مخـــاوف وتــوتـــر في الجوار العراقي

تشتد المخاوف في البلدان الخليجية من انعكاسات سلبية جدا لما يحدث في العراق على التوازنات المذهبية والطائفية والعرقية القائمة فيها swissinfo.ch

عشية اندلاع الحرب على العراق، حذر كثيرون من احتمالات اندلاع مواجهات طائفية أو عرقية بين مختلف الأطراف العراقية ومن إمكانية تقسيم البلاد إلى دويلات متناحرة.

هذا المحتوى تم نشره يوم 07 ديسمبر 2004 - 15:56 يوليو,

واليوم تشتد المخاوف في دول الجوار الخليجي والإقليمي للعراق من إمكانية حدوث هذا الكابوس وانتقال العدوى إليها في ظل التطورات الخطيرة المتواصلة في البلد.

ما كان يُـخشى من حدوثه قبل سنتين تقريبا، وبالتحديد مع بداية الحرب على العراق، وهو اندلاع حرب طائفية بين الشيعة والسُـنة تقود إلى تقسيم البلاد إلى دويلات شيعية في الجنوب، وسُـنية في الوسط، إضافة إلى دويلة أخرى، ولكن على أساس عرقي، أي دولة كردية في الشمال الغني بالنفط.

يبدو أن هذا الأمر بات على وشك الوقوع في ظل التطورات الراهنة في العراق والتي أثرت و ما تزال في منطقة الخليج أساسا، ومنطقة الشرق الأوسط ككل، وهو ما يُـبرر تخَـوّف العديد من دول المنطقة من هذه التطورات والاستحقاقات المقبلة، وأهمها بطبيعة الحال، استحقاق الانتخابات في العراق.

تحذيرات وحسابات

حدّدت السلطات العراقية يوم 30 يناير المقبل موعدا لإجراء انتخابات عامة، تأمل من ورائها في تركيز حكومة جديدة ومجلس تشريعي لتولي إدارة شؤون البلاد تدريجيا، وإخراجها من الفوضى التي تسودها منذ انهيار النظام السابق يوم 9 أبريل 2003.

كما تأمل الولايات المتحدة في أن تصبح الانتخابات في العراق مثالا يحتذي في منطقة الشرق الأوسط الكبير، والذي تريد إعادة تشكيله وجعله أكثر ديمقراطية وحرية واحتراما لحقوق الإنسان.

لكن، يبدو أن رياح التوازنات الطائفية والعرقية الداخلية في العراق، (إضافة إلى التوازنات والمطامع الإقليمية والدولية)، تجري بما لا تشتهي سفن إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش. كما يبدو أن هذه الانتخابات ستتحَـوّل إلى فـخ قد يقع فيه من نَـصبه، وينجو منه من كان مُـستهدفا من نصبه.

ويقول الدكتور ضياء رشوان، المتخصص في الجماعات الإسلامية لسويس انفو: "إن أكثر ما يُـقلق الولايات المتحدة من ممارسة لعبة الديمقراطية في العراق، والمضي قدما في إجراء الانتخابات، هو فوز الشيعة الذين يمثلون نسبة 60% من سكان العراق، وهو ما يجعلهم يُـصرون على إجراء الانتخابات لتحقيق ما يعتبرونه حقا سُـلب منهم على امتداد القرون الثلاثة الماضية، التي تم خلالها إقصاءهم بالحديد والنار من الحياة السياسية في البلاد من قبل نظام صدام حسين السني".

ويبدو تطلع الشيعة للحكم من الوهلة الأولى شرعيا ولا غبار عليه، وكذلك احتمال فوزهم في الانتخابات، إذا تمّـت في كنف النزاهة والشفافية، إلا أن ما يؤرق الولايات المتحدة ودول المنطقة، هو ارتباط شيعة العراق بالنظام الإيراني الشيعي، مما يؤشر إلى احتمال تنامي نفوذ طهران في العراق والمنطقة ككل، في حال قيام نظام شيعي في بغداد.

فإيران تعد سبعين مليون نسمة، غالبيتهم من الشيعة، وهم قادرون على بسط سيطرتهم على المنطقة، وخاصة دول مجلس التعاون التي لا تعد مجتمعة إلا خمسة وثلاثين مليون نسمة، نصفهم من الآسيويين والوافدين الأجانب، فيما يمثل السُـنة غالبية النصف المتبقي.

ويشير الدكتور رشوان الباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية إلى أن تزامن التحذير الذي أطلقه مؤخرا ملك الأردن عبد الله الثاني من احتمال قيام هلال أو مثلث شيعي عراقي، وإيراني - لبناني مع الاتهامات المصرية لإيران بالتجسس، "ليس تزامنا عفويا، بل هو مُـنسق بين بلدين، هما الأقرب إلى واشنطن لاستهداف إيران" حسب قوله.

هزيمة فورية وأخرى مؤجلة

ويقابل إصرار الشيعة على إجراء الانتخابات رفض سُـني لها وتهديد بمقاطعتها، وخاصة السُـنة العرب، الذين يرى الدكتور محمد المسفر، الأستاذ الجامعي القطري في حديث لسويس انفو، أنهم منشغلون في الدفاع عن أنفسهم أولا من القنابل الأمريكية، التي طحنتهم طحنا في الفلوجة والرمادي وبعقوبة، وهي أهم المدن السُـنية التي وجدت نفسها منذ دخول القوات الأمريكية إلى العراق في خانة مقاومة الاحتلال.

وليست القوات الأمريكية العدو الأول للسُـنة العرب في العراق، بحسب الدكتور محمد المسفر، بل هناك ما أسماه بـ "التحالف الكردي العرقي الطائفي والشيعة". فإلى جانب القوات الأمريكية، يقاتل السُـنة عناصر حزب الدعوة الشيعي والبشمركة الأكراد، مما يُـساهم في إضعافهم، نتيجة لتعدد الجبهات.

كما يشير البعض بأصبع الاتهام إلى تورط أطراف من الشيعة في معركة الفلوجة الأخيرة، ليس بالمشاركة الفعلية فيها، ولكن بالصمت عنها على أقل تقدير.

ويبدو أن تعدد الجبهات وقلة العدد، خاصة بالنسبة للعرب السنة مقارنة بالشيعة، تجعل أبناء السُـنة يُـطالبون بتأجيل الانتخابات أو إلغائها، حتى من خلال التهديد بمقاطعتها.

غير أن الولايات المتحدة ليست مُـستعدة الآن إلى التراجع أمام المقاتلين السنة وإلغاء الانتخابات، وهو ما سيُـفسر على الصعيد الداخلي، بحسب الدكتور ضياء رشوان، على أنه هزيمة للولايات المتحدة، حتى وإن كان تنظيم الانتخابات وما سينجَـر عنه من فوز للشيعة هزيمة أخرى، ولكنها على المدى المتوسط، يمكن للولايات المتحدة قبولها ورفض هزيمة فورية من خلال إلغاء الانتخابات.

الحرب الأهلية آتية ..

ويرى الدكتور محمد المسفر أن الطريقة التي تُـدير بها الولايات المتحدة الأمور في العراق، وإصرارها على المُـضي قُـدما في إجراء الانتخابات، رغم تحذيرات الدول الحليفة لها من حتمية فوز الشيعة في هذه الانتخابات، ستقود حتما إلى قيام حرب أهلية في العراق بين الشيعة والسُـنة، والتي سيكتَـوي بنارها الشعب العراقي أولا، ومن ثمة شعوب منطقة الخليج ككل.

كما يرى الدكتور محمد المسفر أن دول الخليج بدأت تدفع فاتورة احتلال العراق غالية، مستدلا على ذلك بأحداث الإرهاب والعنف والتفجيرات التي تشهدها المملكة العربية السعودية، والتي ازدادت حدّة في السنتين الأخيرتين، نتيجة للغزو الأمريكي للعراق.

كما يشير إلى الأحداث الأخيرة التي شهدتها مملكة البحرين، ذات الغالبية الشيعية، وموجة الإيقافات التي حصلت فيها إضافة إلى الإعتقالات في الكويت، وهي البلدان الخليجية الثلاث المرشحة أكثر من غيرها، لأن تشهد تصاعُـدا في وتيرة القلاقل.

فالمنطقة الشرقية للمملكة العربية السعودية تُـعد غالبية شيعية، إضافة إلى أن جسرا يعبر البحر يربطها بمملكة البحرين، مما يجعل منها المنطقة الأكثر تأثرا بالتطورات في العراق، كما يقول الدكتور ضياء رشوان، الذي يُـشدد بصفة خاصة على الطابع القبلي لمنطقة الخليج، وتفرع بعض القبائل وامتدادها، ومنها الشيعية، خاصة إلى جنوب العراق. كما يشير إلى التداخل القبلي الشيعي السُـني في المنطقة، والتعايش السلمي الذي سيتأثر حتما بأحداث العراق.

المارد الطائفي ...

كما يشير العديد من المحللين إلى أن النعرة الطائفية لن تتوقّـف عند حد السُـنة والشيعة، ولكن قد تمتَـد لتشمل طوائف أخرى وعرقيات، ومنها ما حصل مؤخرا في اليمن من خلال التمرد الزيدي، الذي قاده حسين بدر الدين الحوثي، الذي تحصّـن في جبال صعدة إلى أن قُـتل من قبل القوات اليمنية في سبتمبر الماضي.

واذا ابتعدنا قليلا عن منطقة الخليج، سنصطدم بالقلاقل الأخيرة التي شهدتها مصر في الأيام الأخيرة من خلال احتجاج أقباط على ما قالوا أنه اختطاف زوجة أحد القساسوة من قبل مسلمين وإجبارها على اعتناق الدين الإسلامي.

ولوحظ خلال تغطية هذه الأحداث من قبل عدد من الفضائيات العربية، التصعيد في لهجة المتحدثين الأقباط ضد الحكومة المصرية وتحميلها مسؤولية ما حدث، وكذلك اتهامها بعدم مُـراعاة حقوق الأقليات الدينية، وهو تصعيد غير مألوف، فُـسر على أنه مؤشر على احتمال تحرك أكثر من طائفة دينية وعرقية في المنطقة، للمطالبة بحقوق تعتبرها مُـغتصبة والاستفادة من الظروف الراهنة، سواء في العراق أو من خلال الضغوط التي تُـمارسها واشنطن على الأنظمة في المنطقة، للسماح بمزيد من الحريات على أكثر من صعيد، وبالتالي، الحصول على مكاسب كانت إلى زمن قريب شبه مستحيلة.

كما يرى البعض أن احتمال خروج المارد الطائفي من قمقمه في المنطقة أصبح أقرب مما كان يُـخشى، وهو لا يُـهدد المنطقة الخليجية والشرق أوسطية فقط، ولكن يُـهدد مصالح أطراف دولية أخرى تُـشاطر دول المنطقة مخاوفها من قيام نزاع طائفي في العراق، ومنها فرنسا على سبيل المثال لا الحصر، والتي حذرت الولايات المتحدة وما تزال، من هذا الخطر الداهم.

رفيقة محجوب - دبــي

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة