Navigation

كاترينا تكشف الفقر في أعماق المدينة

بعد طول انتظار يستعد الناجون من إعصار كاترينا الذين رُحّـلـوا إلى مآوي مؤقتة في مدينة هيوستن (عاصمة ولاية تكساس) للتحول إلى أماكن أخرى للإقامة فيها Keystone

كشف إعصار كاترينا الذي عصف بالأخضر واليابس خاصة في مدينة نيو أورلينز بولاية لويزيانا للعالم بل وللأمريكيين كيف أن معظم الضحايا الذين لم يتمكنوا من الهرب كانوا من الفقراء ومن السود بالتحديد.

هذا المحتوى تم نشره يوم 14 سبتمبر 2005 - 08:57 يوليو,

ولا زال الجدل مستمرا حول العلاقة بين الفقر والعنصر من جهة وبين احتمالات النجاة ومدى اهتمام الرئيس بوش بسرعة الاستجابة للمحنة الإنسانية.

أصبح هناك إدراك في المجتمع الأمريكي الآن لحقيقة أن معظم ضحايا الإعصار كانوا من أفقر المواطنين في أمريكا وممن يقل دخلهم السنوي عن عشرة آلاف دولار سنويا وبالتالي كانوا ممن لا يمتلكون سيارات خاصة كان من الممكن أن يقودونها بعيدا عن خطر الفيضانات في نيو أورلينز، ولم توفر لهم السلطات المحلية وسائل النقل العام أو أوتوبيسات المدارس لتنقلهم بعيدا عن الخطر.

ويرى جاك هارالد مدير معهد إدارة الأزمات والكوارث بجامعة جورج واشنطن أن مخططي الطوارئ الأمريكيين يدركون منذ سنوات أن الفقر ونقص وسائل المواصلات في مدينة نيو أورلينز يخلقان مشكلة رئيسية، غير أن الحكومة الأمريكية أنفقت وقتا ومالا أكبر بكثير في إعداد وكالاتها الفيدرالية بدلا من تزويد المجتمعات المحلية المهددة بالكوارث مثل نيو أورلينز الواقعة وسط حزام الأعاصير بالموارد الكافية لمواجهة كوارث طبيعية مثل إعصار كاترينا.

ويتفق كثير من علماء الاجتماع في أمريكا على أن إعصار كاترينا وضع الشعب الأمريكي أمام حقيقة اعتاد أن يتناساها وهي أنه في كل مدينة تقريبا من مدن أكبر وأغنى دولة في العالم توجد مجتمعات سكانية يعيش فيه مواطنون أمريكيون فقراء.

وفي حالة مدينة نيو أورلينز التي كانت قبلة للسائحين المقتدرين لم يكن هناك من يهتم بحقيقة أن ثمانين في المائة من فقراء المدينة يعيشون تحت خط الفقر وعندما ضرب الإعصار المدينة انتقل هؤلاء الفقراء ومعظمهم من السود من هامش المجتمع إلى بؤرة المأساة وشاهدهم الأمريكيون من مختلف المستويات الاجتماعية على شاشات التليفزيون وهم محاصرون لا يجدون الطعام ولا الماء ولا المأوى.

كاترينا بين البيض والسود

وأظهر أحدث استطلاع للرأي أجرته شبكة" سي إن إن" مع مؤسسة جالوب أن ستة من بين كل عشرة من الأمريكيين السود يعتقدون بأن بطء الحكومة الفيدرالية في توفير خدمات الإغاثة والإنقاذ لضحايا الإعصار في نيو أورلينز كان راجعا لحقيقة أن معظمهم من الأمريكيين السود بينما عبر واحد فقط من بين كل ثمانية من الأمريكيين البيض عن نفس الاعتقاد، وأيدت نسبة وصلت إلى 63 في المائة من الأمريكيين السود مقولة أن عمليات الإنقاذ كانت أبطأ لأن الضحايا كانوا من الفقراء بينما لم يرجع بطء عمليات الإنقاذ إلى فقر الضحايا سوى 21 في المائة من الأمريكيين البيض.

ومنذ الأيام الأولى لفشل الحكومة الفدرالية في الاستجابة بسرعة لمحنة ضحايا الإعصار، بدأ الأمريكيون السود يرددون وبصوت عال اتهاما للرئيس بوش بأنه لا يهتم بالسود ووصلت نسبة من يساندون هذا الاعتقاد إلى 79 في المائة من الأمريكيين السود مقابل 33 في المائة من الأمريكيين البيض.

الشئ الوحيد الذي اتفقت عليه غالبية الأمريكيين من البيض والسود الذين استطلعت آراؤهم هو ضرورة إجراء تشكيل لجنة تحقيق مستقلة لتقييم أداء الحكومة في التعامل مع كارثة الإعصار، وكان من الملفت للنظر حقا في ذلك الاستطلاع تأكيد من استطلعت آراؤهم على أن بطء استجابة حكومة الرئيس بوش لمحنة ضحايا الإعصار سيظل محور اهتمام وتركيز الأمريكيين السود لفترة طويلة.

وبينما حاول كل المسئولين الأمريكيين وعلى رأسهم وزيرة الخارجية الأمريكية وهي من الأمريكيين السود الإيحاء بأن "الزعم بأن إعصار كاترينا كشف النقاب عن الانقسام في المجتمع الأمريكي استنادا إلى خطوط تفصل الفقراء عن الأغنياء والبيض عن السود هو زعم يستند إلى المشاعر المفعمة وليس إلى أرقام أو حقائق"، أظهر تقرير التنمية الإنسانية للأمم المتحدة لعام 2005 أن ما اعتاد الأمريكيون أن يطلقوا عليه "الحلم الأمريكي" قد تحول حتى قبل إعصار كاترينا إلى"كابوس".

وضرب التقرير مثالا على ذلك بأن تدني الرعاية الصحية للفقراء من الأمريكيين السود في العاصمة الأمريكية جعل معدل وفيات الأطفال الرضع بينهم أعلى من نظيره في ولاية كيرالا في الهند. كما سجل تقرير الأمم المتحدة للتنمية الإنسانية أن معدلات الفقر بين الأطفال الأمريكيين تزيد حاليا عن عشرين في المائة.

واستخدم التقرير الذي صدر قبل أيام في 370 صفحة صياغة جريئة غير معتادة في انتقاد الولايات المتحدة حين قال بالحرف الواحد: "هناك حاجة عاجلة لتطوير إطار أمني يتخطى نطاق الرد العسكري على الإرهاب، فالفقر والتقسيم الاجتماعي يشكلان المكونات الرئيسية للمخاطر التي تتهدد الأمن العالمي". ولم يتردد التقرير في انتقاد سياسات الولايات المتحدة الخاصة بمكافحة مشكلة الفقر سواء داخل أمريكا أو في العالم.

"هل يحس بوش بفقراء أمريكا؟"

تصدى الكاتب جون هوايت هيد، رئيس معهد راذرفورد، وهو معهد محافظ يكرس جهوده للدفاع عن الحقوق المدنية، للإجابة على هذا السؤال فقال: "إن مغني الراب الأمريكي الأسود كانيي وست خرج عن النص المتفق عليه لتقديمه حملة لجمع التبرعات لضحايا كاترينا على شاشة شبكة إن بي سي واتهم بوش بأنه لا يهتم بالفقراء من الأمريكيين السود، وحقيقة الأمر أنه ربما كان بوش يهتم بأمر الأمريكيين السود ولكنه لا يفهم ولا يشعر بما يعانونه من فقر لسبب بسيط وهو أنه ولد وفي فمه ملعقة من ذهب فقد تمكن والده من جمع ثروة هائلة من صناعة البترول في الستينات تضمن ألا يشعر أي فرد من أفراد العائلة بالحاجة إلى أي شئ مطلقا".

وضرب الكاتب هوايت هيد مثالا آخر على سبب عدم شعور من يمتلكون الثروات الضخمة بمن لا يجدون قوت يومهم بتصريحات للسيدة الأمريكية الأولى السابقة السيدة باربرا بوش حين قالت عن النازحين من نيو أورلينز: "إن معظم من لجأوا إلى استاد المدينة المغطى كانوا من الفقراء المعدمين أصلا وبالتالي فإن ما يتلقونه من إغاثة شئ جيد جدا بالنسبة لهم!"، على حد تعبيرها.

وهكذا تنظر باربرا بوش إلى الضحايا من السود الفقراء وكأنهم ارتقوا درجة أفضل عندما شردهم الإعصار من منازلهم وأصبح الطعام والشراب مضمونا لهم في الاستاد، ولا يرى الكاتب الأمريكي في تلك التصريحات الساذجة خبثا أو شرا ولكنه يرى فيها انعكاسا لحقيقة أن من لم يجرب الحرمان ومحنة الفقر والعوز لا يمكنه أن يتفهم حقيقة ما يشعر به هؤلاء الفقراء.

ومن مفارقات التمثيل النيابي في النظام الأمريكي أن كل من يرغب في خوض حملة لترشيح نفسه لمنصب عام في أمريكا يجب أن يكون لديه من الموارد المالية ما يكفي لدفع نفقات الدعاية الانتخابية الضخمة وفي نهاية المطاف لا يصل إلى تلك المناصب إلا المقتدرين ماديا مما يجعل إدارة دفة الولايات على الصعيد المحلي وإدارة البيت الأبيض والكونجرس بيد أبناء الطبقات العليا في المجتمع الأمريكي مما يحرم الكثير من قادة أمريكا، حسبما يرى الكاتب الأمريكي هوايت هيد، من القدرة على إدراك ما يشعر به الفقراء وأبناء الطبقة المتوسطة في أمريكا.

وعندما ضرب الإعصار كاترينا جنوب شرق الولايات المتحدة تبينت تلك الحقيقة بوضوح وربما سيتعلم منها الأمريكيون خاصة من الأقليات والأمريكيين السود ألا يصوتوا في أي انتخابات قادمة على أي صعيد كان إلا للمرشحين الذين يشعرون بطموحات غالبية أبناء الشعب الأمريكي.

وقد أقرت كارين هيوز وكيلة وزارة الخارجية الامريكية لشئون الدبلوماسية العامة بالضرر الذي لحق بصورة الولايات المتحدة في الخارج من جراء الطريقة التي تعاملت بها الحكومة مع إعصار كاترينا فقالت: "كان من المحزن أن نرى الناس الأكثر فقرا عاجزين عن النجاة بأنفسهم، لقد شاهد العالم ذلك"، لكنها نفت أن يكون الرئيس بوش غير مهتم بالأمريكيين السود وأكدت أن الرئيس الأمريكي لا يميز بين المواطنين الأمريكيين.

محمد مـاضي - واشنطن

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.