حملة انتخابية على الطريقة التونسية

الدكتور مصطفى بن جعفر (يمين الصورة) وحمة الهمامي (يسار الصورة) يتوسطهما السيد محمد بن هندة في الندوة الصحفية التي انعقدت في رواق مكتبة الديوان بجنيف يوم 14 أكتوبر 2004 swissinfo.ch

تعاقب على جنيف كل من أنصار الرئيس التونسي زين العابدين بن علي ومعارضوه للتحسيس بخصوصية الانتخابات الرئاسية المقبلة وتداعياتها.

هذا المحتوى تم نشره يوم 18 أكتوبر 2004 - 12:51 يوليو,

لكن شكل ومضمون العينة التي شهدتها في جنيف تركا عدة تساؤلات حول مدى نجاعة مثل هذه الحملات بعيدا عن المعنيين بالأمر مباشرة أي الرأي العام التونسي.

شهدت جنيف عينة من الحملة الانتخابية التي تعرفها تونس لإعادة انتخاب رئيس الدولة يوم 24 أكتوبر القادم، والتي يترشح فيها الرئيس الحالي زين العابدين بن علي لعهدة رابعة، إلى جانب ثلاثة مرشحين آخرين.

ولكن العينة التي شهدتها جنيف تعكس الواقع التونسي من حيث الشكل الذي اتخذته سواء تعلق الأمر بتدخلات أنصار الرئيس أو تحركات معارضيه، أو من حيث المضمون الذي عبر عنه كل من الطرفين.

الأنصار لا يترددون في استعمال الوسائل المكلفة لترسيخ فكرة أن "ضمان المكاسب مرهون بإعادة انتخاب الرئيس الحالي". ومعارضون يتقدمون في صفوف مبعثرة باتجاه النقطة التي يجتمعون حولها وتتلخص في "مقاطعة انتخابات يعتبرون أن نتائجها معروفة سلفا".

حملة لدعم الرئيس

ففي يوم 4 أكتوبر الجاري، عقد أنصار إعادة ترشيح الرئيس زين العابدين بن علي، في أحد افخر فنادق جنيف ندوة تحت عنوان "التنمية الاقتصادية وتعزيز المؤسسات الديموقراطية في تونس"، شاركت فيها النائبة البرلمانية سلوى التارزي، والمحامية حميدة لعبيدي والأستاذ والصحفي الهادي المشري، مدير مجلة "الاقتصادي المغاربي".

ومع أن الدعوة تمت باسم مؤسسة استثمار سويسرية، فإن العرض الذي تابعه حوالي 60 مدعوا، غالبيتهم من التونسيين تلخص في سرد المكاسب والإنجازات منذ تغيير السابع من نوفمبر 1987.

السيدتان سلوى التارزي وحميدة لعبيدي لخصتا الرسالة المراد إيصالها للحضور في الدعوة لاعادة انتخاب الرئيس بن علي "لضمان المكاسب الحالية، وبالأخص مكاسب المرأة"، ولترديد مقولة أنه "لا يجب تغيير فريق ناجح".

في المقابل، حاول الأستاذ والصحفي الهادي المشري التطرق بطريقة براغماتية للوضع الاقتصادي في تونس مستعرضا الإيجابيات والسلبيات، إلا أنه انتهى في نهاية المطاف إلى أن "تصحيح 7 نوفمبر أرسى قواعد اقتصاد تونسي متين" رافضا الملاحظات التي طالبته بذكر الظروف الإقليمية التي ساهمت في هذا الازدهار في حقبة التسعينات والمتمثلة في مشاكل دول الجوار (الجزائر بسبب سنوات الإرهاب، وليبيا بسبب الحصار الدولي).

وفي المحصلة، أجمع المحاضرون الثلاثة على ترسيخ فكرة أن "لا بديل اليوم عن برنامج الرئيس بن علي"، أما النقاش الختامي - الذي كان من المفترض أن يكون وديا - فقد انتهى بمشادات كلامية مع بعض المعارضين الذين اعتبروا أنهم قد "منعوا من طرح أسئلتهم".

"مهزلة انتخابية" في نظر المعارضة

أما المعارضة التونسية التي حاولت تقديم صورة موحدة على الأقل في الخارج باستقدام نخبة من زعمائها من أمثال مصطفى بن جعفر الأمين العام للتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات، ومنصف المرزوقي رئيس حزب المؤتمر من اجل الجمهورية، وحمة الهمامي الناطق باسم حزب العمال الشيوعي التونسي وممثل عن الحزب الديمقراطي التقدمي، فقد برهنت على أنها لا تتحد إلا حول "رفض استمرار النظام الحالي من خلال الدعوة إلى مقاطعة الانتخابات".

ولقد امتنع منصف المرزوقي من المشاركة في الندوة الصحفية المشتركة التي جمعت يوم 14 أكتوبر في جنيف عددا محدودا من ممثلي وسائل الإعلام السويسرية، بدعوى "رفض إقصاء أحد التيارات المعارضة" (والمقصود هنا حركة النهضة) من قبل منظمي الندوة.

وفي تدخله، وصف السيد مصطفى بن جعفر ما يتم الإعداد له بأنها "ليست انتخابات بالمرة، لأن نتائجها معروفة سلفا، وهي أن الرئيس زين العابدين بن علي سيخلف نفسه مرة أخرى"، مضيفا بأن ذلك "سيضيع فرصة تاريخية وهي إحداث تغيير في هرم السلطة إن لم يكن في النظام فعلى الأقل في الشخص الذي يمثله".

وبعد أن عدد الإصلاحات التي أدخلت على الدستور لتمكين الرئيس بن علي من تجديد ترشيح نفسه مرة ثالثة، اعتبر السيد بن جعفر أن تونس تحولت من "نظام رئاسة مدى الحياة إلى نظام رئاسة حسب الحالة الصحية". وهو ما يرى أنه بإمكانه أن يسمح له بمواصلة إدارة شؤون البلاد حتى العام 2014 وبعدها قد يعاد النظر في القوانين للسماح له بالاستمرار إلى أبعد من ذلك.

وفي تقييمه لحصيلة الفترة الرئاسية السابقة، يرى السيد مصطفى بن جعفر أنها تميزت "بانغلاق تام وباحتكار كامل لوسائل الإعلام وبالأخص التلفزة والإذاعة، وان الساحات العمومية يرخص بها بشكل متشدد عندما تفرض الأحداث الدولية ذلك مثل الحرب في العراق او في فلسطين".

أما عن المكاسب التي تحدث عنها أنصار الرئيس بن علي فيرى السيد بن جعفر أنها "مكاسب الحقبة السابقة للسابع من نوفمبر 1987".

وفي معرض تبرير الدعوة إلى مقاطعة الانتخابات الرئاسية، اعتبر السيد مصطفى بن جعفر أن "المقاطعة قد تكون خطوة تاريخية لو اتحدت القوى المعارضة الحقيقية في مقاطعة الانتخابات لترك النظام وزبانيته أمام مهزلتهم ولتجنيب الشعب التونسي المشاركة في تلك المهزلة"، كما لم يتردد في وصف الوضع السياسي في تونس اليوم بأنه "يشبه إلى حد كبير بعض الأنظمة في المعسكر الشرقي قبل انهيار جدار برلين".

معارضة "معينة من الرئيس "

السيد حمة الهمامي تحدث من جهته عن العراقيل التي تعترض عملية تسجيل الناخبين في القوائم معتبرا أن "هذه المرة سيتم إقصاء حوالي مليوني ناخب من بين الستة الذين يحق لهم التصويت". يضاف إلى ذلك أن الهيئة التي تشرف على الانتخابات والتي كانت غير موجودة من قبل، "تم إسنادها للمجلس الدستوري الذي يعين أعضاؤه من قبل الرئيس والذي ينقل تقاريره للرئيس مباشرة".

وبخصوص المعارضة التي تم الاعتراف بها من قبل النظام والتي لها ممثلون في البرلمان فيرى السيد الهمامي أنها "معارضة قرر الرئيس تعيينها في البرلمان في عام 1994" من أجل إضفاء طابع التعددية نظرا لكون هذه المعارضة "غير قادرة على الوصول عن طريق صناديق الاقتراع" حسب قوله.

وعند توجيه سويس إنفو للمحاضرين سؤالا حول أسباب عدم قدرة المعارضة على توحيد صفوفها وتقديم برنامج بديل، أجاب السيد مصطفى بن جعفر بأن "ما ينقص تونس اليوم ليس تجمع القوى السياسية بقدر ما ينقصها توفر الحريات الضرورية القادرة على تنظيم نقاش وحوار حقيقي بين كافة القوى للوصول إلى بلورة برنامج بديل"، وذهب السيد بن جعفر إلى حد اعتبار "أن الذين يرددون ذلك إنما يرددون ما يقوله النظام، أي لا بديل بعده غير الأصوليين" حسب تعبيره.

السيد حمة الهمامي اعترف هو الآخر بأن الأوضاع الحالية ناجمة عن تضييق الرقابة من قبل النظام، الا انه شدد على أن "هذه الظروف بالذات تتطلب توحيد القوى المعارضة من أجل مواجهة هذا الإغلاق". ويعترف السيد الهمامي بأنه "إذا كان هناك اتفاق حول برنامج مطالبة بالإصلاحات وبالحريات، وحول اعتبار أن هذه الانتخابات الرئاسية عبارة عن مهزلة، فإن الأحزاب الخمسة المعارضة لا تتفق حول السبل التي يجب انتهاجها وحول إمكانية المشاركة في الانتخابات التشريعية" على حد قوله.

ورغم أهمية ما جاء في شقي هذا الجدل التونسي الذي دارت أطواره على ضفاف بحيرة ليمان، إلا أنه يبقى مجرد تلميع للواجهة باتجاه الخارج من كلا الطرفين (السلطة والمعارضة)، لان النقاش الحقيقي والمجدي هو الذي يتم بين أحضان الشعب التونسي وتحت سمعه وبصره، ذلك أن "أهل مكة أدرى بشعابها" مثلما يقول المثل.

محمد شريف – سويس إنفو – جنيف

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة