تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

حـيــــرة الـــعـــرب

إنه زمن الحيرة!

(Keystone)

مع تصاعد نذر الحرب الأمريكية ضد العراق، يعيش العرب أجواء من الحيرة والقلق

ومع صعوبة الموقف، تتعدد القراءات لأسباب الصمت والإستقالة السائدة من المحيط إلى الخليج

في مؤتمر أوكتاغون في مقاطعة كيباك الكندية عام 1944، قال رئيس الوزراء البريطاني للرئيس الامريكي روزفلت:"ماذا تريدني أن أفعل؟ أقـفُ وأتوسـلُ كما تفعل فالا "كلبة روزفلت؟".

كان وينستن تشرشل حينها يسعى للحفاظ على الامبراطورية البريطانية في ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الثانية. وهو كان يعلم ان الولايات المتحدة لديها "أفكار ثانية" حول مصير هذه الامبراطورية. لكنه حين أدرك أن روزفلت ليس على وشك إخضاع المصالح والطموحات الامريكية للمنشادات العاطفية حول "القدر المشترك لأولاد العم الانغلوساكسونيين" حزم حقائبه وقال وداعا لفالا.

يتذكر الكثيرون في الشرق الاوسط هذه الحادثة التاريخية، وهم يشهدون ما يجري هذه الايام في ضوء المأزق الذي يعيشه العرب، والحيرة التي يواجهون بها هذا المأزق. فهم مع الديموقراطية التي تدعّي الولايات المتحدة انها تنوي تطبيقها في العراق وفلسطين وباقي الدول العربية، لكنهم في الوقت ذاته ضد الحرب الامريكية على العراق.

تجرّع الـسّـم!

وكما المواطنون كذلك الحكام العرب. فهؤلاء أيضا يناضلون للحفاظ على "إمبراطورية" سلطاتهم السياسية. وهم أيضا سيكون عليه التوّسل لكسب رضى الرئيس بوش. لكن الامور لن تكون سهلة بالنسبة لهم.

فما هو مطلوب منهم هو ان يتحّولوا إلى "إمبراطور" من دون إمبراطورية، أو الى ملكة بريطانية تملك ولا تحكم، أو الى خليفة إسلامي يتحدث بأسم السماء، فيما ثمة سلطان تحته يدير كل شؤون الأرض. وهذا سيكون أشبه بتجرّع السم.

قد يفترض البعض هنا أن هذه تطورات ايجابية. فأي شيء قد يكون اجمل من بناء كيانات ديموقراطية في العراق وفلسطين قد تتحّول لاحقا الى نموذج لتغيير كل الانظمة العربية الاستبدادية؟ ثم: أليس الدستور، والديموقراطية، وحكم القانون، والشفافية والمساءلة، التي دعا بوش لضخها في دماء الشرق الاوسط، هي نفسها المطالب المزمنة للشعوب العربية التي طالما اشتكت من تحالف الديموقراطيات الغربية والديكتاتوريات العربية؟

هذه التطورات ايجابية فعلا. لكن في الشكل فقط. وكما ان ليس كل ما يلمع ذهبا، ليس كل نظرية ديموقراطية عامة تعني بالفعل ممارسة ديموقراطية حقيقية على الارض.

فالكل يعرف، أولا،أن بوش ومعه بالطبع رئيس الورزاء الاسرائيلي شارون، آخر من قد يهتم ببناء ديموقراطية فلسطينية قد تنازع اسرائيل على موقع واحة الديموقراطية الوحيدة في الشرق الاوسط. وهذا في الواقع يلخّص بشطحة قلم واحدة الجذر الحقيقي (او على الاقل أحد الجذور الاهم) لأزمة الديموقراطية في كل انحاء العالم العربي. وهي أزمة "نحس" أو لعنة سوء حظ تكاد تكون مزمنة.

حظهم جيد!

هذه الحصيلة ليست كما قد يتبادر الى الاذهان، تكرارا لمشاعر الاضطهاد التي تجتاح العرب، كل العرب، منذ مائتي عام، بل هي حقيقة تاريخية واقعة.

ففي اوائل القرن التاسع عشر، كانت الامة العربية (كما قال ذات يوم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر) تبحث عن نسائم حرية تخرجها من حال الجمود والركود التاريخي، فإذا بها تتعرض الى عواصف عاتية أتت في صورة الاجتياح العسكري الفرنسي البونابرتي الكاسح لمصر.

وفي منتصف ذلك القرن، كانت براعم الحداثة والديموقراطية بدأت تتفتح بالتدريج في مصر وباقي الدول العربية، مع التجربة التحديثية الرائدة لمحمد علي باشا، فاذا بزوابع الاستعمار الاوروبي تنطلق لتخنق الحركة العقلانية والليبرالية لصالح التطرف الاصولي أو القومي العربي الرومانسي اللاديموقراطي.

وتكررت القصة نفسها طيلة القرن العشرين: الانظمة الاستبدادية تحكم من فوق (الدولة) بأسم "حالة الطواريء"، والمنظمات المتطرفة تحكم من تحت (المجتمع المدني) بأسم "تحرير الامة". وكل هذا بأشراف ورعاية الغرب المهيمن على المنطقة.

وخلال الجدل الاخير حول العراق، برزت هذه المعادلة واضحة كالشمس. الانظمة العربية الاستبدادية بلا استثناء، فقدت طيلة السنوات الثلاثين الماضية كل اوراق الشرعية، من فشل التنمية والنمو الاقتصاديين، الى سقوط مبررات ارجاء الديموقراطية وحريات الفرد بأنتظار نيل حرية الامة، وإنتهاء بتبخر كل سطوة الإيديولوجيات "الخلاصية" بعد فشلها الذريع على أرض الواقع.

ومع ذلك، لا يزال في وسع القادة العرب ادعاء امتلاك شرعية لا يجب مجادلتهم فيها. لماذا؟ لان "حظهم جيد"، وحظ الشعوب العربية تعيس.

ثـنـائـية!

فهذه الشعوب تنسى كل ما له علاقة بحقوقها في الديموقراطية وحقوق الانسان والعيش الكريم، حين يتعلق الامر بمأساة الفلسطينيين والعراقيين. والقادة العرب الذين يدركون هذه الحقيقة، يفعلون كل ما في وسعهم لجذب انظار الشعوب الى هذه المأساة من دون أن يعملوا بالطبع اي شيء حقيقي او عملي لمساعدة الفلسطينيين والعراقيين في محنتهم.

هذه الدينامية الخاصة للقضية العربية لعبت على مدار السنوات الثمانين الماضية دور القابلة القانونية التي ولد على يدها كل انواع الاستبداد العربي، وهي نقطة التقطها مبكرا الكاتب الليبرالي المغربي البارز عبد الله العروي.

ففي كتابه "العرب والفكر التاريخي" يسّجل أن المشكلة الفلسطينية "قوّت التيار التقليدي العربي إيديولوجيا ثم سياسيا". فالاصلاحات السياسية والاقتصادية لم توضع في اطار مناقض للفكر التقليدي بل تساكنت معه، وفي بعض الاحيان نفذت وبررت باسمه، فحافظت عليه وقوّته في الحالتين.

وهكذا، تم استغلال وجود ونمو الكيان الإسرائيلي كدليل على امكانية ازدواجية العلم الحديث والقومية الدينية، وعلى أن العلم الحديث غير مرتبط بالديموقراطية العصرية وبالفكر التاريخي وبالنظام العلماني .."

وعلى مستوى المجتمع العربي، كانت كل الحركات والتيارات الديموقراطية والليبرالية تنكمش على نفسها او تتراجع مع تقدم الصراع في فلسطين، وكان المثقفون ينحازون الى التيارات الرومانسية أوالفوضوية أو الاصولية.

وهذا ما كان وما يزال يوّلد الثنائية الراهنة في المنطقة العربية: سيطرة الاستبداديين على الدولة، وهيمنة الاصوليين على المجتمع. وبرغم ان هذه الثنائية تؤدي في الكثير من الاحيان الى الحروب الاهلية، الا ان كلا هذين الطرفين المتصارعين سعيد بسحق الديموقراطية والديموقراطيين بين فكي كماشتهما.

وفي مثل هذه الظروف، هل يمكن حقا للشعوب العربية ان تطالب بحقوقها السياسية الديموقراطية والاقتصادية والتنموية؟ وأي سعادة يمكن ان تحصل عليها الانظمة العربية، أكثر من تلك التي تجعل من الاصوليات الدينية المتطرفة المعارضة الوحيدة لها، فتبرز وهي ترتدي ملابس "الاعتدال"، وتحصل على درع الشرعية من الغرب. وفي الوقت ذاته، تزدهر الاصوليات المتطرفة فتزيد من "شرعيتها" ومن "شرعية" الانظمة الاستبدادية التي تعارضها.

الحلول

هل ثمة مخرج ما من هذه الحلقة المفرغة؟ أجل. لا بل هناك مخرجان في الواقع لا واحد.

الاول، في يد الشعوب العربية، التي يجب أن تعمل نخبها على انتشالها من فخ الاولويات القاتل التي تضعه الانظمة، واستبداله بأولويات جديدة تترعرع فيها مطالب الشعبين الفلسطيني والعراقي المحقة في حضن مطالب الشعوب العربية بالديموقراطية، والحريات، وحقوق الانسان، والتنمية الاقتصادية والتكنولوجية.

اما المخرج الثاني، فهو اقامة دولة فلسطينية حقيقية وديموقراطية وقابلة للحياة برعاية دولية(لا في الحضن الاسرائيلي). وإذا ما تحقق هذان الامران، أو على الاقل بدأ العمل بإتجاههما، لن تكون صورة تشرشل والكلبة "فالا" هي كل ما يتذكرّه المواطنون العرب وهم يقرأون ويسمعون ويشاهدون ما تفعله أمريكا في الشرق الاوسط هذه الايام.

سعد محيو - بيروت

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×