تقطع السبل بالسائحين في جزيرة يمنية نائية بعد الخلاف السعودي الإماراتي
من مها
دبي 6 يناير كانون الثاني (رويترز) – عندما سحبت الإمارات قواتها من اليمن الأسبوع الماضي بعد أن أيدت السعودية دعوة تطالب بمغادرة القوات الإماراتية خلال 24 ساعة، تركت وراءها أيضا جزيرة سقطرى اليمنية النائية ونحو 600 سائح كانوا قد وصلوا إليها جوا ولم يعد بإمكانهم المغادرة .
وتوقفت حركة الطيران في المطار الرئيسي للجزيرة مع تفاقم الأزمة بين الإمارات والسعودية لتتحول إلى صراع جديد في البر الرئيسي لليمن، حيث تدعم كل من القوتين الخليجيتين الآن طرفا مختلفا من طرفي الحرب الأهلية هناك.
وقالت أوريليا كريكستابونيني، وهي ليتوانية سافرت إلى سقطرى عشية العام الجديد “لا أحد لديه أي معلومات والجميع يريد فقط العودة إلى حياته الطبيعية”.
وكان من المقرر أن تسافر السائحة الليتوانية إلى أبوظبي يوم الأحد، لكنها قد تجد نفسها الآن مضطرة للسفر عبر جدة في السعودية بدلا من ذلك، مع تراجع السيطرة الإماراتية على الجزيرة.
* حاملة طائرات غير معرضة لخطر الغرق
تبعد سقطرى أكثر من 300 كيلومتر (186 ميلا) إلى الجنوب من ساحل اليمن وكان الوصول إليها حتى وقت قريب يتم بشكل رئيسي جوا عبر الإمارات، كما كانت الجزيرة ملاذا للهدوء والسكينة خلال سنوات الصراع في البر الرئيسي.
وبالنسبة للسائحين، توفر سقطرى شواطئ ساحرة ونباتات فريدة من نوعها، مثل شجرة دم التنين السقطرية الشهيرة. وتقع الجزيرة في خليج عدن، على امتداد طريق ملاحي يؤدي إلى البحر الأحمر.
لكن سقطرى صارت تحت السيطرة الفعلية لدولة الإمارات في عام 2018 عندما هبطت طائرات نقل عسكرية إماراتية لأول مرة على الجزيرة.
وكان إنزال الدبابات والقوات جزءا من مسعى الإمارات لبسط نفوذها على مياه المنطقة، بما في ذلك مضيق باب المندب بين القرن الأفريقي وشبه الجزيرة العربية.
وباعتبارها منتجا رئيسيا للنفط ومركزا تجاريا كبيرا، اتبعت الإمارات في العقد الماضي سياسة خارجية حازمة، إذ قامت برسم نطاق لنفوذها في الشرق الأوسط وخارجه مستخدمة في كثير من الأحيان نفوذها المالي لخدمة مصالحها.
وقال أندرياس كريج، الأستاذ في جامعة كينجز كوليدج لندن “تشكل سقطرى حاملة طائرات غير معرضة لخطر الغرق، وتقع في قلب منظومة باب المندب، في قلب الممر التجاري الذي يربط أوروبا وآسيا وأفريقيا”.
وأضاف “حتى بدون إطلاق رصاصة واحدة، تكتسب الجهة الفاعلة التي تتمتع بإمكانية الوصول الموثوق إلى الجزيرة مميزات مهمة: المراقبة وربما الاعتراض وفرض النفوذ”.
وبعد أقل من ثماني سنوات على هذه الخطوة، بدأت هذه الخطة تخرج عن مسارها بسبب أشد خلاف علني بين الإمارات وشقيقتها الخليجية السعودية.
وتجاوز البلدان الخليجيان عددا من الخلافات في الماضي، من خلافات جيوسياسية وأخرى حول إنتاج النفط، لكن هذه الأزمة الأحدث جعلت الخلافات علنية.
* الخلاف السعودي الإماراتي حول اليمن يمتد إلى سقطرى النائية
تشن السعودية غارات جوية لمساعدة قوات الحكومة اليمنية على مواجهة الانفصاليين المدعومين من الإمارات في الجنوب، والذين يديرون هم أنفسهم جزيرة سقطرى.
ولم تكن القوات الإماراتية محل ترحيب في البداية عندما هبطت لأول مرة في عام 2018، واتهمت الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية أبوظبي بالاستيلاء على موانئ الجزيرة ومطاراتها.
لكن الإمارات فرضت سيطرتها من خلال المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي الذي يجد نفسه الآن في مواجهة مباشرة مع القوات الحكومية المدعومة من السعودية في البر الرئيسي لليمن. ويسعى المجلس إلى أن ينال جنوب اليمن الحكم الذاتي، والاستقلال في النهاية عن الشمال الأكثر كثافة سكانية.
وقال مصدران في المطار لرويترز إن المجلس الانتقالي الجنوبي لا يزال يسيطر على الجزيرة، لكن المطار لم يعد تحت سيطرة الإمارات ولا يزال مغلقا.
وقالت الخطوط الجوية اليمنية في وقت متأخر من أمس الاثنين إنها ستسير رحلة إلى جدة في السابع من يناير كانون الثاني، في إشارة مؤكدة إلى أن السيطرة على المطار انتقلت لها.
وأضاف كريج “في جزيرة غالبا ما يكون فيها الوصول الجوي هو البوابة الحاسمة ، فإن السيطرة على الربط الجوي تعني السيطرة على كل شيء آخر، بما يشمل الوجود الأمني والحكم المحلي والحياة التجارية”.
ولم ترد الإمارات حتى الآن على طلب للتعليق على ما إذا كانت كل قواتها قد غادرت الجزيرة. وقال مصدر مطلع لرويترز إن القوات غادرت الشهر الماضي.
ولم يرد مركز التواصل الحكومي في السعودية بعد على طلب للتعليق على السيطرة على المطار.
وقال ماتشي، وهو سائح بولندي ضمن مجموعة من مئة شخص آخر، لرويترز “لدينا مبلغ محدود من المال، وسينفد مع معظم الناس خلال يومين أو ثلاثة”.
وأضاف “لا توجد ماكينات صراف آلي هنا، والتحويلات البنكية غير متاحة أيضا. كل شيء يعتمد على النقود. وعندما تنفد، سننام في العراء ونعتمد على المساعدات الغذائية من السكان المحليين”، مضيفا أنه لم يتم تحذيره من احتمال نشوب صراع عندما حجز رحلته.
* من جزيرة هادئة إلى وجهة سياحية
مع الوجود الإماراتي منذ عام 2018 تدفقت الأموال على مشروعات البنية التحتية عبر مؤسسة خليفة بن زايد آل نهيان للأعمال الإنسانية مما وفر للجزيرة الكهرباء والمياه الصالحة للشرب وغاز الطهي.
وقامت الإمارات أيضا بتجديد المطار الرئيسي وشيدت مباني جديدة وعنابر للطائرات وأقامت نظام ملاحة حديث لأبراج المراقبة.
وتحولت الجزيرة التي كانت هادئة ذات يوم إلى وجهة سياحية يقصدها الباحثون عن الأماكن غير المألوفة للاستمتاع بشواطئها والحياة البرية فيها، ويتم حجز السفر إليها من خلال أبوظبي فقط.
ولم يأخذ الكثيرون في الحسبان خطر قربها من الاضطرابات في اليمن الذي يعاني من واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم.
وسقطرى، التي هي أقرب إلى الصومال منها إلى اليمن، معزولة حتى الآن عن الحرب الأهلية التي تجتاح البر الرئيسي منذ أكثر من 10 سنوات، لكن الاشتعال الأخير قد يحرمها من السلام.
وتحاول الرومانية بيانكا كوس الاستمتاع بما تبقى لها من وقت على الجزيرة لحين وصول طائرة.
وقالت “استمتع بكل يوم على الجزيرة كما كنت أفعل بالضبط قبل أن نكتشف أننا سنبقى لفترة أطول”.
(إعداد أميرة زهران ونهى زكريا للنشرة العربية – تحرير حسن عمار)