Navigation

عائد من بغداد

على الرغم من المعاناة، نجح العراقيون في اترميم اغلب ما دمر في بغداد Keystone

تحول محمود معروف، مراسل سويس اينفو في المغرب الاقصى، مؤخرا الى بغداد للمشاركة في مؤتمر عربي وعاد بجملة من الانطباعات عما شاهده من تغير في الحياة اليومية للعراقيين، قد تخفى عن الكثيرين

هذا المحتوى تم نشره يوم 21 مايو 2001 - 17:04 يوليو,

ليست هي المرة الاولى التي ازور فيها بغداد بعد حرب الخليج الاولى. لكنها المرة الاولى التي ارى فيها العاصمة العراقية، رغم استمرار الحصار المفروض على البلاد، تنتقل من حالة الحرب الى حالة الاسترخاء.

المرة الاولى التي زرت فيها عاصمة الرشيد ، كانت في اكتوبر عام واحد وتسعين، كانت الجراح لازالت تنزف، والسواد يغطي الشوارع، وحكايات الحرب والغارات الجوية ومآسي الحصار، تهيمن على ما اسمع.

كانت بغداد، في ذلك التاريخ، لا تزال تحمل اثار الحرب. جسورا مهدمة ولاشيء الا الركام من معالم نهضة عمرانية، ووجوه متعبة انهكها الجوع وبدايات تفسخ في مجتمع عرفت عنه المحافظة المتشددة، اضافة الى مظاهر انهيار في ادارة اشتهرت بحزمها.

وفي اكتوبر من عام خمسة وتسعين، كانت زيارتي الاخيرة لها، دون ان تختفي اثار الحصار، والناس اعتادوا الحصار جوعا وشحة في الادوية، وكأنه قدرهم الازلي الذي لا مفر منه، لكن بغداد كانت استعادت بهاءها، ونجحت في اعادة اعمار كل ما هدم واضافت له انجازات عمرانية مذهلة.

كان العراقيون يتفاخرون ان ما هدم ودمر بالحرب كان من انجاز شركات ضخمة يابانية وكورية وصينية وانهم اعادوا بنائه واضافوا له، بأيد وامكانيات عراقية، مثلما حصل مع برج المواصلات، الذي بنته شركة كورية واعاد العراقيون بناءه مضيفين لارتفاعه خمسة عشر مترا

حضور طاغ للسلطة

وفي كل الزيارات التي قمت بها، كان الحضور الطاغي للسلطة في كل نواحي الحياة، الشيء الذي لا يتغير او يتقلص، وهو حضور كان يلقى بعض الرضى، ليس لانه يضيق الخناق على المواطن او انه يحمي البلاد من الهجمات السياسية والامنية التي تتعرض لها من اعداء كثر وتحافظ على حد ادنى من مظاهر الدولة الموحدة والمستقرة التي كادت ان تختفي بعيد الحرب، بل لان الحضور الطاغي للسلطة، احد الضمانات لتأمين لقمة العيش لكل المواطنين من خلال البطاقة التموينية التي تؤمن حدا ادنى من الاحتياجات الانسانية بأسعار شبه مجانية وتدرأ عن الغالبية مجاعة محققة.

في النصف الاول من شهر مايو ايار، كنت في بغداد للمشاركة في الدورة الحادية عشر للمؤتمر القومي العربي، والانشغال بالمؤتمر لم يمنعنا من لمس جوانب من حياة بغداد اليومية، التي تحمل مؤشرات الوضع الاقتصادي والاجتماعي في البلاد.

فالسنوات التي مرت على تنفيذ خطة النفط مقابل الغذاء، سمحت للحكومة العراقية برفع حظ المواطن العراقي من المواد التي تتضمنها البطاقة، لتغطي اكثر من تسعين بالمائة من حاجياته الغذائية والانسانية.

والسنوات التي مرت بقدر ما كانت قاسية على المواطن والسلطة بقدر ما تجعل من اية كوة في جدار الحصار، انتصارا يضاف الى انتصارات صغيرة سبقته، لتصنع النصر بالنسبة للعراق، سلطة ومواطنين.

فهبوط الطائرات في مدرج مطار بغداد الدولي، نصر ليس له مثيل، والاعلان عن اساليب جديدة لممارسة العقوبات، انتصار اضافي، لانه يحمل في طياته هزيمة منكرة للاساليب القديمة.

ليل بغداد ومستلزماته

لكن الجديد الاهم في الحياة اليومية العراقية هو عودة ليلها. ولليل مستلزماته، التي لم تصل بعد الى مستلزمات ليل القاهرة او باريس او لندن، لكنها اذا ما تواصلت بنفس النسق الحالي، فلن تكون ليالي بغداد اقل اثارة وسخونة من ليالي هذه العواصم.

ليل بغداد، الذي يتجلى مع صيفها الحار، يمتد حتى الصباح، في المطاعم الفخمة التي فتحت حديثا.

ازدحام مستغرب، وديكورات ومحتويات تريد ان تفاخر بنفسها، وواجهات محلات مشعة بالاضواء، عارضة نماذج من الالبسة الرجالية والفساتين النسائية المستوردة من ارقى دور الازياء في العالم، او لسلع كهربائية واجهزة كومبيوتر، بل ان جل انواع السجائر المعروضة، سمعت باسمائها للمرة الاولى في بغداد.

وفي الشوراع تتحرك السيارات بمختلف انواعها من الامريكي الى الياباني بموديلاتها المختلفة، والممتدة من سيارات يصل عمرها الى خمسة عقود، الى سيارات خرجت لتوها من مصانعها.

كل شيء يتخيله الانسان موجود في شوارع بغداد، لكن تترافق هذه الجملة مع تساؤل عمن يستطيع ان يشتري؟ ولماذا كل هذا؟ وهل يتناسب مع الوضع العراقي العام؟ وهل اتى في اطار نمو مطرد للقدرة الشرائية العراقية؟

سؤال يرد في ذهن كل زائر للعراق، ويصبح الجواب عنه، ايا كان، نوعا من "الفانتازيا"، عندما يكون مرتب الموظف العراقي لا يتجاوز الدولارين او الثلاثة دولارات.


من الواضح ان السلطة العراقية التي تؤسس سياستها في كثير من الاحيان على العامل النفسي والمستند الى التحدي، تريد ان تبعث برسائل لخصومها، تؤكد فيها ان الحصار الذي فرض على البلاد منذ احد عشر عاما لن يغير من مواقفها.

لكن ما تشهده شوارع بغداد يشير الى نمو طبقة جديدة استفادت كثيرا من الحصار، وطبقة اثرياء الحرب عادة ما تثير ضغينة عامة الناس الذين يحلمون بالحصول على قطعة لحم كل اسبوعين او ثلاثة اسابيع.


محمود معروف - بغداد

مقالات مُدرجة في هذا المحتوى

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.