Navigation

Skiplink navigation

عودة إلى المربع الأول في موريتانيا

الرئيس الموريتاني معاوية ولد سيدي أحمد الطايع لدى استقباله لوزير الخارجية الإسرائيلي سيلفان شالوم في نواكشوط يوم 3 مايو 2005 swissinfo.ch

تشن السلطات الموريتانية منذ فترة حملة أمنية واسعة ضد التيار الإسلامي بمختلف فصائله وطوائفه بتبريرات شتى.

هذا المحتوى تم نشره يوم 03 يونيو 2005 - 13:20 يوليو,

وتثير الحملة مشاعر الإحباط وخيبة الأمل في صفوف الأطراف السياسية التي تفاءلت بالنتائج التي أسفرت عنها محاكمة الانقلابيين، وخلوها من أحكام الإعدام، وتبرئة المحكمة ساحة قادة المعارضة السياسية.

تأتي الحملة الأمنية الجديدة التي تباشرها السلطات الموريتانية ضد التيار الإسلامي بمختلف فصائله وطوائفه، لتضع حدا لآمل الكثير من السياسيين الذين استقبلوا بارتياح نتائج "محاكمة الانقلابيين"، قبل ثلاثة أشهر من الآن، وخلوها من أحكام الإعدام، وتبرئة المحكمة ساحة قادة المعارضة السياسية، وما أعقب ذلك من حوار جمع لأول مرة بين أحزاب الأغلبية وأحزاب المعارضة.

الحملة الأمنية الجديدة ضد التيار الإسلامي كانت هذه المرة شاملة، وشكلت مسحا للطاولة، بحيث لم يسلم منها أي من أطراف التيار الإسلامي، لا المعتدلون ولا المتشددون، بل ولا حتى المقربون من النظام، والحجة دائما كسابقاتها : الحرب على الإرهاب.

ورغم أن السلطات هذه المرة تؤكد أنها ضبطت مجموعة من الشباب "السلفيين الجهاديين"، كانوا عائدين من الصحراء الحزائرية بعد تلقي تدريبات عسكرية في معسكرات "الجماعة السلفية للدعوة والقتال"، لتنفيذ عمليات إرهابية داخل موريتانيا، أو للقتال في العراق، إلا أن المراقبين يجمعون على أن السلطات تسعى من وراء هذه الحملة الشاملة، إلى انتهاز الفرصة للانقضاض على التيار الإسلامي المعتدل، الذي يشكل أحد أركان المعارضة السياسية في البلد، خصوصا جماعة "الإخوان المسلمين"، التي شاركت في اللعبة الديمقراطية منذ بدايتها سنة 1992، وانضم معظم قادتها ومناصريها إلى الأحزاب السياسية المعارضة، بعد أن رفضت السلطات الترخيص لحزب سياسي خاص بالإسلاميين.

التوتر المزمن

بدأت بوادر الصراع بين الإسلاميين ونظام الرئيس الموريتاني معاوية ولد سيدي أحمد الطايع، تلوح في الأفق منذ إعلان هذا الأخير عن دستور تعددي يفتح الباب أمام تشكيل أحزاب سياسية مستقلة.

فقد كان الإسلاميون في طليعة من حاولوا ركوب موجة الديمقراطية الجديدة، وأعلنوا عن تأسيس حزب سياسي تحت اسم "حزب الأمة"، لكنهم سرعان ما اصطدموا بجدار الواقع، فقد أبلغتهم وزارة الداخلية رفضها الترخيص للحزب نهائيا، وحظر أنشطته، واستغلت حينها أجواء العنف الذي يجري في الجزائر بعد إلغاء نتائج الانتخابات التي فازت فيها جبهة الإنقاذ الإسلامية، وتذرعت بأن القانون الموريتاني يمنع تشكيل الأحزاب الدينية.

ولم يكد الإسلاميون الموريتانيون يفيقون من صدمة رفض الترخيص لهم في بلد يقبل على ديمقراطية كانوا يرونها واعدة، حتى عاجلهم النظام بضربة ثانية كانت هذه المرة اشد قسوة، تمثلت في اعتقالات شاملة في صفوفهم سنة 1994، واتهامهم بتشكيل تنظيم سري يعمل في الخفاء.

واستمر التوتر على أشده في العلاقة بين النظام والإسلاميين، حيث واجهوا حملات اعتقالات متعددة، وفي كل مرة كان النظام يفرج عنهم دون تقديمهم للمحاكمة، وفي سنة 2000 قامت السلطات بحل حزب اتحاد القوى الديمقراطية الذي أسسه الزعيم المعارض أحمد ولد داداه وتحالف فيه مع الإسلاميين.

وفي سنة 2003 شنت سلطات الأمن من جديد حملة اعتقالات واسعة شملت العشرات من قادة وأنصار هذا التيار، قبل أن يفرج عنهم بحرية مؤقتة بعد ثلاثة أشهر ونيف في السجن، وغداة خروجهم من السجن واجه الإسلاميون الرئيس الحالي ولد الطايع بقوة في الانتخابات الرئاسية في شهر نوفمبر 2003، وشكلوا القوة الجماهيرية الداعمة لمنافسه القوي الرئيس السابق محمد خونا ولد هيداله، الذي اعتقل قبل الانتخابات بيوم واحد، وصدر بحقه حكم بالمنع من الحقوق السياسية والاجتماعية لمدة خمس سنوات.

وفي سنة 2004 أسس الإسلاميون بالتحالف مع شخصيات مستقلة وبعض التيارات القومية الزنجية، حزبا جديدا تحت اسم "حزب الملتقى الديمقراطي"، لكن وزارة الداخلية رفضت مبدأ استلام ملفه، وأبلغت القائمين عليه برفضه قبل أن يولد.

"صناعة الإرهاب"

رحلة المد والجزر في العلاقة بين الإسلاميين والنظام الموريتاني، وحالة العداء المستحكم بين الطرفين، توقع الكثيرون أن تضع أوزارها مع ما اعتقد أنه توجه نحو الانفتاح، خصوصا وأن "منتدى الحوار الديمقراطي" الذي نظمه أحد أحزاب الأغلبية الحاكمة، دُعي إليه الإسلاميون للمشاركة فيه بوصفهم طرفا سياسيا ذا وزن معتبر في الساحة السياسية.

لكن اتهام الإسلاميين الموريتانيين بالإرهاب، أمر لم يكن مستساغا لدى أحزاب المعارضة الموريتانية، بما في ذلك الأحزاب اليسارية، التي ترى أن النظام الموريتاني يسعى لصناعة "إرهابيين متطرفين" من أجل الاستفادة من مناخات الدعم الدولي للحرب على الإرهاب.

ويقول قادة حزب اتحاد قوى التقدم اليساري، في بيان أصدروه ووقع عليه 13 حزبا سياسيا معارضا: "إن محاولة دمج أو ربط مجموعة من العلماء وأئمة المساجد ورجال الدين، مع تنظيمات خيالية تم نسج شطرها الأكبر بالإفك والزور، والشطر الثاني منها نسج داخل الزنزانات وتحت سياط الجلادين، يعتبر نوعا من التضليل وخلط الأوراق المرفوض".

لعبة خلط الأوراق

وينفي "الإسلاميون المعتدلون" أية صلة لهم بالمنظمات المتشددة، ويقولون إن الحكومة الموريتانية تحاول الخلط بينهم وبين بعض الجماعات المتشددة التي لا يترددون في إدانة أعمالها.

ويقول القيادي الإسلامي محمد جميل ولد منصور المطلوب للاعتقال في موريتانيا: "نحن مستعدون لإدانة أي تنظيم يتبنى الإرهاب والعنف"، لكن ولد منصور يحمل الأنظمة العربية بما فيها النظام الموريتاني مسئولية وجود الجماعات المتطرفة ويضيف: "هذه الأنظمة المستبدة - ومنها النظام الموريتاني - هي التي توفر الأجواء المناسبة لنمو التطرف والغلو، ونحن نعتقد أن الحرية والديمقراطية واحترام القانون وحقوق الإنسان، هي أهم الأسلحة لمواجهة العنف والتشدد".

بل إن الإسلاميين في تصريحاتهم وتظاهراتهم يمضون إلى حد محاولة سحب البساط من تحت أقدام الحكومة الموريتانية، ونسف حججها، ويرفعون شعارات ترفض العنف والإرهاب، ويصفون ما تقوم به الحكومة من اعتقالات ومضايقات ضدهم، بأنها محاولة "لصناعة الإرهاب"، لكنها محاولة يقول ولد منصور إنها "لن تستفزنا ولن تدفعنا إلى القيام بردات فعل لا تتناسب ومنهجنا الوسطي المعتدل، وخطنا السلمي الرافض للعنف والتكفير".

وتبرر الحكومة الموريتانية عودتها لحملات الاعتقال في صفوف التيار الإسلامي والرجوع بالبلاد إلى أجواء التوتر والترقب، بالقول إنها محاولة لكبح جماح هذا التيار الذي تصفه بالمتطرف، والذي يستغل المساجد لأغراض الدعاية السياسية والذهبية والطائفية، كما يقول وزير الإعلام الموريتاني.

لكن المتابعين للشأن الموريتاني يرون أن من أبرز نتائج هذه الاعتقالات، إصابة الحراك الذي شهدته الساحة السياسية خلال الشهور الأخيرة بالشلل التام، وتوقف جهود الحوار والانفتاح السياسي، ودخول البلاد في شبه حالة طوارئ، ويحمل هؤلاء مسئولية ذلك لجناح في النظام يصفوه بـ"المحافظ".

ويبدو أن هذا الجناح (مثلما يعتقد الكثير من المراقبين) يرفض أي انفتاح سياسي ويسعى للإبقاء على الأوضاع متوترة، بغية الاحتفاظ بالحكم والحيلولة دون فتح المجال أمام الحديث عن الفساد الإداري والمالي الذي اعترف به الرئيس ولد الطايع نفسه.

لكن السؤال المطروح هو: إلى متى تستمر هذه الدوامة في الصراع المحتدم بين الإسلاميين والنظام الموريتاني؟، ومتى سيكون هناك تصالح وتطبيع في العلاقة بين الطرفين؟، ذلك ما يقول الإسلاميون إنه "مشروط بتراجع النظام عن مظالمه، وتخفيف الوطأة الاقتصادية على شعبه، ويتصالح مع الجميع حوارا وانفراجا"، ويقول وزير الإعلام الموريتاني إن من أهم شروطه، "أن يكون الإسلاميون طرفا سياسيا ناضجا، ينبذ التطرف وينتهج الأساليب الديمقراطية في العمل السياسي".

محمد محمود أبو المعالي - نواكشوط

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة