ما سرّ اهتمام أحد أقطاب هوليود بأسلحة سويسرية عفا عليها الزمن؟
في أعقاب الحرب العالمية الثانية، أدرج الحلفاء شركة سولوتورن لتصنيع الأسلحة على القائمة السوداء. وبعد بدء إجراءات تصفيتها عام 1946، بدا أن الشركة تتجه إلى الزوال.
دأب موقع سويس إنفو (SWI Swissinfo.ch) على نشر مقالات تاريخية مقتبسة من مدوّنة المتحف الوطني السويسريرابط خارجي، المنشورة باللغات الألمانية، والفرنسية، والإنجليزية.
بحلول عام 1951، لم يبقَ من هذه الشركة سوى كيان قانوني قائم على الورق. فكانت إجراءات التصفية قد بدأت قبل ذلك بخمس سنوات، في عام 1946. ثم بيع موقع المصنع في زوخويل، بكانتون سولوتورن، عام 1950 إلى شركة غيبرودر سولزر (Gebrüder Sulzer AG)، ليتحوَّل إلى مصنع للأنوال.
وباستثناء ثلّة قليلة، سرَّحت الشركة معظم العاملين والعاملات في مصنع الأسلحة. ولم تجد الأسهم من يشتريها، ولم تدر كيف تتصّرف في كمية كبيرة من الأسلحة، والذخائر في مخازنها.
ولفهم المأزق الذي وجدت فيه الشركة نفسها عام 1951، لا بد من استذكار سريع لتاريخها.
تاريخ شركة سولوتورن لتصنيع الأسلحة
بدأت القصة قبل الحرب العالمية الثانية بسنوات طويلة. ففي ربيع عام 1929، تأسست شركة سولوتورن لتصنيع الأسلحة بوصفها فرعًا للشركة الألمانية راينالند للمنتجات المعدنية، وصناعة الآلات المساهمة.
وكانت راينالند، مالكة مواقع في دوسلدورف وزومردا وبرلين-تيغل، قد رسّخت مكانتها خلال الحرب العالمية الأولى بوصفها إحدى كبريات شركات التسليح في الإمبراطورية الألمانية. لكن غيّرت هزيمة ألمانيا قواعد اللعبة. فقد فرضت معاهدة فرساي، الموقعة في 28 يونيو 1919، قيودًا واسعة على ألمانيا، وقلّصت حجم جيشها بدرجة كبيرة، كما حظرت عمليًا صناعة السلاح فيها.
وفي ظلّ هذه القيود، أصبح تصميم الأسلحة وتصنيعها داخل ألمانيا شبه مستحيل. لذلك، وبدعم من القوات المسلحة الباقية بعد الحرب، بدأت شركات التسليح الألمانيّة البحث عن منافذ خارج البلاد تتيح لها البقاء في سباق التسلّح الدولي. وللالتفاف على قيود معاهدة فرساي، استثمرت هذه الشركات في مصانع قائمة داخل دول محايدة أو حليفة، أو أنشأت فروعًا جديدة فيها. وهكذا واصلت ألمانيا جزءًا من جهود إعادة التسلّح بصورة سرية، رغم القيود المفروضة عليها.
وفي هذا السياق، أسّست راينالند في زوخويل، بكانتون سولوتورن، مصنعًا للأسلحة يتيح لها تصنيع أسلحة المشاة، واختبارها، وإدخالها طور الإنتاج الصناعي. وقد وقع اختيار الشركة الألمانية على هذا الموقع بفضل تدخّل هيرمان أوبريشت، عضو المجلس الوطني الليبرالي الراديكالي عن سولوتورن وعضو الحكومة الفدرالية لاحقًا، وفريتس ماندل، رجل صناعة الأسلحة النمساوي. وبذلك، نشأ مصنع أسلحة جديد داخل ورشات شركة سولوتورن لصناعة الذخيرة، التي كان أوبريشت وماندل يؤديان فيها أصلًا دورًا نشطًا.
اتّسمت بدايات مصنع سولوتورن للأسلحة بازدهار النشاط، وتدفّق الطلبيات المربحة. لكن تغيّر الوضع مرة أخرى عام 1933، مع وصول حزب العمّال الألماني القومي الاشتراكي، بقيادة أدولف هتلر، إلى السلطة. فقد تجاهل هتلر القيود التي فرضتها معاهدة فرساي، وشرع علنًا في إعادة تسليح ألمانيا. ومع انتفاء الحاجة إلى السرية، بدأ مصنع راينالند في سولوتورن، يفقد أهميته تدريجيًا بالنسبة إلى الشركة الألمانية.
ولمواجهة هذا التراجع، بدأ مصنع سولوتورن للأسلحة في تصميم منتج جديد، بندقية مضادّة للدبّابات، سلاح المشاة الثقيل عيار 20 ملم مخصّص لمواجهة المدرّعات، وتصنيعه بين عامي 1934 و1935. ومن خلال هذه البندقية، حاملة طراز S18-100 وطرازاتها اللاحقة، كان لدى الشركة أمل في استعادة مكانتها في سوق السلاح الدولية.
لكن لم تتحقّق هذه الآمال على الوجه المطلوب. فحتى اندلاع الحرب العالمية الثانية في سبتمبر 1939، بقيت الطلبيات دون المستوى المأمول، واضطرّت راينالند إلى دعم المصنع ماليًا لضمان استمراره.
ورغم ارتفاع الطلبيات ابتداءً من عام 1940، ظلّ وضع الشركة هشًا مع اتساع رقعة الحرب. فقد طلبت هولندا أكثر من 700 بندقية من إنتاج سولوتورن. لكن أدّى الاحتلال الألماني لها في صيف عام 1940 إلى تعليق الصفقة.
أما أكبر طلبية تلقّتها الشركة، فجاءت عام 1941 من إيطاليا الفاشية، وشملت 2،000 بندقية مضادة للدبابات مع حواملها. وكان من المفترض ضمانها عملًا ودخلًا للشركة في سولوتورن على مدى سنوات عدة. لكن أُلغيت هذه الصفقة أيضًا بعد سقوط الدكتاتور بينيتو موسولينيرابط خارجي عام 1943. فوجدت الشركة نفسها أمام مخزون كبير من الأسلحة غير المباعة، وديونًا ثقيلة.
ومع اقتراب الحرب من نهايتها، ازداد الوضع سوءًا. فمنذ عام 1944، توقف إنتاج الأسلحة في سولوتورن عمليًا. وحاولت الشركة إنقاذ نفسها بدخول مجال تصنيع آلات التشغيل، لكنها فشلت مرة أخرى.
وبسبب تبعيتها لشركة راينالند الألمانية، أدرج الحلفاءُ شركة سولوتورن لتصنيع الأسلحة على القائمة السوداء. وقد شملت هذه القوائم شركات قائمة في سويسرا، والسويد، والبرتغال، ودول أخرى كانت ترتبط اقتصاديًا وتجاريًا على نحو وثيق بألمانيا النازية ففُرض عليها الحظر.
وبعد الحرب العالمية الثانية، أبرمت السلطات السويسرية اتفاقًا في 25 مايو 1946 مع واشنطن وقوى الحلفاء الغربية، أي الولايات المتّحدة، وفرنسا، والمملكة المتّحدة. وحدّد هذا الاتفاق الدولي مساهمة سويسرا المالية في إعادة إعمار أوروبا، كما نظّم إجراءات تسجيل الأصول الألمانية في سويسرا وتصفيتها.
وبموجب هذا الاتفاق، تقرر لاحقًا حل شركة سولوتورن لتصنيع الأسلحة. وكُلّف المكتب السويسري للمقاصة، ومقره زيورخ، بتنفيذ عملية التصفية.
واعتبارًا من عام 1946، أُلزمت الشركة الواقعة في سولوتورن بعرض جميع شؤونها التجارية والمالية، على مكتب المقاصة لفحصها، والموافقة عليها طوال فترة التصفية. ولم تنجح محاولة بيع حزم الأسهم. لكن وجد موقع المصنع مشتريًا عام 1950، كما سبقت الإشارة.
ما العمل بالأسلحة؟
في سياق إجراءات التصفية، سعت الشركة إلى بيع البنادق المضادّة للدبّابات المصنَعة خلال الحرب، ولم تجد مشترين. لكن كان التحدي أنّ هذه الأسلحة لم تعد تتناسب مع التطوّرات السريعة التي شهدتها تقنيات المركبات المدرّعة بين عامي 1939 و1945، ما جعلها قديمة حتى قبل انتهاء الحرب.
وفي عام 1948، حاول مصنع سولوتورن للأسلحة التخلّص من مخزون البنادق المضادّة للدبّابات عبر إبرام عقد لتوريد أسلحة إلى إثيوبيا. لكن رفضت السلطات الفدرالية الصفقة.
ثم في عام 1951، بدا أنّ حلًا غير متوقّع قد ظهر فجأة. فقد وصل أمريكي يُدعى ليو ليبه (Leo Lippe) إلى إدارة الشركة المساهمة في سولوتورن، التي كان عدد موظفيها وموظّفاتها قد تقلّص كثيرًا. وكان ليبه، السينمائي القادم من هوليوود، يبحث عن أسلحة تعود إلى زمن الحرب. فمع بدء إنتاج أفلام حربية في هوليوود، أصبحت الحاجة كبيرة إلى ملحقات تصوير، ومنها الأسلحة.
وأظهر ليبه رغبته في شراء جميع البنادق المضادّة للدبابات المتاحة، الواصلة إلى حوالي 450 قطعة، مقابل نحو 2،5 مليون فرنك سويسري، بحسب قيمتها في ذلك الحين. وهو ما أثار دهشة المسؤولين والمسؤولات في سولوتورن. وكان واضحًا أنّ المال لم يكن عائقًا.
وحُسمت الصفقة سريعًا، ودُفع المبلغ، وتصافح الطرفان. ثم وُضعت الأسلحة في صناديق شحن، وأُلصقت عليها بطاقات تعريفية تمهيدًا لإرسالها إلى نيويورك. وحُمّلت الصناديق في عربات قطار بمحطّة الشحن في سولوتورن، وقُدّم طلب ترخيص التصدير إلى السلطات الفدرالية.
لكن، كما حدث عام 1948، أفشلت السلطات الفدرالية الصفقة. إذ عُلّقت العملية بسبب عدم كفاية إثباتات الدفع، ثم أُفرغت الصناديق، وأُعيد المال إلى ليبه.
ويبدو أنّ السينمائي الأمريكي تقبّل هذه الانتكاسة بهدوء. فبعد ذلك، وجّه اهتمامه إلى آلات التشغيل المصنَّعة في مصنع الأسلحة السابق. وبفضل عقد واضح الصياغة وإجراءات استُكملت كما ينبغي، تمكَّن من شراء عدّة آلات، وشحنها إلى الولايات المتحدة.
من كان ليو ليبه حقًا؟
صحيح أن ليو ليبه كان يعمل فعلًا في الوسط السينمائي، لكنه لم يكن “قطبًا” من أقطاب هوليوود، بل مصورًا معتمدًا متخصّصًا في المؤثّرات الخاصّة. وُلد ليبه في حي برونكس في نيويورك، ويبدو أنه ترك المدرسة في سنّ مبكّرة جدًا، ما جعله يعاني صعوبات في القراءة والكتابة، طوال حياته.
ومن أهمّ إنجازاته في سينما هوليوود تصوير المشهد الافتتاحي من الدراما “جريمة لم تحرّكها العاطفة” (Crime Without Passion)، الصادرة عام 1934. في هذا المشهد السريالي، صوّر ليبه ثلاثة ملائكة انتقام، ينبثقن من دماء نساء مقتولات لنشر الشقاء. بينما أخرج الفيلم المخرج الأمريكي المعروف، سلافكو فوركابيتش.
لكن كيف انتهى الأمر بمصوّر سينمائي إلى شراء أسلحة بملايين الدولارات في أوروبا، خمسينات القرن الماضي؟
المشهد الافتتاحي من فيلم الدراما “جريمة لم تحرّكها العاطفة”، عام 1934. تصوير: ليو ليبه
بعيدًا عن كاليفورنيا وعالمها السينمائي، يكمن الجواب في قلب واشنطن العاصمة، حيث كان مقر وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) قائمًا حتى عام 1959. فقد تعاقد جهاز الاستخبارات الخارجية الأمريكي مع ليو ليبه لشراء كميات كبيرة من أسلحة الحرب العالمية الثانية في أوروبا.
وكانت وكالة الاستخبارات المركزيةرابط خارجي تعتزم استخدامها لتسليح القوات المناهضة للشيوعية، لا سيّما في آسيا. لذلك أُرسل ليبه إلى جنيف، حيث أقام في جناح فندقي، وتقمّص شخصية قطب من أقطاب هوليوود. أما الأموال المستخدمة، فكان مصدرها وكالة الاستخبارات المركزية، وقد حُوّلت إلى حساب في أحد بنوك جنيف.
ولعدم معرفة ليبه شيئًا عن الأسلحة، أُلحق به خبير شاب في الرابعة والعشرين من فيلادلفيا يدعى صموئيل كامينغز. وكان كامينغز، جامع الأسلحة الشغوف منذ صغره، مكلفًا بالتنقّل في أوروبا بحثًا عن مخزونات أسلحة والتفاوض على شرائها. بينما كان ليبه يطلب الأموال من واشنطن، ويؤكّد تلقّي المدفوعات.
وفي مقابلة مع كامينغز في تسعينات القرن الماضي، قال إن قيمة مشتريات الأسلحة بين عامي 1951 و1952 بلغت نحو 100 مليون دولار. لكن لم يحالف الحظّ عملاء وكالة الاستخبارات المركزية في سولوتورن.
وإذا كان ليو ليبه قد غاب في متاهات التاريخ بعد عام 1952، فقد استفاد صموئيل كامينغز إلى أقصى حدّ من تلك التجربة. ففي عام 1953، أسّس الشركة الدولية لتجارة الأسلحة (International Armament Corporation)، ثم غادر وكالة الاستخبارات المركزية، وبنى إمبراطورية في تجارة السلاح، وأصبح أحد أكبر تجار الأسلحة الخواص في العالم. وحتّى وفاته، كان كامينغز يقسّم حياته بين موناكو وفيلار سور أولون، في كانتون فو، مع زوجته المنحدرة من كانتون أوبفالدن وابنتيهما.
أما مصير مخزون الأسلحة، فقد حُسم عام 1961، حين دُمّر في مصنع الصلب في بلدة غيرلافينغن، في سولوتورن.
أدريان باخونج، مؤرخ ومدير متحف الترسانة القديمة (Altes Zeughausرابط خارجي)، في سولوتورن.
المقال الأصلي منشور على على موع مدونة المتحف الوطنيرابط خارجي.
ترجمة: ريم حسونة
مراجعة: عبد الحفيظ العبدلي
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة
المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"
يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!
إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.