الحجاج الإيرانيون في مكة بين طمأنينة المناسك وقلق الحرب
في مكة المكرمة، يشعر الإيراني حسن قديري بسعادة كبيرة لأدائه مناسك الحج هذا العام، بعدما استبدل صوت القصف الأميركي-الإسرائيلي على مدينته أصفهان بصوت الأذان، في وقت تتعامل السعودية بحذر شديد مع ملف حجاج الجمهورية الإسلامية.
ويقول الرجل الخمسيني، مرتديا ملابس الإحرام البيضاء أمام المسجد الحرام، لوكالة فرانس برس بالفارسية إنه “سعيد جدا” لأداء الحج هذا العام برفقة زوجته ووالديه.
ويضيف، وقد بدا عليه الإرهاق والحزن، “على الأقل نسمع هنا الأذان كل يوم، لا الانفجارات”، في إشارة إلى مدينته الواقعة في وسط إيران، حيث تعرضت مواقع عسكرية لضربات أميركية-إسرائيلية.
ويقيم قديري وأسرته في فندق قريب من المسجد الحرام رُفع عليه علم إيران، تحت حماية رجال أمن سعوديين لا يسمحون لأحد بمقابلة الحجاج الإيرانيين الشيعة أو الحديث إليهم، في إجراء لا يطبّق على بقية الحجاج.
ويقول المحلل عمر كريم، الخبير في السياسة السعودية في جامعة برمنغهام البريطانية، لفرانس برس، إن السعودية “تسعى إلى منع تسييس ملف الحجاج الإيرانيين”.
ويضيف “رأينا في السابق أيضا أن السلطات السعودية تتعامل بحذر شديد مع نشر المعلومات والبيانات المتعلقة بالحج عندما ترى أن لذلك تداعيات سياسية سلبية محتملة على الدولة السعودية أو على إدارة الحج”.
وعلى مدخل فندق “البلد الطيب” في حي العزيزية، أكبر أحياء مكة، عُلّق علم إيران ولافتة كتب عليها “مكتب شؤون حجاج الجمهورية الإسلامية الإيرانية”.
وفي الداخل، عُلّقت منشورات بالعربية والإنكليزية على الجدران جاء فيها “يمنع رفع الأعلام والشعارات الدينية أو السياسية”، تحت بالونات بألوان العلم الإيراني الأحمر والأبيض والأخضر، في تكرار لتحذير أصدرته وزارة الداخلية السعودية قبل أيام.
ورفض مسؤولو البعثة الإيرانية التحدث إلى مراسلي فرانس برس. لكن قديري يؤكد أن “التعامل السعودي معنا جيد، وكل شيء على ما يرام”.
تقول زوجته، التي لم تذكر اسمها وارتدت عباءة سوداء تعلوها سترة فيروزية اللون كتب عليها “أصفهان”، إن “التواجد هنا يهوّن علينا الحرب”.
ويأتي موسم الحج هذا العام، والذي يستقطب حجاجا من أنحاء العالم الإسلامي، في لحظة حساسة بعد موجة هجمات شنتها طهران على أهداف في السعودية ودول خليجية ردا على هجوم نفذته الولايات المتحدة وإسرائيل عليها في 28 شباط/فبراير.
ويهدد تجدد أعمال عدائية متفرقة وقف إطلاق النار الهش الساري منذ 8 نيسان/أبريل في الحرب التي استمرت أكثر من خمسة أسابيع، رغم الحديث عن تقدم في المحادثات التي تتوسط فيها إسلام آباد لإنهاء الحرب بين الطرفين.
– “إحساس جميل” –
خارج الفندق الذي يقيم فيه، كان الإيراني علي رضا يدخن سيجارة إلى جانب صديق، معربا عن سعادته بالابتعاد قليلا عن أجواء “الحرب”.
ويقول بالفارسية، تحت أنظار حراس أمن إيرانيين، “أنا من إيران… إحساس جميل جدا أن آتي للحج”.
وفي فندق مجاور، خرجت نساء إيرانيات يرتدين الشادور التقليدي، وهو رداء واسع يغطي الجسد من الرأس إلى القدمين، متجهات إلى المسجد الحرام.
وكان مرشدون يرتدون سترات باللون الفيروزي أيضا كتب عليها “إيران” بالفارسية والإنكليزية، يستقبلون بحفاوة رجل دين شيعيا يعتمر عمامة بيضاء.
ورغم الهجمات الإيرانية على السعودية، لم تمنع المملكة الخليجية السنية استقبال الحجاج الإيرانيين الشيعة.
ويوجد حاليا نحو 30 ألف حاج إيراني في السعودية، وفق ما نقلت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية “إرنا” عن الخطوط الجوية الإيرانية، وهو عدد يقل عن نصف الرقم المعلن مبدئيا والبالغ 86 ألف حاج، بسبب الحرب. ووصل الحجاج الإيرانيون على متن أكثر من 260 رحلة جوية، بحسب الوكالة.
وفي أنحاء المدينة المقدسة لدى المسلمين، يمكن رؤية العلم الإيراني مطبوعا على ملابس الإحرام البيضاء أو عباءات الحجاج وحقائبهم، وكذلك على الحافلات.
ويقول كريم إن السعودية كانت “حريصة للغاية” في السنوات الأخيرة على ألا “تؤثر علاقاتها مع دولة معينة على مشاركة حجاج تلك الدولة في موسم الحج”.
ويضيف أن المملكة، التي يحمل ملكها لقب “خادم الحرمين الشريفين”، تدرك أنها “بحاجة إلى التعامل مع قضايا الحجاج بحكمة وصبر، وهو ما أكسبها إشادة الحجاج وبلدانهم”.
– تاريخ مضطرب –
لطالما كان الحج مصدر توتر بين الرياض وطهران، في ظل حوادث عنف واضطرابات متكررة تورط فيها حجاج إيرانيون.
ففي السنوات التي أعقبت الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، اتهمت السلطات السعودية حجاجا إيرانيين بالتسبب في عمليات تدافع وأعمال عنف، إضافة إلى ترديد شعارات سياسية تحظرها الرياض خلال موسم الحج.
واندلع آخر خلاف كبير بين الرياض وطهران في العام 2015، عندما قضى 464 إيرانيا بين أكثر من 2300 حاج قتلوا في حادث تدافع، في واحدة من أسوأ كوارث الحج في التاريخ.
وبعد ذلك بعام، قطعت الرياض علاقاتها مع طهران إثر تظاهرات أُحرقت خلالها السفارة السعودية في طهران وقنصليتها في مشهد، على خلفية إعدام السعودية رجل الدين الشيعي نمر النمر.
وفي العام نفسه، غاب الحجاج الإيرانيون عن موسم الحج، بعدما تعذر على البلدين الاتفاق على ترتيبات تنظيم مشاركتهم، قبل أن يعودوا في العام التالي.
وبعد قطيعة استمرت أكثر من سبع سنوات، توصل البلدان بشكل مفاجئ إلى اتفاق مصالحة بوساطة صينية عام 2023، أفضى إلى تخفيف التوتر وإعادة فتح السفارتين.
أما بارديس، وهي إيرانية في الأربعينات من العمر آتية من طهران وقُتل أحد أقاربها في الضربات الأميركية، فتقول “أشعر بالأمان والسلام هنا”.
وتضيف باكية أثناء طوافها حول الكعبة “صلح، صلح”، أي “سلام” بالفارسية.
هت/ع ش