Navigation

فــي انتظــــــار القـــدوة

Keystone Archive

كان "الإسلام السياسي" أو "Islamism" محور محاضرة أكاديمية ولقاء مطول أجرته سويس إنفو مؤخرا في زيوريخ مع الدكتور إبراهيم كروان مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة يوتاه بالولايات المتحدة

هذا المحتوى تم نشره يوم 23 أكتوبر 2002 - 16:37 يوليو,

ويرى الخبير العربي أن حكمة القيادة السياسية تظل العامل الأساسي في التعاطي مع هذه الظاهرة المعقدة والمتنامية في بلدان المنطقة.

منذ مأساة 11 سبتمبر، تحول ملف الحركات الإسلامية وكل ما يتعلق بالإسلام والمسلمين عموما إلى خبز يومي لوسائل الإعلام الأمريكية والغربية والدولية، وتداول مفكرون وخبراء وإعلاميون وسياسيون على شتى منصات التحليل والشرح تجليات الظاهرة وخلفياتها وأسبابها ومسبباتها وأبعادها.

وعلى الرغم من اهتمامها التقليدي بالإستراتيجيات الأمنية والعسكرية في أوروبا الشرقية وبلدان الفضاء الأوروبي الغربي والأطلسي، أفردت الدورة الخامسة للمنتدى الدولي للأمن الذي انتظم في زيوريخ من 14 إلى 16 أكتوبر الجاري ورشة عمل خصصت لموضوع الإسلام والحركات الإسلامية في القارة الأوروبية وفي العالمين العربي والإسلامي.

وقد حرص منظمو الدورة التي شارك في أشغالها أكثر من أربع مائة شخص معظمهم من أصحاب الخبرة الميدانية في شتى المجالات المرتبطة بالأمن والسلم والإستراتيجيا على إشراك عدد من الباحثين المتخصصين في شؤون الحركات الإسلامية والشرق الأوسط نظرا للأهمية القصوى التي أضحت ترافق الملف في البلدان الغربية.

صفارات الإنذار..

كان الدكتور إبراهيم كروان مدير معهد دراسات الشرق الأوسط في جامعة يوتاه (الموجودة في مدينة سالت ليك سيتي غرب الولايات المتحدة) أبرز المتحدثين يوم الثلاثاء 15 أكتوبر عن "الإسلاموية" أو "الإسلام السياسي"، وذلك بحكم متابعته للملف ومعرفته الواسعة بشؤون المنطقة منذ كان خبيرا في المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية في لندن في منتصف التسعينات.

منذ البداية، يرفض الدكتور كروان الحديث عن "الظاهرة" الإسلامية، ويؤكد أن الإسلام السياسي أو "الإسلاموية" تشمل ظواهر متعددة لا مجال لاختزالها في ظاهرة وحيدة أو قالب جامد. وعلى الرغم من التشابه في الأهداف أو الإستراتيجيات المتبعة من طرف معظم من ينتمون لهذه التيارات، إلا أنه دعا كباحث إلى إعادة النظر في العديد من المُسلّـمات المتعلقة بها بعد مرور حوالي ربع قرن على اندلاع الثورة الإسلامية في إيران.

فقد أطلق وصول الملالي إلى سدة الحكم في طهران، صفارات الإنذار في عواصم الغرب والمنطقة، حيث خشي العديد من الماسكين بدفة الحكم والنفوذ من أن تنجح الكثير من حركات الإسلام السياسي – بحكم نظرية الدومينو – في السيطرة على مقاليد الأمور في معظم دول العالم العربي.

ومنذ ذلك الحين، تركز الإهتمام من جانب الخبراء والقوى الغربية على محاولة فهم "أي تهديد تمثله الحركات الإسلامية على أنظمة الحكم في المنطقة"، فيما أثبتت الوقائع فشل الإسلاميين عموما في الوصول إلى السلطة على الرغم من خطابهم المبسط الذي يسهل إستيعابه من طرف الجماهير العريضة ومن تأزم الأنظمة الحاكمة وفسادها.

استيعاب الدرس..

ويذهب الدكتور كروان إلى أن أداء الإسلاميين لم يختلف جوهريا عن ممارسات القوميين الذين استقطبوا تأييد الجماهير في البلدان العربية طيلة الخمسينات والستينات. ففي الحالتين، لعبت الإختلافات الإيديولوجية والشخصية دورا كبيرا في تأجيج الصراعات بين المنتمين إلى التيارين كما اشترك الطرفان في "التهوين من قوة الدولة" وفي "ممارسة سيئة للحكم" أظهرت أنهم ليسوا أفضل بكثير ممن سبقوهم.

وعلى الرغم من تنبؤات البحاثة والخبراء، إلا أن نظرية الدومينو لم تجد لها تطبيقا عمليا في كل من البحرين والعراق وشرق السعودية التي تقطنها أغلبيات شيعية والتي كان يُـفترض أن تتأثر بشكل أو بآخر بالثورة الإسلامية في إيران. كما أن ممارسات نظامي الحكم "الإسلاميين" في السودان وأفغانستان لم تقدم أمثلة مغرية أو محبذة الإتباع لمؤيدي التيارات الإسلامية ولأعدائها على حد السواء.

ومن جانبهم، تمكن الزعماء العرب من الإستفادة من الزلزال الإيراني وحصّـنوا أنظمتهم بشكل يقطع على الإسلاميين الطرق الخمس المؤدية إلى الحكم، وهي حسب الدكتور إبراهيم كروان: الإغتيال والإنقلاب العسكري والإنتفاضة الشعبية والبرلمان وحتى ما يُـسمى بأسلمة المجتمع من الأسفل.

وعلى الرغم من بعض الجدل الذي أثاره هذا التصنيف، إلا أن رئيس مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة يوتاه شدد على أن الأنظمة الحاكمة ردت بعنف هائل ولا متناهي (في حماة بسوريا وفي مصر بعد اغتيال السادات وفي الجزائر عقب فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الدور الأول من الإنتخابات الإشتراعية)، ولسان حالها يقول للجميع أنه "لا مجال لمواجهة الدولة بالمرة"!

خيبات .. ومخاوف

ويرى الدكتور كروان أن ما شهدته المنطقة من تفاعلات خلال العشريتين المنقضيتين أدى إلى بروز جدل عنيف داخل صفوف الإسلاميين بين متشددين اعتبروا أن "مستوى النضال غير كاف" وتحولوا (على غرار تنظيم القاعدة ومؤيدي بن لادن) إلى استهداف الولايات المتحدة الأمريكية الراعية بل الحامية الأساسية – حسب رأيهم - للأنظمة القائمة، وبين واقعيين رأوا أنه لا بد من مزيد من الإعتدال في المواقف والقبول بالحلول الوسط من اجل الخروج من دوامة العنف وعدم الإستقرار.

ويحذر الخبير في شؤون الحركات الإسلامية من مقولة "نهاية الإسلاموية" أو الـ Islamism ويؤكد أنه لا توجد نهاية لظاهرة تتغذى يوميا من تراكم عوامل اجتماعية واقتصادية متعددة، ومن مناخ سياسي غير سليم تتضح فيه يوما بعد يوم أبعاد الفساد والعلاقة الوثيقة القائمة بين أنظمة الحكم وواشنطن مما يزيد من تأجيج المشاعر واستفزازها.

ومع افتقاد الأجيال الجديدة للأمل في ظل تنامي البطالة، وخاصة في صفوف خريجي الجامعات، وتآكل شرعية النخب الحاكمة، فان الحركات الإسلامية تظل "أحد أشكال مناخ الرفض" الذي يسود المجتمعات العربية بأشكال متفاوتة.

في المقابل، لا يمكن التسرع عندما يتعلق الأمر بقياس حجم التأييد للظاهرة الإسلامية. فعلى الرغم مما تؤشر إليه بعض نتائج مواعيد انتخابية متفرقة في مشرق العالم العربي ومغربه من حين لآخر، إلا أن الدكتور كروان ينبه إلى تنامي الخوف في قطاعات معينة من السكان من الظاهرة الإسلامية بشكل عام.

فقد أوضحت التجارب الأخيرة - على الرغم من قلتها – أن الجاذبية الهائلة التي تكتسبها التيارات الإسلامية عندما تكون في المعارضة تتراجع بشكل كبير عندما تصل إلى السلطة.

فبعدما كشفت عنه الحالات الإيرانية (على الرغم من بعض الخصوصية) والسودانية والأفغانية من خيبات، لم يعد بامكان الإسلاميين في تلك الدول على الأقل التذرع بالحجة القديمة "نحن لم نُـجرّب بعد" عند الرد على تساؤلات ومخاوف المناهضين لهم. وهو ما أدى إلى "خوف حقيقي في بعض قطاعات المجتمع مما سيكون عليه شكلهم في الحكم".

الحكمة .. والقدوة!

ويضرب الدكتور إبراهيم كروان أمثلة على هذه القطاعات المتوجسة، مشيرا إلى الأقليات الدينية والليبيراليين واليساريين وغيرهم الذين لم يطمئنوا بعدُ تماما إلى ما سيكون عليه موقف الإسلاميين من قضايا المواطنة والأقليات ومن المسائل المتعلقة بضمان المساواة في الحقوق بين أبناء البلد الواحد ومختلف القضايا المرتبطة بوضع المرأة والحريات وغيرها من الملفات الشائكة.

وفي محاولة لتجنب الإنزلاق في التعميمات والتبسيط، أفاد الدكتور كروان أن مركز دراسات الشرق ألأوسط الذي يشرف على إدارته في جامعة يوتاه قرر – في ما يبدو سيرا عكس التيار - تسليط الأضواء على تجارب ورموز الإعتدال في التيارات الإسلامية في العالمين العربي والإسلامي مثل الدكتور محمد سليم العوا من مصر وعبد الكريم سروش من إيران.

أخيرا، يرى الخبير المصري الأصل في حديثه الطويل لسويس إنفو أن الخطوة الأصح برأيه تتمثل في "إشراك من لا يلجؤون إلى العنف في إطار العمل السياسي الشرعي" لأن الصعوبات الواقعية والتعقيد الشديد الذي يطبع مختلف أوجه الحياة اليوم، كفيلة بدفع هذه التيارات إلى مزيد من الإعتدال والتعقل.

لكن هذا يحتاج بالأساس إلى "حكمة القيادة السياسية أكثر من أية عوامل هيكلية أخرى" حسب الدكتور كروان الذي يستشهد بنجاعة الأسلوب الذي أقدم عليه العاهل الأردني الراحل الملك حسين لمعالجة الأوضاع في أعقاب انتفاضة عام 1989، حيث اتخذ إجراءات انفتاحية خففت من الإحتقان السياسي ثبّـتت نظام الحكم بدلا من تهديده.

وفي انتظار "حكمة القيادة"، يشدد الدكتور إبراهيم كروان على أن الظاهرة الإسلاموية أو ما يعرف بالإسلام السياسي، ليست مرشحة للإختفاء قريبا لأنه ليس لها نهاية. كما أن انتصارها ووصولها إلى الحكم ليس حتميا. ويرى أنه لا بد من إقناع الأنظمة باعتماد الإصلاحات الضرورية لأن مشكلتنا الأساسية تتمثل في القدوة .. القدوة في التفكير .. والقدوة في التحليل .. والقدوة في .. الحكم!

كمال الضيف - سويس انفو

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.