شارون يواجه مجددا ملفات لبنان القديمة

مجزرة صبرا وشاتيلا لا زالت تلاحق أريال شارون الذي كان المشرف على عملية غزو لبنان واقتحام بيروت عام اثنين وثمانين Keystone

هل يمهد برنامج "بانوراما" التلفزيوني الذي عرضته هيئة الاذاعة البريطانية "بي.بي.سي" مساء الأحد الماضي، على الرغم من الاحتجاجات الاسرائيلية الشديدة التي سبقته ثم تلته، لحملة دولية منظمة هدفها اسقاط رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون؟ هذا التساؤل يطرحه البعض بإلحاح في عدد من العواصم الغربية

هذا المحتوى تم نشره يوم 19 يونيو 2001 - 16:38 يوليو,

هذا على ما يبدو الانطباع الذي يتركه رد الفعل المتشنج للحكومة الاسرائيلية، والذي وصل الى حد اتهام قناة "بي.بي.سي" بمعاداة السامية، وهو رأي بعيد كل البعد عن القناة البريطانية المعروفة، على رغم حيادهاالتقليدي، بميلها التاريخي لصالح اسرائيل.

برنامج "بانوراما" الأسبوعي مشهور بتعرضه الى قضايا ساخنة، وباعتداله في مناقشة المسائل التي يتطرق اليها. وفي حلقته التي بثت يوم الأحد الماضي، التي استغرقت ساعة، والتي أدانتها اسرائيل منذ يوم الجمعه الماضي، ناقش معدو البرنامج، تحت عنوان "المتهمون"، ما إذا كانت المجازر التي ارتكبت في مخيمي صبرا وشاتيلا عام اثنين وثمانين، والتي كانت تتم تحت نظر ومسمع ارييل شارون، الذي كان وقتها وزيراً للدفاع في اسرائيل، تبرر ملاحقته قانوناً أمام محكمة جرائم الحرب التابعة للامم المتحدة، واعتباره مجرماً ارتكب جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية.

كما ناقش معدو البرنامج مع عدد من أبرز المختصين في القانون الدولي، إمكانية ملاحقة مسؤولين عسكريين اسرائيليين، ولبنانيين من الذين ارتكبوا هذه الفظائع أو سهلوا القيام بها.

وفي مناظر يقشعر لها البدن، استعاد معدو البرنامج مشاهد المجازر التي ارتكبها نحو مائة وخمسين من عناصر ميليشيات "القوات اللبنانية"، على مدى ثلاث وثمانين ساعة في هذين المخيمين، بعدما سمح لهم شارون، وبأمر شخصي مكتوب منه حسبما جاء في الشريط، بدخول هذين المخيمين اللذين كانا يفتقدان الى أي حماية.

عهود ووعود نكثت

وكانت الولايات المتحدة واسرائيل تعهدتا، بموجب اتفاق ابرم مع القيادة الفلسطينية، وعقب شهرين من الحصار الرهيب الذي تعرضت له بيروت في صيف عام اثنين وثمانين، بالتكفل بسلامة العائلات المدنية في حال انسحب المقاتلون الفلسطينيون من بيروت.

لكن القوات الاسرائيلية التي خالفت وعوداً أعطاها شارون لواشنطن بعدم دخول المناطق التي أخلاها المقاتلون الفلسطينيون في العاصمة اللبنانية، ما لبثت أن اقتحمت كل أحياء بيروت في الخامس عشر من شهر سبتمبر أيلول بعد ساعات قليلة من اغتيال الرئيس اللبناني بشير الجميل الذي كانت اسرائيل تقف وراء تعيينه في منصبه.

ومساء السادس عشر من الشهر ذاته، سمح شارون للقوات اللبنانية بدخول المخيمين، على رغم معرفته مسبقاً بالمجازر التي ستحدث، وضرب عرض الحائط بكل المعلومات والتقارير التي وافاه بها الصحافيون والجنود والضباط الاسرائيليون، والتي أكدت ارتكاب الميليشيات اللبنانية اليمينية مجازر راح ضحيتها أكثر من أربعة آلاف ، ستون في المئة منهم فلسطينيون والبقية لبنانيون، على الرغم من أن البرنامج أشار الى سقوط ثمانمائة ضحية فحسب.

وعرض البرنامج بوضوح الى الفظائع التي ارتكبها رجال الميليشيات الذين دربهم الاسرائيليون، ومنها اغتصاب النساء وقطع الأعضاء التناسلية للرجال وبقر بطون الحوامل والتمثيل بالضحايا قبل اطلاق النار عليهم، وتركهم ينزفون لساعات طويلة بدون مساعدة، قبل أن يلفظوا أنفاسهم.

واستعاد البرنامج كذلك تفاصيل عمليات القتل، وموقف الاسرائيليين بقيادة شارون وقائد الاركان آنذاك، الجنرال راموس يارون، وكيف تجاهلا التحذيرات التي وصلت اليهما عن السلوك الدموي لعناصر الميليشيات. وأشار كذلك إلى أن شارون زود عناصر الميليشيات، عندما طلب منهم الانسحاب، بجرافات قامت بردم الجثث تحت أنقاض البيوت والمنازل.

ولا يحمل البرنامج أي تجنٍ أو عداء لاسرائيل، بل قد يكون مناهضاً للبنانيين من خلال لجوءه إلى التعميم والاطلاق عندما جعل من السلوك الاجرامي للميليشيات مسلكا عاماً يشمل كل اللبنانيين بدون تمييز أو استثناء.

وقابل معد البرنامج محامي شارون ومساعده، في حين رفض شارون أن تجري مقابلته شخصياً. كما التقى عسكريين اسرائيليين وضحايا وشهود عيان وصحافيين وحاول شرح تفاصيل ما حدث. كما قابل ايلي حبيقة قائد قوات الميليشيات التي ارتكبت المجزرة، والذي قال إنه لا يخشى المثول أمام العدالة الدولية، في حال حوكم كمجرم حرب. وكذلك عبّر أحد قادة الميليشيات اللبنانية المسيحية، وهو فؤاد أبي نادر، عن عدم خوفه من محاكمته أمام محكمة دولية، وإن أظهرت تصريحاته في البرنامج معرفته بهويات الذين ارتكبوا المجازر.

تخوفات من امكانية الاعتقال

وكانت لجنة تحقيق رسمية (لجنة كاهان) عُينت في اسرائيل بعد انكشاف المجازر وخروج تظاهرات احتجاج، جمعت في احدى المرات أربع مائة ألف متظاهر، قد دفعت شارون الى الاستقالة من منصبه كوزير للدفاع، على رغم بقائه عضواً في الحكومة. وكان السبب تحميل لجنة التحقيق شارون المسؤولية غير المباشرة عن المجزرة.

ويخلص البرنامج الى أن شارون يمكن أن يقدم قطعاً أمام محكمة جرائم الحرب التابعة للامم المتحدة. وأيد هذا الرأي ثلاثة من خبراء القانون الدولي من اسرائيل وبريطانيا والولايات المتحدة تحدثوا في الحلقة.

ويُعتقد أن توقيت البرنامج أثار حنق شارون الذي يخشى من أن تكون هناك حملة دولية لاقتلاعه من منصبه. وتشعر العواصم الأوروبية وكذلك واشنطن بالاستياء من تطرف شارون، وبالخوف من أن يقود المنطقة الى الحرب بسبب عدائه لاي تسوية سلمية.

ومن شأن الدعوى التي سترفعها الفلسطينية سعاد سرور أمام المحكمة البلجيكية، وربما أمام محكمة الأمم المتحدة، مع ثمانية وعشرين ضحية آخرون ممن تعرضوا الى الاغتصاب وقتل أفراد أسرهم أمام ناظريهم، أن تمهد، في صورة قبولها، لاعتقال شارون في حال غادر اسرائيل إلى أي دولة أجنبية.

ويتخوف شارون أن يتحول هذا الأمر الى عبء ومنطلق ادانة للحكومة والدولة في اسرائيل، وأن يضعف موقف اسرائيل في المحافل الدولية، سيما وأن من يحكمها هو في الواقع متهم بمسؤوليته المباشرة عن ارتكاب جرائم تعادل في فظاعتها جرائم المحرقة النازية التي استطاعت اسرائيل بواسطتها أن تدين أوروبا على الدوام.

ابراهيم الشريف - لندن

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة