استمرار المواجهة بين واشنطن وطهران يعقّد التعافي الاقتصادي في دول الخليج
تجد دول الخليج الغنية التي تعرّضت لهجمات إيرانية غير مسبوقة منذ بدء الحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، نفسها عالقة بين الحرب والسلام مع تعثّر المحادثات بين طهران وواشنطن وبقاء مضيق هرمز الحيوي شبه مغلق، ما يعقّد تعافيها الاقتصادي.
أضرّت إيران بشكل بالغ بصادرات الطاقة الخليجية بسبب حصار مضيق هرمز، في حين تسبّبت هجماتها بأضرار في البنية التحتية للطاقة قد تستغرق شهورا أو أكثر لإصلاحها، بالإضافة الى المسّ بصورة دول الخليج التي لطالما روّجت لنفسها على انها واحة استقرار في المنطقة وملاذ آمن للأعمال.
ولا زال من غير الواضح ما إذا كانت المفاوضات المتعثرة، والتي تركزت حتى الآن على مضيق هرمز وتخصيب اليورانيوم، ستفضي إلى اتفاق يعالج المخاوف الرئيسية لدول الخليج كتجريد إيران من سيطرتها على هذا الممر المائي الحيوي، وكبح جماح صواريخها ووكلائها.
فكلما طال أمد حالة عدم اليقين بشأن مصير الخليج، كلما استغرق التعافي الاقتصادي وقتا أطول، بينما يحذّر محلّلون من أن حلفاء الولايات المتحدة التقليديين سيجدون صعوبة في التأثير على قراراتها في ما يتعلق بالحرب والسلام.
– إجازة من دون راتب –
وتقول مديرة معهد أبحاث منتدى الخليج الدولي دانيا ظافر “إذا استمر إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة، فستتعرض بعض هذه الدول لضربات قوية. وذلك قد بدأ بالفعل”.
وأوقفت قطر إنتاج الغاز الطبيعي المسال، وأعلنت، إلى جانب منتجي الطاقة في الكويت والبحرين، حالة القوة القاهرة.
في دبي، يشير انخفاض حركة النقل بشكل غير معتاد وخلو المناطق السياحية، إلى أن المدينة لا تزال تنتظر عودة الحياة الطبيعية.
وخفّت حدّة الصدمة الأولية بعد أكثر من أسبوعين من هدنة هشة، وعاد الأطفال إلى مدارسهم في الإمارات وقطر بعد أكثر من شهر من التعلّم عن بعد.
لكن بعضهم لا زال يتابع دروسه عبر الإنترنت بعد مغادرة العديد من العائلات دول إقامتها في الخليج.
ويقول أحد موظفي فندق فاخر في دبي إن بعض الموظفين فرضت عليهم إجازات دون راتب. وتشير موظفة في صالون تجميل الى أن الرواتب قد خُفّضَت.
ويتوقّع صندوق النقد الدولي أن يشهد نصف دول الخليج انكماشا اقتصاديا هذا العام، إضافة إلى تباطؤ النمو في السعودية والإمارات.
وقال مدير إدارة الشرق الأوسط في صندوق النقد الدولي جهاد أزعور لوكالة فرانس برس، إن “الدول الكبرى الغنية بالنفط ذات الموارد المالية الضخمة، قادرة على إنعاش اقتصاداتها مجددا، لكن هذه الآفاق تتوقف على مدة استمرار الأزمة، وما إذا كان التوصل إلى حل نهائي سيضمن استقرارا للمستقبل”.
– أسوأ السيناريوهات –
وكشف حصار مضيق هرمز اعتماد دول الخليج بشكل كبير على هذا الممرّ المائي الحيوي، رغم اتجاهها منذ سنوات الى تنويع مواردها حتى لا تعود تعتمد حصرا على النفط. لكن حتى بالنسبة لدول مثل الإمارات والسعودية التي تمتلك خطوط أنابيب تسمح بتصدير بعض صادراتها دون المرور بالممر المائي، فإن جهود التنويع الاقتصادي معرّضة للخطر.
ويعدّ الاستقرار عاملا أساسيا لجذب المواهب والسياح، لكنه مهم أيضا لتحقيق هدف دول الخليج في أن تصبح مراكز رئيسية لخبرات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات.
وتقول ظافر “الولايات المتحدة فتحت صندوق باندورا على دول الخليج”.
وأضافت أنه إذا سمح لإيران بالاحتفاظ ب”حق النقض على اقتصاداتها إلى أجل غير مسمى” من خلال سيطرتها على مضيق هرمز، فسيكون ذلك “وضعا بالغ الصعوبة والهشاشة بالنسبة للخليج”.
أما إسرائيل، شريكة الولايات المتحدة في الحرب على إيران، فليست على طاولة المفاوضات، ولا زال بإمكانها إفشال أي اتفاق.
وتتساءل ظافر “هل ستواصل إسرائيل +سياسة جزّ العشب+ تحت قدمي إيران؟” في إشارة إلى استراتيجية الهجمات المتكررة والمتقطعة.
وتتابع “هل ستغلق ايران مضيق هرمز أم ستهاجم اقتصادات دول الخليج؟ هذا هو أسوأ السيناريوهات، زعزعة الاستقرار في دول الخليج وعدم وجود نهاية لهذه الأزمة”.
– تهميش في المفاوضات –
من جهة أخرى، تنقسم دول الخليج بشأن الحرب وإيران. فقد اتخذت الإمارات التي كانت الأكثر استهدافا من جانب إيران، موقفا أكثر تشدّدا من الجمهورية الإسلامية، ووضعت شروطا متشدّدة لأي اتفاق، بينما دعمت السعودية جهود باكستان كوسيط.
وأكد مستشار رئيس الإمارات أنور قرقاش الجمعة في مؤتمر في فرنسا، أنّ “إعادة بناء الثقة” بين أبوظبي وطهران “ستستغرق وقتا طويلا”.
ووفقا لظافر “اعتمدت إيران استراتيجية مدروسة بضرب دول الخليج بدرجات متفاوتة، وخلق مستويات متفاوتة من التهديد تجاهها”.
وعلى الرغم من العلاقات الوثيقة مع ترامب الذي استُقبل استقبالا حافلا في أيار/مايو العام الماضي خلال جولته الخليجية، تجد هذه الدول نفسها مهمّشة في المحادثات مع إيران، رغم كونها في مرمى النيران.
ويقول حسن الحسن من المعهد الدولي للدراسات الاستراتجية، إن “دول الخليج كافحت للتأثير على سلوك إدارة ترامب تجاه إيران”.
ويضيف أن هذه الدول “لم ترغب بأن تبدأ الولايات المتحدة حربا ضد إيران… وليس من المستغرب أنها غير قادرة على جعل واشنطن تعطي الأولوية لمصالح دول الخليج الأمنية في المفاوضات”.
آية/مح/رض