Navigation

وجهات نظر
شؤون خارجية

زيارة الصين تكشف عن تصدّعات الحياد السويسري

تظهر الزيارة الأخيرة التي قام بها الرئيس السويسري أولي ماورر إلى الصين الطابع المعقّد لمفهوم الحياد السويسري، إزاء الحقائق الجيوسياسية المستجدة.

هذا المحتوى تم نشره يوم 16 مايو 2019 - 11:00 يوليو,
دانيال فارنر، كاتب ومحلل سياسي من جنيف

قضى ماورر مؤخراً سبعة أيام في الصين، خصّص منها جزءاً من الوقت لحضور المنتدى الثاني للحزام والطريق للتعاون الدولي. كما وقع مذكرة تفاهم مع الصين تركز على التمويل والتجارة، وعقد اجتماعاً رسمياً ثنائياً مع الرئيس الصيني شي جين بينغ.

وفي معرض تبريره لمشاركته في هذا المنتدى، والذي قاطعته كل من الولايات المتحدة والهند، قال ماورر إن حضوره سيكون "دعماً للمساهمة التي قدمتها مبادرة منتدى الحزام والطريق للتعاون الدولي (BRI) في تطوير العلاقات بين آسيا وأوروبا". وصرّح أيضاً بأن هذه المبادرة، "إذا جرت بطريقة سلِسة، فسيكون لها فوائد جمّة، على كل من التنمية الاقتصادية، ورفاهية الناس في جميع أنحاء العالم".

حماس وقلق

في أوروبا، شهدت إيطاليا حماساً لـمنتدى الحزام والطريق للتعاون الدولي، بسبب الاستثمار الصيني في موانئ تريستي وجنوة، كما شهدت اليونان الحماس نفسه بعد الاستثمار الصيني في ميناء بيرايوس.

وفي مقابل هذا الحماس، شهدنا أيضا قلقاً عالمياً هائلاً بشأن النفوذ الصيني المتنامي. فالقروض الضخمة التي قدمتها الصين - خاصةً إلى بلدان في إفريقيا وأمريكا اللاتينية - كانت محطّ سخرية البعض باعتبارها "مصيدة دبلوماسية للديون"، لا سيّما مع السابقة السلبيّة التي أقدمت عليها الصين، في استيلائها على ميناء هامبانتوتا السريلانكي، بعد أن فشلت الحكومة السريلانكية في سداد قروضها لها.

غياب الولايات المتحدة والحياد الجديد

لم ينضم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى 37 رئيس دولة في قمة مبادرة الحزام والطريق. ولم يُسجَّل حضور أي ممثلين أمريكيين للمشاركة فيها. وفي معرض شرحه للغياب الأمريكي عن هذه القمة، صرّح المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية روبرت بالادينو قائلاً: "سنواصل الإعراب عن قلقنا بشأن ممارسات التمويل غير الشفافة، وسوء الإدارة، وتجاهل القواعد والمعايير المقبولة دولياً، والتي تقوّض العديد من المعايير والمبادئ التي نعتمدها لتعزيز التنمية المستدامة والشاملة، وللحفاظ على الاستقرار والنظام القائم على أسس القانون".

ولكن، هل ينطوي حضور ماورر في المنتدى على خطر عزل الولايات المتحدة؟ (لا يوجد حتى الآن سفير معتمد للولايات المتحدة لدى المنظمات الدولية في جنيفرابط خارجي). وهل يثير هذا الأمر تساؤلات بشأن الحياد السويسري؟

وصف لي رجل قانون سويسري بارز، بأنه كرّس حياته المهنية بالكامل في الحكومة السويسرية، لتحليل الحيثيات الدقيقة لمفهوم كلمة "الحياد". وإزاء الظروف الحالية، يتطلب الدور المتزايد للصين و "النزعة الأحادية" لواشنطن في إدارة شؤون العالم، تحليلاً عميقاً لموقف سويسرا تجاه الصين، وما يعنيه ذلك بالنسبة لمفهوم الحياد؛ الذي بات اليوم مفهوماً متطوراً.

موقف عملي أم محفوف بالمخاطر؟

في أول رحلة، قام بها الرئيس شي جين بينغ، في عام 2017 إلى الخارج، زار مكتب الأمم المتحدة في جنيف، وألقى كلمة أمام المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس. ولقد أشاد في خطاباته بأهمية تعددية الأطراف في إدارة شؤون العالم، مؤكّداً مرة أخرى على اهتمام الصين بالمشاركة الفعالة في الحكم العالمي.

وفي الوقت الذي يمكن فيه اعتبار زيارة ماورر اعترافاً صريحاً بأهمية الدور المتزايد الذي تلعبه الصين عالمياً، فإن هذه الزيارة بالمقابل، تثير تساؤلات حول الحياد السويسري ودوره في تعزيز القيم الليبرالية التقليدية. 

البحث عن روح القيم السويسرية

في سويسرا لا تحظى سياسة الحكومة تجاه الصين برضى الجميع؛ فمن الناحية المالية، هناك قلق واضح من إمكانية استحواذ الصين، على شركات سويسرية مهمة. وبالفعل، فالصين اليوم، تسيطر على أكثر من 80 شركة سويسرية، تبلغ قيمتها الإجمالية 46 مليار فرنك سويسري (46 مليار دولار). ناهيك عن المخاوف بشأن وضع حقوق الإنسان في الصين.

ولا تغيب عن بال الكثيرين في سويسرا تلك الحادثة، عندما عطّل المتظاهرون المؤيدون للتيبت، في عام 1999، زيارة الرئيس الصيني جيانغ تسه مين، إلى البرلمان السويسري.

وبالتأكيد فلن ينسى صحفيو جنيف، كيف مُنعوا من تغطية الكلمة الختامية للرئيس شي جين بينغ، خلال زيارته للمدينة السويسرية في يناير 2017؛ وقد طُلب من 1600 من الموظفين، إخلاء مبنى الأمم المتحدة، تحضيراً لوصول 200 عضو من الوفد الصيني، بالإضافة إلى 800 ضيف مدعو.

ذات مرة، شرح لي دبلوماسي سويدي بارز، وبكل بساطة، مفهوم الحياد قائلاً: "إنه السياسة الخارجية لبلد صغير، عندما يكون محاطاً بجيران كبار". ولكن، لم يعد من السهل اليوم أن تبقى حيادياً؛ فمع التغيرات المتسارعة في الجيوسياسية العالمية، لم يعد الحياد السويسري كما كان خلال الحقبة المباشرة لما بعد الحرب العالمية الثانية. آنذاك، كان هذا الحياد يلعب دور الوسيط الموثوق به، بين الكتلة السوفيتية والغرب، وهو ما أبرزته قمة جنيف بين ريغن وغورباتشوف في عام 1985.

دانيال فارنر

خبير أمريكي ـ سويسري في العلوم السياسية. سبق له أن شغل منصب نائب مدير المعهد العالي للدراسات الدولية والتنمية في جنيف.

End of insertion

 تقوم swissinfo.ch بنشر آراءرابط خارجي حول مواضيع مختلفة، سواء حول قضايا سويسرية أو مواضيع لها تأثير على سويسرا. يرمي اختيار المقالات إلى تقديم آراء متنوعة بهدف إثراء النقاش حول القضايا المطروحة. تعبّر الأفكار الواردة في هذه المقالات عن آراء مؤلفيها فقط ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر swissinfo.ch. 

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.