدراتها وتغيير خرائطها ونظمها، وأنها في الأخير، تهدف خير العراق وخير شعبه.

وما يمكن رصده هنا، أن ما لم يقله الخطاب الرسمي، أو بعبارة أخرى المسكوت عنه، لم يشر إلى من هم الأطراف العربية التي تمت استشارتها من قبل وأبدت تأييدها سرا أو في الغرف المغلقة لهذه الأفكار، كما لم يشر إلى أي نوع من التشاور مع أطراف دولية مؤثرة في حركة ومسار الأزمة العراقية، ناهيك عن عدم توضيح موقف بغداد وقيادتها من المشاورات الأولية لهذه الأفكار، بافتراض أنها كانت مشاورات إماراتية عراقية حول نفس القضية.

دوافع جوهرية

إن هذا الطرح الرسمي ذو الطابع المثالي، عربيا وقوميا، لا يخفى أسبابا جوهرية تمثل دوافع غير معلنة، يمكن إيجازها في أربعة عوامل:

· القلق الشديد من الكلفة الاقتصادية للحرب ضد العراق. فالمؤكد أنها سوف تمثل ضغطا اقتصاديا هائلا على منطقة الخليج ككل، سوءا الذين شاركوا في القتال أم قدموا تسهيلات أم اكتفوا بالانتظار. وهو وضع غير مريح للاقتصاد الإماراتي المستند على انتعاش قطاع الخدمات بكافة أشكالها، إلى جانب تجارة الترانزيت لكل دول الإقليم، ناهيك عن أن الكلفة العالية للحرب سوف تدفع الولايات المتحدة حتما للضغط على دول المنطقة لتحمل نصيب كبير فيها، ولن تكون هناك أية أعذار لعدم المشاركة.

·التخوف من أثار ونتائج حدوث فوضى محتملة في العراق نفسه، بما لذلك من تداعيات على وحدة وتكامل البلاد نفسها، ووحدة وتكامل دول خليجية أخرى.

·التحسب إزاء احتمال قيام حكومة جديدة في العراق تشارك فيها فصائل من المعارضة العراقية تحت الهيمنة الأمريكية، سوف يصبح خيار التعامل معها أمرا واردا إن لم يكن مؤكدا، حتى وإن كان مكروها أو على مضض، إذ تتيح الدعوة إلى إقصاء الرئيس صدام نوعا من التقدير المعنوي الذي سيكون له صداه الإيجابي مع أي حكومة عراقية مقبلة.


·القلق من الدور المتزايد للوجود العسكري الأمريكي في العراق على المنظومة السياسية لكل دول المنطقة.

معضلات عملية

وإذا انتقلنا إلى الصعيد العملي، يلحظ الخطاب الإماراتي غير الرسمي أن المبادرة لم تنل حظها من التفكير والنقاش الذي يضمن لها توفير الآليات القانونية والسياسية في صورة ضمانات واضحة، كما يضمن لها حسن النوايا الذي يسهل تطبيقها على افضل وجه. وهنا تأتى النصائح بأن تلعب الدبلوماسية الإماراتية دورا أكبر في توفير هذين الشرطين الهامين والرئيسيين قبل الوصول إلى محطة التطبيق الفعلي، ولا تنسى النصائح أن يكون الجهد موجها بصورة ما ناحية بغداد وقيادتها السياسية بنفس القدر الذي يتوجه فيه الجهد الدبلوماسي ناحية عواصم القرار الدولي، لاسيما واشنطن.

ودون التقليل من أهمية مثل هذه النصائح، فالأمر عمليا سوف يُـواجَـه بعدد من المشكلات الكبرى. أولها، مأزق التعارض مع جهود اللجنة الرئاسية المنبثقة عن قمة شرم الشيخ، والتي يُـفترض أن تسعى إلى إقناع واشنطن بالامتناع عن العمل العسكري، والتركيز على نزع أسلحة العراق المحظورة بالوسائل السلمية ومن خلال التفتيش الدولي طويل المدى، وليس تغيير النظام العراقي باعتباره يتجاوز حدود القرارات الدولية بما في ذلك القرار 1441 الأقسى شروطا والأكثر ضغوطا.

ومثل هذا المأزق يتجاوز بالفعل حدود الفعل الدبلوماسي لدولة عربية واحدة، خاصة في ظل توافر حالة إجماع عربي يرفض تغيير الأنظمة العربية بعيدا عن رغبة وتدخل الشعوب نفسها، حتى لو كان هذا الإجماع شكليا كما هو في حالة قمة شرم الشيخ.

أما المشكلة الثانية، فتتعلق بقدرة الضغط الإماراتية على القيادة العراقية لقبول المناقشة الجدية لاقتراح يقضى بتخليها عن السلطة، وهي المعروف عنها التوحد في السلطة والذوبان فيها أيا كانت التكاليف البادية في الأفق، فضلا عن إيمانها العميق بأن قدر الشعب العراقي هو نفسه قدر قائده ورئيسه. وليس بخاف أن حدود الضغط الدبلوماسي الإماراتي في هذا السياق محدودة جدا، خاصة في ضوء عدم تحول الأفكار المطروحة إلى مبادرة ذات سند عربي حقيقي، أو حتى إسلامي رمزي.

وحتى مع افتراض قبول القيادة العراقية مثل هذا المخرج باعتباره قد يوفر حماية للذات ولأقرب المحيطين، فإن التشكك في قدرة دولة عربية وحدها على توفير ضمانات جدية بعدم الملاحقة القانونية لاحقا، سيظل سببا في عدم التعامل العراقي الجدي مع هذه الأفكار.

المشكلة الثالثة، تتعلق بحدود التنسيق مع الولايات المتحدة في إيجاد صفقة متكاملة تقضى بتنحي صدام مقابل الامتناع الأمريكي عن أي عمل عسكري ضد العراق، وأيضا الامتناع عن عدم ملاحقة الرئيس العراقي وكبار رموز حكمه من جانب آخر.

وطالما أن مثل هذا التنسيق غير موجود وغير مدعوم عربيا، فإن القابلية للتحول إلى خطة عملية تبدو في عداد المستحيلات.

د. حسن أبوطالب - القاهرة


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×