تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

معركة الحياة أهم من معارك الانتخابات

ملصقات دعائية في أحد شوارع بغداد تحث العراقيين على المشاركة في الإنتخابات العامة المقررة ليوم الأحد 30 يناير 2005

(Keystone)

بينما يخوض السياسيون العراقيون هذه الأيام معارك الانتخابات ويتوزعون ما بين مؤيد متحمس لها وآخر رافض، يعيش المواطنون العاديون معارك من نوع آخر.

إنها باختصار معارك الحياة اليومية بحثا عن لُـقمة خبز أو لتر من الوقود التي لا تترك مجالا واسعا للتفكير في السباق الإنتخابي ومآلاته.

يعاني العراقي هذه الأيام من أزمات خانقة تحيل الحياة إلى محض لهاث لا ينقطع بحثا عن أساسيات الحياة، بينما يعيش السياسيون في واد آخر بعيدا عن هموم الشعب ومعاناته الدائمة.

وما بين الوقوف ساعات طويلة قد تمتد ليلة كاملة ومعظم نهار اليوم التالي في طوابير التزود بالوقود، والبحث عن الاحتياجات الأساسية الأخرى، يعيش العراقي يومه وليلته، فيما يقضي الساعات المتبقية الأخرى حبيس داره بسبب ساعات حظر التجوال الطويلة. وبسبب هذه المعاناة الطويلة، لا يجد العراقي فُـرصة لتصفح برامج عمل القوائم الانتخابية، ولا يكاد يعير بالا للمعارك الانتخابية، ولا للتصريحات التي تملأ الآفاق.

وقد شهد العراق في غضون الأيام الماضية مَـوجة غلاء شديدة وارتفاعات غير مسبوقة في الأسعار، وخاصة في أسعار الوقود والمحروقات والسلع والخدمات الأساسية الأخرى، حيث صار الحصول على أي من أنواع المحروقات بسعر رسمي ضربا من الخيال، بسبب الفوضى العارمة التي تشهدها محطات الوقود، وبسبب المساومات والرشاوى والغنائم المالية الضخمة التي تشير بعض الصحف ووسائل الإعلام، حتى العراقية منها، إلى تقاسمها بين قوى الشرطة وأصحاب محطات الوقود، حيث تجني الأطراف المشتركة في تلك العمليات مبالغ طائلة جرّاء بيع حصص الوقود في السوق السوداء العراقية أو تهريبها إلى دول الجوار.

أما أسعار النقل فقد تضاعفت عدة مرات في غضون أسبوع واحد، ويُـشير أصحاب حافلات النقل العام إلى أن ذلك يعود إلى ارتفاع أسعار الوقود، فيما يُـعاني المواطن من هذا الارتفاع الجنوني في الأسعار.

وفي الأيام الأخيرة، شهدت أسعار الخبز، الذي يُـعد مادة أساسية في العراق، ارتفاعات كبيرة هي الأخرى، لأكثر من ضعفين، كما شهدت أسواق الفواكه والخُـضار هي الأخرى ارتفاعات جنونية في الأسعار. بل إن العاصمة بغداد، التي يخترقها نهر دجلة طولا، تعاني من عطش تام، إذ انقطعت عنها إمدادات المياه الصالحة للشرب منذ أكثر من عشرة أيام.

معارك انتخابية

يقول السيد محمد الدليمي، وهو موظف متقاعد، "إن العراقيين اليوم لا يبحثون عن أسماء المرشحين التي ما تزال سرية حتى الآن، بقدر ما يهمهم مَـن يُـوفر لهم مستلزمات الحياة الأساسية، ويعيد إليهم كرامتهم التي أفقدها إياهم الاحتلال والسائرين في ركابه"، موضّـحا أن الكثير من العراقيين عازفون عن الذهاب إلى مراكز الاقتراع بسبب التهديدات الأمنية الكبيرة، فضلا عن أن شرائح أخرى منهم لن تتوجّـه إلى تلك المراكز بسبب نداءات بعض جهات سياسية ودينية وعشائرية رافضة لمبدإ الانتخابات، أو أولئك الذين يطالبون بتأجيلها لما بعد رحيل قوات الاحتلال.

ويشير الدليمي إلى ظاهرة انقطاع التيار الكهربائي التي باتت سمة ملازمة للبيوت العراقية، حيث لا يحصل العراقيون إلا على نحو ساعتين من الكهرباء في اليوم الواحد مقابل 22 ساعة من الانطفاء.

وقد شهدت معظم الأعمال الحرفية الصغيرة توقّـفا شبه كُـلّـي، بسبب الانقطاعات المستمرة في الكهرباء، وارتفاع أسعار الوقود، التي تجعل من السلع أو الخدمات التي يقدّمها هؤلاء الحرفيون والعمال البُـسطاء باهظة الثمن، ودون مقدور الكثير من العراقيين، الذين ارتفعت نسَـب البطالة بينهم كثيرا منذ ربيع 2003.

وجهات نظر أخرى

برغم عدم تحمّـس نسبة مقدرة من العراقيين لموضوع الانتخابات، إلا أن هناك أعدادا لا يُـستهان بها متحمّـسة للمشاركة فيها، باعتبارها تجربة جديدة ينبغي خوضها، فيما يؤكّـد عدد من العراقيين أن الانتخابات يُـمكن أن تكون بوّابة قد تفضي إلى حل من نوع ما. وفي هذا السياق، يقول السيد راشد الدروبي، إنه يتوقع مستقبلا أفضل، رغم كل شيء.

أما علي التميمي، وهو موظف في القطاع الخاص، فيعتقد أن الانتخابات هي الوسيلة الوحيدة المُـمكنة التي ستُـخرج العراق من الاحتلال. ويتفاءل التميمي بالمستقبل حين يقول، إنه واثق أن الحكومة المنتخبة المقبلة سوف لن تمدد بقاء القوات الأجنبية متعددة الجنسيات في العراق إلا لمرحلة زمنية بسيطة بعد إعلان نتائج الانتخابات.

هذا التفاؤل يرفضه آخرون، من ضمنهم فصائل مشاركة في الحكومة المؤقتة الحالية، كما ينظر إليه كثيرون باستخفاف كبير، إذ أنهم يعتقدون أن القوات الأمريكية لن تخرج من العراق، لأنها ببساطة جاءت لتبقى حسب رأيهم.

الحملات الانتخابية

ومن المفارقات القائمة في الحملات الانتخابية العراقية، أن أسماء المرشحين فيها ما تزال سرية حتى الآن، بمعنى أن الناخب العراقي الذي قرر المشاركة في الانتخابات، سيتوجه صبيحة يوم 30 يناير الحالي، وهو يجهل تماما أسماء المرشحين، حيث ترفض الأحزاب المشاركة إعلان أسماء مرشحيها، خوفا من عمليات انتقامية ضدهم.

من جهة أخرى، جرت الحملات الدعائية على نحو أشبه ما يكون بالاجتماعات السرية، إذ كانت الندوات الانتخابية على محدوديتها شبيهة باجتماعات الأحزاب السرية غير المسموح لأفرادها بالتجمع أو التظاهر، فضلا عن التكتم الذي لا زال يحيط بمواقع المراكز الانتخابية التي يُـؤمل أن تحدد في اليوم السابق لعملية الاقتراع.

ومن اللافت، صدور إعلان في بعض الصحف العراقية، أشار إلى "إغلاق أبواب الحوزة العلمية في النجف وتفرغ أعضائها لإدارة العملية الانتخابية"، في الوقت الذي يُـفترض أن تتولى فيه المفوضية العامة المستقلة للانتخابات هذه المهمة لوحدها.

وهناك أيضا فتاوى رجال الدين الشيعة ممن ينتظمون في صفوف مرجعية آية الله علي السيستاني، التي تشدد على ضرورة انتخاب قائمة بعينها، دون باقي القوائم الانتخابية الأخرى، حيث اعتبرت العديد من الجهات أن الاستقواء بالمرجعية يمثل سابقة خطيرة يُـمكن أن تنسف أهم أسس العملية الانتخابية، وهي حرية الاختيار بعيدا عن القسر والإكراه.

في المقابل، تشير بعض الفصائل السياسية العراقية إلى أنها تعاني من سيطرة رئيس الوزراء المؤقت إياد علاوي على وسائل الإعلام العراقية شبه الرسمية، ومن الحملات الدعائية التي تبثها له واحدة من القنوات الفضائية العربية.

غير أن الملاحظ أن غالبية من السكان يمرون أمام اللافتات الانتخابية الأنيقة والباذخة، دون إبداء أي قدر من الاكتراث، فيما يُـبدي البعض الآخر امتعاضا من الشعارات المرفوعة التي تعدهم بأنهار اللبن والعسل، مستذكرين الواقع المأساوي الذي يعيشون فيه.

ومن خلال قراءة إحصائية لسير الحملات الانتخابية العراقية، يمكن القول أن 80% من الدعاية الانتخابية مُـخصّـصة لقائمة الائتلاف الموحد التي يدعو لانتخابها السيستاني، فيما يتراوح حجم الدعاية الانتخابية لكل من قائمة إياد علاوي، وغازي الياور، واتحاد الشعب (القائمة الشيوعية) بحوالي 5% لكل منهم، أما الـ 5% المتبقية، فتتقاسمها كيانات سياسية أخرى.

وفضلا عن وجود جُـملة طعون وتجاوزات مسبقة في تسجيل أسماء الناخبين، وعدم وصول البطاقات الانتخابية إلى أعداد كبيرة من المواطنين، تتحدث بعض المصادر عن عمليات شراء واسعة النطاق للأوراق الانتخابية، وعن الأخطاء الواردة في قوائم الناخبين فيما تُـوجه عدد من الأطراف المشاركة في الانتخابات اتهامات للمفوضية العليا بـ "الخضوع للضغوط والإملاءات من بعض الأطراف، وخاصة الكردية منها في كركوك، والشيعية في عدد من المدن الجنوبية".

احتمالات التزوير

وفي الأيام الأخيرة، تصاعد الحديث عن احتمالات حُـصول تزوير في نتائج الانتخابات، وهو الأمر الذي يفسّـره البعض، بأن النتائج محسومة سلفا، فيما يقول آخرون بأن الذين يتحدّثون عن تزوير مُـحتمل، باتوا على يقين من أنهم لن يحصلوا على النسب العالية التي كانوا يتحدثون عنها، باعتبار مؤيديهم يمثلون الغالبية من العراقيين بحسب ادعائهم.

ويشير الدكتور ياسين البصري، الأستاذ في جامعة بغداد إلى أن عزوف العراقيين عن قضية الانتخابات يعود إلى عاملين أساسيين: هما الأزمات المتتالية التي يعيشونها، والتي لا تجد أفُـقا للحل رغم كثرة الوعود والتصريحات الحكومية، وثانيها، ثقتهم بأن أصواتهم لن يكون لها معنى، إذ يسود اعتقاد في صفوف نسبة مهمة من العراقيين بأن الولايات المتحدة لن تسمح إلا بقيام برلمان على نحو يُـوافق هواها وسياستها في العراق، أو أنها حسمت مُـسبقا نسب الفائزين موزّعة على نفس التشكيلة التي جاء بها مجلس الحكم المنحل، وحكومة علاوي المؤقتة الحالية، والمجلس الوطني المؤقت، وهناك أيضا الرفض المبدئي الذي تُـبديه شرائح مهمة من العراقيين لفكرة الانتخابات في هذا التوقيت وبهذه الطريقة.

أخيرا، كان ملفتا للنظر ضآلة حجم إقبال عراقيو الخارج على المشاركة في الاقتراع، إذ لم تتجاوز نسبة من سجّـلوا أسماءهم 15% من إجمالي عدد العراقيين الذين تحق لهم المشاركة، برغم أنهم بعيدون عن أي تهديد أمني، مما يعكس عدم ثقة هؤلاء بالعملية السياسية الجارية حاليا في بلادهم.

وبصرف النظر عن مواقف وانطباعات العراقيين العاديين الباحثين عن الأمن والخدمات الأساسية، تؤكّـد الأطراف المعنية أن الانتخابات ستُـجرى في موعدها، فيما يظل السؤال المتداول بين الناس: كم من الأرواح ستزهق إلى حين إعلان النتائج الانتخابية؟

مصطفى كامل - يغداد


وصلات

Neuer Inhalt

Horizontal Line


subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك









swissinfo en arabic en Facebook

دعوة للإشتراك في صفحتنا بالعربية على فايسبوك

تفضّلوا بالإنضمام إلى صفحتنا العربية على فايسبوك

×