فرنسا قلقة بسبب "الإنعزالية الإسلامية".. فما هو الوضع في سويسرا؟

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطابا عرض خلاله خطته لمحاربة "النزعة الإنفصالية" لدى تيارات الإسلام الراديكالي في منطقة لي ميرو ، الواقعة في ضواحيباريس يوم الجمعة 2 أكتوبر 2020. Copyright 2020 The Associated Press. All Rights Reserved
هذا المحتوى تم نشره يوم 17 أكتوبر 2020 - 11:00 يوليو,

بداية هذا الشهر، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، خطة عمل مثيرة للجدل تهدف إلى التصدّي "للانعزالية الإسلامية" الساعية إلى "إقامة نظام مواز"، و"إنكار قيم الجمهورية". فما هي حظوظ نجاح هذه الخطة التي من المرجح أن تتحوّل إلى قانون مع نهاية هذا العام؟ وهل تواجه سويسرا خطرا مشابها؟ وما مدى استعدادها للتعامل معه؟

الخطاب الذي ألقاه ماكرون يوم 2 أكتوبر الجاري انطلاقا من إحدى الضواحي الحساسة الواقعة شمال شرق باريس، يمكن وصفه بأنه إعلان حرب على ما بات يسمى في فرنسا "الانفصالية الإسلاموية" في إشارة إلى ظاهرة "المجتمعات الموازية في الاحياء الشعبية الفقيرة والمهمّشة الواقعة خارج المدن الفرنسية الكبرى، وذلك من خلال حزمة من التدابير والإجراءات التي هدفها، والعبارة لماكرون "تحرير الدين الإسلامي من التأثيرات الخارجية".

الحاجة إلى "إسلام فرنسي"

تستند هذه الرؤية الرسمية الفرنسية إلى قناعة بأن مشاكل فرنسا مع مواطنيها من أصول مهاجرة والقادمين في أغلبهم من مستعمرات فرنسية قديمة في شمال إفريقيا ومن بلدان جنوب الصحراء، سببه قراءاتهم الخاطئة للإسلام. هذه الديانة التي بحسب ماكرون "تمر بأزمة في جميع أنحاء العالم"، وأن حل مشكلات فرنسا يكمن بالتالي في إيجاد "إسلام فرنسي بإمكانه التعايش بسلام مع قيم الجمهورية". 

لتحقيق ذلك، أعلن ماكرون سعي فرنسا لإصدار قانون سيظهر إلى الوجود قريبا يشدّد الرقابة على التمويلات الخارجية لأماكن العبادة، ويفرض تكوين الأئمة على الأراضي الفرنسية، ويُلزم الجمعيات والمنظمات الإسلامية والنوادي الثقافية والرياضية باحترام علمانية الدولة، ويضيّق الخناق على المؤسسات التعليمية الخاصة التي تنشر أفكارا انعزالية، تقسّم المجتمع.

لكن هذه الرؤية، منذ إعلانها، أثارت ردود فعل واسعة من جهات رسمية دولية ومن خبراء ومتابعين كثيرين. فقد وصفها معهد البحوث التابع للأزهر بمصر بكونها "دعوة عنصرية، تخلط القيم الحقيقية التي تدعو إليها الأديان بالتوظيف الخاطئ لها من قبل حركات هدامة تريد الإضرار بالمجتمعات الانسانية"، بينما اعتبرتها تركيا خطة "استفزازية تمثل إهانة شعبوية للمسلمين، وتغطي على فشل فرنسا في إدماج مهاجريها".

خطة ماكرون: الإجراءات المعلنة

  • إلزام أي جمعية تطلب إعانات من الدولة بالتوقيع على ميثاق العلمانية.
  • تشديد الرقابة والأنظمة المؤطرة لعمل المدارس الخاصة.
  • فرض قيود صارمة على التعليم المنزلي.
  • الدعوة إلى فهم أفضل للإسلام وتعليم اللغة العربية من أجل إسلام يتعايش بسلام مع الجمهورية وخال من "التأثيرات الأجنبية".
  • تشديد الرقابة على تمويل دور العبادة.
  • الانتهاء في غضون أربع سنوات من العمل بنظام الأئمة المُلحقين، ويتعلق الامر بـ 300 إمام ترسلهم دوريا كل من المغرب والجزائر وتركيا إلى المساجد الفرنسية.
  • وضع "معايير دقيقة" لتكوين الأئمة في فرنسا، ووضع حد لنظام تدريب الأئمة في الخارج وتعزيز الرقابة على تمويل هذا التكوين.
  • التنديد بنظام "الغيتوهات" في الأحياء الفقيرة.
End of insertion

غموض وتضارب

أما  الدكتور رضا بن كيران، مؤلف ومدرّس بجامعة فريبورغ متخصص في قضايا العلمانية والمواطنة والحداثة في المجال الإسلامي فيقول تفاعلا مع ما جاء في خطاب ماكرون: "إذا كان الإسلام يعيش أزمة، وهذا صحيح (خاصة فيما يتعلق بالفكر الديني الذي لم يعد قادرًا على إنتاج المعرفة بما يتوافق مع عصرنا ومجتمعاتنا)، فإن فرنسا تعيش أزمات متعددة، واختصار مشكلات فرنسا في علاقتها بالإسلام رؤية خاطئة وسطحية".

وأما بالنسبة لجملة التدابير التي اقترحها ماكرون في خطابه، فيقول هذا الباحث السويسري من أصول مغربية، والذي سبق أن حصل على دكتوراه من جامعة ليون الفرنسية: "المفارقة فيما اقترحه ماكرون هو أنه في الوقت الذي يتزعّم الدفاع عن العلمانية الفرنسية وعن قيم الجمهورية يكرّس من خلال مقترحاته تدخّل الدولة في تشكيل أفكار المواطنين وقناعاتهم الدينية ويدعو إلى تشديد الرقابة على أماكن العبادة والتدخل في تكوين الأئمة وبناء فهم خاص للدين، في مخالفة تامة لجوهر فكرة العلمانية الذي هو الفصل بين الدين والسياسة".

ورغم وعي ماكرون بخطورة الخلط بين الإسلام كدين يتجاوز عدد أتباعه المليار نسمة، وتيارات الإسلام السياسي الراديكالي التي تريد بناء مجتمعات معزولة وتخلق حالة من عدم الانسجام بين مكوّنات المجتمع الواحد، فإن النتيجة التي يتوصّل لها ماكرون، يقول رضا بن كيران، هو "الوقوع في المطبّ الذي حذّر منه"، بادعائه أن "الإسلام يعيش أزمة في جميع أنحاء العالم"، وأن فرنسا في مسعى إلى "قيام إسلام بالإمكان أن يتعايش في سلام مع قيم الجمهورية"، مما يعطي الانطباع بأن "الديانة الثانية في فرنسا تشكل تحديا للجمهورية، وبأنها على الأقل في وضعها الحالي ليست عنصر أمن واستقرار بالنسبة للدولة الفرنسية، مما يخلق إحساسا لدى المسلمين في فرنسا بأنه غير مرحّب بهم".

تشخيص خاطئ لمشكلة معقّدة

في مقابل التشخيص الذي قدمه ماكرون لأزمة بلده بداية هذا الشهر، يرى بن كيران، باحث ومدرّس بجامعة فريبورغ أن "لب المشكل يكمن في النظام السياسي الفرنسي المعتمد لآلية الدولة المركزية، وأن إلقاء المسؤولية على الإسلام فيما تعيشه فرنسا من مشكلات إنما هو لأغراض انتخابية، ولحشد المؤيدين وكسب ودّ شرائح تناصر في العادة أفكار اليمين المتطرّف". وفي هذا السياق، يرى الباحث الاجتماعي أن "ظاهرة "السترات الصفراء" هي في جوهرها تمرّد على نظام الدولة المركزية، الذي لم يعد يلبّي مطالب فئات اجتماعية كثيرة في فرنسا".

ثم إن هذا التشخيص وهذا الخطاب الذي يلقي بالمسؤولية على جزء من شرائح المجتمع، وفق بن كيران، سبق أن جُرّب في عهديْ وزير الداخلية الأسبق شارل باسكو والرئيس السابق نيكولا ساركوزي، ولم يحقق أي نتيجة أو يحل أي مشكلة، قبل أن يضيف هذا الخبير بأن "ماكرون القادم إلى السلطة من خارج المنتظم السياسي الفرنسي التقليدي كانت أمامه فرصة لبناء الجمهورية الفرنسية السادسة بعد الاحتجاجات الاجتماعية التي شهدتها فرنسا في السنتيْن الأوليين لحكمه إلا أنه لم يكن رجل المرحلة، لأنه بدل مرافقة تلك الاحتجاجات وتحقيق مطالبها، بإحداث إصلاحات سياسية واجتماعية عميقة عمل على قمعها مستخدما عنف الدولة وهراوات الشرطة".

وأمام هذا الفشل، اختار ماكرون الهروب إلى الامام ملقيا باللائمة على "أعداء الجمهورية" الذين تحولوا - بقرار واختيار منه - إلى "كبش فداء" لفشله، ناهيك أن "هذه الفزاعة لها مصداقيتها في الخطاب الكولونيالي الذي لم تقطع معه بعض النخب الفرنسية، لأن فرنسا الكولونيالية لم تقم بنقدها الذاتي حتى الآن"، يضيف رضا بن كيران. وبهذا المعنى تعبّر خطة ماكرون عن "رؤية مرضيّة للواقع"، على حد قوله.

الواقع في سويسرا

ترى هل لهذا الجدل من معنى في سويسرا، البلد المجاور لفرنسا، والذي يشترك معه، أو على الأقل مع نسبة مهمّة من سكانه، في اللغة والثقافة المسيحية – اليهودية والهوية الأوروبية؟ وإلى أي حدّ توجد في بلد جبال الألب نزعات لخلق "مجتمعات موازية" بدوافع دينية؟

ترى مالوري شنوولي بوردي، الخبيرة في مجال علم اجتماع الأديان والهجرة والباحثة حول الإسلام والمسلمين في أوروبا والأستاذة المحاضرة بجامعة فريبورغ أن الوضع في سويسرا يختلف نسبيا عن الوضع في فرنسا "لأن المهاجرين المسلمين في فرنسا ينحدر معظمهم من أصول جزائرية ومغربية وتونسية، بينما ينحدر المهاجرون المسلمون في سويسرا في العموم من بلدان البلقان: كوسوفو، وألبانيا ومقدونيا الشمالية، والبوسنة والهرسك، وجنوب صربيا. وفي منطقة البلقان وحدها هناك تعددية، ناهيك عن وجود مهاجرين آخرين من بلدان إسلامية عديدة".

رغم ذلك لا تنكر الباحثة السويسرية وجود بعض نواة لجيوب تميل إلى الانعزال والانغلاق على نفسها على مستوى مناطق معيّنة، في ضواحي مراكز حضرية كبرى مثل جنيف ولوزان وفينترتور وزيورخ وسانت -غالن وبازل. وبالنسبة إليها "في الوقت الحالي، هذه الجيوب لا تمثل خطرا حقيقيا على تماسك المجتمع السويسري، لأنها تكتفي برفض التواصل مع محيطها، وتعيش في انسحاب من المجتمع، وهذا يمثل مشكلة لها حصريا، ولكن لا يمثل تجاوزا للقانون. أما إذا تحوّلت إلى جيوب تضع نفسها في مواجهة المجتمع، أو تريد محاربته، أو وضع قواعد بديلة للقوانين السائدة. عندئذ فقط تصبح خطرا على المجتمع".

رغم ذلك، فليس من المحتمل أن تشهد سويسرا جدلا شبيها بما يحصل في فرنسا، لسببيْن رئيسييْن وفقا للدكتورة شنوولي: أوّلا: "مادامت الهيئات الإسلامية في سويسرا منظمة قانونيا في شكل جمعيات مدنية، لأنه في هذه الحالة تكون الرقابة عليها خاضعة للقانون الخاص، وليس للقانون العام. ولن تتمكّن الجهات التي تريد تشديد الرقابة على المساجد من حيث التمويل والنشاط وتكوين الأئمة من القيام بذلك إلا بعد الاعتراف بالمؤسسات الإسلامية كهيئات منفعة عامة بناء على القانون العام". وثانيا: لا يُمكن الزام الهيئات الاسلامية باحترام مبدأ العلمانية لأن الدستور السويسري لا ينص على أن سويسرا دولة علمانية تفصل بين الدولة والكنيسة (جنيف ونوشاتيل يمثلان استثناء)، ووفقا لشنوولي بوردي: "لا تزال سويسرا تعترف بمساهمة الكنائس المسيحية التاريخية في بناء قيم التعايش المشترك... كما لا تزال الدولة تموّل الكنائس جزئيا، وإن كان ذلك من خلال الكانتونات التي تتكفّل أيضا بتنظيم أوضاع المجموعات الدينية"، ولهذا السبب تضيف الباحثة "توجد في سويسرا 26 طريقة مختلفة لتنظيم العلاقة بين الكنائس والدولة".

لكن هذا الاختلاف لا ينفي اشتراك البلديْن في خاصيّة هي في الحقيقة قاسم مشترك للعديد من الأقطار الأوروبية، وتتمثّل في اللعب على عواطف الناس خلال المحطات الانتخابية عبر التلويح بورقة الهجرة والأديان والعنف ضد القصّر. ورغم مساعدة الديمقراطية المباشرة في الحد من تلاعب السياسيين بهذا النوع من القضايا الحساسة لأغراض انتخابية، تقول مالوري شنوولي:"لم يمنع ذلك حزب الشعب السويسري خلال حملة حظر المآذن من استخدام نساء مرتديات للبرقع، أو استخدام الخرفان السوداء في حملته للحد من الهجرة، وفي الحالتيْن هو تلاعب بعواطف الناس، وهو تقريبا نفس الأمر الذي يحدث في فرنسا".

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة