سباق رئاسي محفوف بمخاطــر

مثل رفض المجلس الدستوري لملف ترشح أحمد طالب الإبراهيمي وزير الخارجية الجزائري الأسبق مفاجأة للكثيرين swissinfo.ch

بعد أن أقصى المجلس الدستوري الجزائري 3 شخصيات مهمة من سباق الرئاسة وفي ظل التناقض القائم بين حجج المُقصي والمقصي، تحوم تساؤلات عديدة.

هذا المحتوى تم نشره يوم 02 مارس 2004 - 20:20 يوليو,

وتثور الشكوك حول براعة عبد العزيز بوتفليقة في محاولته حصر خصومه داخل مجموعة خماسية، حسابات التحالف بينها معقدة، وهي في مجموعها تخدم الرئيس الجزائري، باستثناء حالة واحدة.

خرج من سباق الرئاسة رجل كان متوقّـعا له أن يُنافس الرئيس الجزائري، وهو الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي، وزير الخارجية الأسبق الذي لم يهضم إقصاء المجلس الدستوري له واتهمه بأنه أداة في يد بوتفليقة.

كما أكد الإبراهيمي أن حياد الجيش بالطريقة التي يتبعها الآن، لا تخدم الديمقراطية في البلاد، لأن بوتفليقة يفعل ما يشاء بالطبقة السياسية، والجيش لا يُـحرك ساكنا بدعوى الحياد الإيجابي.

وفي الوقت نفسه، لا يمكن نفي شيئين اثنين عملا في غير صالح الإبراهيمي، وهما غيابه السياسي النسبي طيلة السنوات الخمس الماضية، ثم عداوته الشديدة والمستعصية مع جماعات الطرق الصوفية التي تمقت الاتجاه السلفي للإبراهيمي وتعتبر والده الشيخ البشير الإبراهيمي عدوها الأول.

معادلة الدكتور الإبراهيمي مع الطرق الصوفية ترجحها قوة نفوذ رجل البلاد القوي، أي عبد العزيز بوتفليقة، لصالح الزوايا والتكايا، عوض الوقوف مع وزير الخارجية الأسبق، ولقائل أن يقول، ربما تكون عهدة الرئيس الجزائري أفضل مرحلة بالنسبة لأصحاب الطرق الصوفية لأن بوتفليقة يهوى شيوخها ولا يرى ضيرا في التوسل إلى الله بولي صالح حيا كان أو ميتا.

لعبة معقّـدة

كما أقصى المجلس الدستوري رئيس الحكومة الأسبق، سيد أحمد غزالي الذي دارت بشأنه روايتان. الأولى، أن المجلس لم يجد النصاب القانونية في تعداد الموقعين لصالحه، أي 75 ألف موقع، أما الرواية الثانية، فتتمثل في تصور سيد أحمد غزالي المبني على فكرة أنه أُقصِـي بسبب انتمائه إلى غرب البلاد، الأمر الذي كان سيسمح له بقضم أصوات ناخبين كثيرين في المنطقة التي ينتمي إليها الرئيس الجزائري.

أما المقصي الثالث، فهو موسى تواتي، زعيم حزب "عهد 54" الذي حلّ حزبه في المرتبة الرابعة في الانتخابات البلدية الأخيرة. غير أن الرجل لم يُثر زوبعة كبيرة بسبب إقصائه، لكنه توعّـد بوتفليقة بأن يجمع أنصاره كي يصوتوا على رجل غيره، وهو على الأرجح علي بن فليس، الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني.

إن هذه التسمية قد لا تروق للكثيرين، لأن القضاء الجزائري أو بالأحرى المحكمة العليا، ألغت قرارات المؤتمر الثامن لحزب جبهة التحرير الوطني الذي عُقد خلال شهر مارس من العام الماضي، والذي تقرر فيه تعيين علي بن فليس أمينا عاما للحزب.

وفي مثل هذه الحالة، وإذا ما أضفنا إقصاء ثلاث شخصيات سياسية هامة من سباق الرئاسة إلى الوضعية الجديدة للأمين العام "السابق" لحزب جبهة التحرير الوطني الذي سيتقدم إلى سباق الانتخابات الرئاسية بوصفه مرشحا مستقلا، لا يمكن إلا استنتاج لعبة معقدة تخدم بوتفليقة في مجملها، إلا أنها قد تخرج عن نطاق السيطرة.

إشكالية بن فليس وبراعة بوتفليقة

بداية، يُـنافس بوتفليقة على كرسي الرئاسة الوحيد خمس شخصيات سياسية أهمها أربعة، وهم علي بن فليس، والشيخ عبد الله جاب الله، زعيم حركة الإصلاح الإسلامية، وسعيد سعدي، زعيم التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، ولويزة حنون، زعيمة حزب العمال اليساري.

وضمن هذه المجموعة، يُصبح أكثر المتنافسين حظا لمقارعة بوتفليقة في الدور الثاني، هو الشيخ عبد الله جاب الله. وفي غياب الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي، سيمنح إسلاميون كثيرون أصواتهم إلى جاب الله من باب اتباع قاعدة "الولاء والبراء".

ومن نافلة القول الإشارة إلى أن اتباع جزء من الناخبين لهذه القاعدة سيجعل جاب الله بعبعا مخيفا، لأن أصوات مؤيدي جبهة الإنقاذ الإسلامية المحظورة ستميل إليه، غير أن فرصها في غلبة أصوات المؤيدين لبوتفليقة في الدور الأول ضئيلة، وهي في نفس الوقت كفيلة بنقل المعركة إلى الدور الثاني.

وبذلك يتضح أن وصول جاب الله إلى الدور الثاني بهذه الطريقة خدمة لا نظير لها لبوتفليقة الذي سينال دعم الجيش سرا وعلنا لنصرته على "من يريد خراب الدولة-الجمهورية"، ولا يُـعتقد أن باقي الطبقة السياسية تريد أن ترى جاب الله رئيسا للبلاد.

وبما أن حظوظ لويزة حنون، السياسية الجزائرية الأولى في سباق الرئاسة لن تكون كبيرة، فسيبقى على علي بن فليس مقاومة رغبة التفرد التي تنتاب سعيد سعدي زعيم التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، الذي ما انفك يُـظهر ميلا مستمرا لدعم التوجهات السياسية لمسقط رأسه في بلاد القبائل.

ويُمثل علي بن فليس بالنسبة للكثيرين حلا وسطا لمعضلة "جاب الله - بوتفليقة". فالرجل من التيار الوطني وهو على علاقة طيبة بباقي الطبقة السياسية بمن فيها حركة الإصلاح، وعداءه المستفحل للرئيس الجزائري يمثل منفذا للذين يعتقدون أنهم تورطوا يوما ما عندما فرضوا بوتفليقة على الجزائريين.

يتمثل السبب في أن بن فليس هو الأفضل لهذا الاحتمال كونه ابن الدولة والمؤسسة، كما أنه لا يريد إقامة جمهورية إسلامية تناقض ما هو سائد في الوقت الراهن.

وقد يبدو هذا التصور واضحا ومقنعا، إلا أن إقصاء ثلاثة مرشحين وإلغاء شرعية حزب جبهة التحرير الوطني جعلت عبد العزيز بوتفليقة في موقف القوي المدافع عن مصالح الدولة العليا. لذلك، يعمل علي بن فليس على إقناع جاب الله بالتخفيف من حُـلمه في الوصول إلى سدة الرئاسة، لأن الإسلاميين قد يوصلون بوتفليقة إلى الرئاسة مجددا.

وفي نفس الوقت، كيف يمكن للإسلاميين أن يثقوا في بن فليس وهو يُـناضل من أجل تحقيق مشروع لا يتناسب وأفكارهم؟ وهنا تظهر الإشكالية التي تواجه بن فليس وبراعة بوتفليقة في الاستفادة من التناقضات القائمة.

هل يكذب الناخب الحسابات؟؟

هذه الاستفادة وصفها البعض بسلوك الرئيس العراقي السابق صدام حسين في بداية حكمه عندما استعمل سياسة ضرب الخصوم بعضهم ببعض عربا وشيعة وأكرادا، إضافة إلى استعمال سياسية العصا والجزرة ليتحول بعد ذلك إلى دكتاتور قاس.

لم تظهر علامات القسوة على بوتفليقة ولم يقتل أحدا من خصومه لحد الآن، وهو ما جعل مهمة بن فليس في غاية الصعوبة بل تحول وصوله إلى الدور الثاني إلى مربط فرس خصوم بوتفليقة من كل حدب وصوب.

ووسط هذه الظروف المعقّـدة، تروج في البلاد إشاعة كبيرة وخطيرة، وهي أن المؤسسة العسكرية ستستدعي الرئيس الجزائري أو ستُـخبره بطرقها المختلفة أنه شخصية غير مرغوب فيها، وأن الأخطاء التي ارتكبها في السنوات الخمس الماضية تستدعي إقصاءه النهائي.

لم يستطع أحد من الصحفيين أو السياسيين تأكيد أو نفي هذه الإشاعة، لأن الجيش لا يَـرُد على الإشاعات، غير أنها أصبحت لدى البعض بمثابة الخبر اليقين.

في المقابل، تمثل عملية إقصاء ثلاثة مرشحين صورة من صور تغلب بوتفليقة على تهديد وهمي أو حقيقي يُسمّـى نفوذ الجيش لدرجة دفعت البعض للتأكيد على أن بوتفليقة لم يَـعِـد العسكر شيئا عندما وصل إلى سدة الرئاسة عام 1999.

وفيما ستُجرى الانتخابات الرئاسية في الثامن من شهر أبريل المقبل، ومع أن حسابات السياسيين والمراقبين تدعم هذا الطرح أو ذاك، إلا أن أحدا لم يتحرك ليسأل المواطن الجزائري عن رأيه.

وبما أن تزوير نتائج الانتخابات مثلما كان يتم في السابق أصبح شبه مستحيل اليوم، لذلك قد تحدث المفاجأة يوم الاقتراع خلافا لكل حسابات الحاسبين...

هيثم رباني - الجزائر

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة