حقوق الشعوب الأصلية: ما الذي ينقص نهج الأمم المتحدة؟
تُطرح قضية القمع الذي تتعرض له الشعوب الأصلية على جدول أعمال مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف. لكن أصوات هذه الشعوب لا تزال بحاجة إلى مساحة أوسع لسرد قصصها وكشف ما تتعرض له من انتهاكات، كما تكتب الناشطتان المدافعتان عن حقوق الشعوب الأصلية، يانا تاناغاشيفا وأولغا كوستروفا.
سألت تاناغاشيفا كوستروفا: «إذن، كيف تقولون كلمة ’أرض‘ بلغة التشوليم؟»
فأجابت كوستروفا: «تشار. وماذا عن لغة الشور؟»
ردّت تاناغاشيفا: «بالنسبة إلينا، نقول ’تشير‘».
«لغتا الشور والتشوليم متشابهتان جدًا».
الأرض، أو «تشار» أو «تشير»، هي ما يربطنا جميعًا. ومع ذلك، تُحرم الشعوب الأصلية في روسيا من أراضيها.
نحن امرأتان من الشعوب الأصلية في غرب سيبيريا، وجدنا أنفسنا مؤخرًا نتبادل الحديث عن كلمة «أرض» بلغتينا في إحدى قاعات الأمم المتحدة، خلال استراحة بين الجلسات. إحدانا، أولغا كوستروفا، تنتمي إلى شعب التشوليم في منطقة تومسك، والأخرى، يانا تاناغاشيفا، تنتمي إلى شعب الشور في منطقة كيميروفو. وقد أُجبرنا كلتانا على مغادرة أراضينا الأصلية. فبصفتنا ناشطتين من الشعوب الأصلية ومدافعتين عن حقوق الإنسان، اضطررنا إلى الفرار من روسيا في فترتين مختلفتين، بسبب ما تعرضنا له من اضطهاد وتهديدات من السلطات الروسية.
وقبل بضعة أيام، شاركنا في إحدى جلسات مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، لإطلاع المجتمع الدولي على الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي تتعرض لها شعوبنا الأصلية، وفي مقدمتها القمع الذي تتعرض له أخواتنا من الشعوب الأصلية، اللواتي اعتُقلن في موسكو في ديسمبر 2025 بتهم تتعلق بالإرهاب.
نشارك كثيرًا في المحافل الدولية، وقد وصلنا إلى جنيف ونحن مفعمتان بالأمل. وتتكرر الإجراءات نفسها في كل مرة: التسجيل المسبق، وتفعيل بطاقات الدخول الإلكترونية، والمرور عبر نقاط التفتيش الأمنية لدخول مجمّع الأمم المتحدة، ثم التوجه إلى قاعة الاجتماعات.
لكن جلسات مجلس حقوق الإنسان تختلف، بطبيعة الحال، عن غيرها من الجلسات. فهنا، يشغل ممثلو الدول معظم مقاعد القاعة، ويستأثرون بالقسط الأكبر من وقت الحديث، بينما لا يُتاح لممثلي وممثلات المجتمع المدني والشعوب الأصلية سوى ما يتبقى من الوقت في نهاية الجلسات.
تواجه مشاركة الشعوب الأصلية في مجلس حقوق الإنسان عقبة كبيرة؛ إذ يتعين على أي منظمة تمثل هذه الشعوب الحصول على صفة استشارية لدى المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة (ECOSOC)، حتى تتمكن من التسجيل والمشاركة الفاعلة في جميع جلسات مجلس حقوق الإنسان. ويتطلب الحصول على هذه الصفة موارد مالية كبيرة ووقتًا طويلًا.
وفي ظل الانتهاكات اليومية لحقوق الشعوب الأصلية، وتصاعد ممارسات تجريم أنشطتها، تبرز الحاجة إلى استجابة سريعة، وإلى إتاحة سبل التواصل دون عوائق.
ورغم أننا من أكثر الفئات قدرةً على إظهار مدى تطبيق تدابير حماية حقوق الإنسان على أرض الواقع، فإن أصواتنا تظل مغيّبة إلى حد كبير. وهذا يترك لدينا شعورًا بأن فرص مشاركتنا الكاملة في جلسات مجلس حقوق الإنسان لا تزال محدودة.
لم يتبقَّ منا، نحن شعب التشوليم، سوى 382 شخصًا، يعيش معظمنا في منطقة تومسك. وقد حُرمنا من فرصة العيش وفق نمط حياتنا التقليدي، ولا سيما ممارسة الصيد دون ترخيص، بسبب غياب مناطق معترف بها رسميًا بوصفها مناطق «للاستخدام التقليدي للموارد الطبيعية». وعلاوة على ذلك، يشكّل تلوث نهر أوب بالزئبق تهديدًا خطيرًا لصحة الشعوب الأصلية في المنطقة.
وفي شوريا، موطن شعب الشور الذي يزيد تعداده قليلًا على عشرة آلاف نسمة، كانت يانا ترافق والدها كثيرًا إلى غابات التايغا لجمع بذور الصنوبر السيبيري. وبالنسبة إلى شعب الشور، تُعدّ هذه البذور هبةً من غابات التايغا؛ فقد كانت مصدرًا لقوتنا على مدى قرون، وربطتنا بأرضنا. فالأرض، بالنسبة إلى الشعوب الأصلية، هي الجذور والتقاليد والصلة التي تجمع الأجيال بعضها ببعض. واليوم، تحاول السلطات الروسية قطع هذه الصلة، إذ يؤدي استخراج الفحم بطرق مدمّرة إلى تدمير الأراضي التقليدية لشعب الشور.
وتُعدّ الشعوب الأصلية في شمال روسيا من بين المجموعات السكانية الأقل عددًا والأشد ضعفًا. وروسيا دولة متعددة الأعراق، تضم أكثر من 190 مجموعة عرقية. ويبلغ إجمالي عدد أفراد الشعوب الأصلية في شمال روسيا نحو 265 ألف نسمة، أي أقل من 0.2% من إجمالي سكان البلاد.
لا يعترف القانون الروسي رسميًا إلا بـ47 شعبًا من «الشعوب الأصلية قليلة العدد»، يُصنَّف 40 منها ضمن «الشعوب الأصلية قليلة العدد في الشمال وسيبيريا والشرق الأقصى».
وتشمل هذه الشعوب النينيتس، والإيفينك، والخانتي، والمانسي، والتشوكشي، والسامي، والشور، والسيلكوب، والدولغان، والتشوليم، إلى جانب شعوب أخرى كثيرة. وقد سكنت هذه الشعوب، منذ القدم، مناطق شاسعة تمتد من شبه جزيرة كولا إلى تشوكوتكا.
الأرض، أو «تشار» أو «تشير»، هي ما يربطنا جميعًا. ففي الأراضي التي تقطنها الشعوب الأصلية في الشمال وسيبيريا والشرق الأقصى، تتركز احتياطيات هائلة من النفط والغاز والفحم والذهب وغيرها من المعادن. وهناك أيضًا تُنفّذ مشاريع ضخمة لاستخراج الموارد الطبيعية وإنتاج الطاقة.
وتقع الأراضي التقليدية للشعوب الأصلية باستمرار في قلب تضارب المصالح؛ فبالنسبة إلى الدولة والشركات، تمثّل هذه الأراضي، في المقام الأول، مصدرًا للموارد الطبيعية. أما بالنسبة إلى الشعوب الأصلية، فهي أراضي الأجداد، ومصدر حياتها وثقافتها ومستقبل أجيالها القادمة.
نشارك في المحافل الدولية للحديث عن هذه القضايا، وتسليط الضوء على التحديات التي نواجهها، وطلب المساعدة والحماية. لكن هذه المشاركة قد تفضي أحيانًا إلى السجن.
المزيد
ضغوط وترهيب… الصين تلاحق أقليتيْ التبت والأويغور في سويسرا
شاركت داريا إغيريفا، وهي امرأة من شعب السيلكوب في منطقة تومسك، والرئيسة المشاركة في المنتدى الدولي للشعوب الأصلية المعني بتغير المناخ (IIPFCC)، في الآليات الدولية المعنية بحقوق الإنسان للشعوب الأصلية. وفي 17 ديسمبر 2025، اعتُقلت عقب عودتها من محادثات الأمم المتحدة بشأن المناخ في البرازيل، ولا تزال رهن الاحتجاز منذ أكثر من تسعة أشهر.
وفي الشهر نفسه، توجّهت السلطات أيضًا إلى منزل ناتاليا ليونغاردت في العاصمة الروسية موسكو، وهي مدافعة أخرى عن حقوق الشعوب الأصلية، تنشط في هذا المجال منذ أكثر من عشرين عامًا. وتسعى روسيا إلى سجن أخواتنا لمدة عشرين عامًا بسبب أنشطة مدنية سلمية تمامًا، تصنّفها السلطات على أنها «تطرف وإرهاب». وهكذا، تجرّم روسيا الدفاع عن حقوق الشعوب الأصلية، وتسكت الأصوات المستقلة، وتعزل مجتمعات الشعوب الأصلية عن الدعم الدولي.
وخلال الدورة الأخيرة لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، قدّمت ماريانا كاتزاروفا، المقررة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الاتحاد الروسي، تقريرًا عن القمع العابر للحدود الذي تمارسه روسيا.
ووفقًا للتقرير، يُعدّ هذا النوع من القمع «أداةً منخفضة التكلفة نسبيًا وعالية التأثير تستخدمها الدولة لتعزيز القمع الداخلي وتقويض النشاط الحقوقي والمعارضة ووسائل الإعلام المستقلة والمجتمع المدني في المنفى، هادفةً بذلك إلى تقويض رغبة ضحايا القمع في التواصل مع الحكومات الأجنبية والآليات الدولية لحقوق الإنسان».
الأرض، أو «تشار» أو «تشير»، هي ما يربطنا جميعًا. وتُحرم الشعوب الأصلية في روسيا من أراضيها. لكن حتى أولئك الذين أُجبروا على مغادرة ديارهم والانتقال إلى أماكن تبعد عنها آلاف الكيلومترات، لا يزالون مستهدفين من السلطات الروسية، التي تسعى إلى السيطرة عليهم وإسكاتهم وترهيبهم.
غير أن البعد عن أرضنا لا ينتقص من هويتنا بوصفنا من الشعوب الأصلية. فالحدود لا تمحو ذاكرتنا، والمنفى لا يسلبنا حقنا في التعبير عن أنفسنا. وما دمنا قادرين على ذلك، فسنواصل الحديث عن أراضينا وحقوقنا، وعن أولئك الذين يقبعون حاليًا رهن الاحتجاز.
سنواصل الحديث حتى تنال أختانا من الشعوب الأصلية، داريا وناتاليا، حريتهما، وحتى تتمكن شعوبنا من العيش بسلام على أراضيها. وحتى في أحلك الأوقات، يجب أن نبقي الأمل حيًا.
لذلك، نطلب منكم ألا تدعونا نختفي دون أن يلاحظ أحد. ونناشدكم أن ترفعوا أصواتكم دفاعًا عن شعوبنا، وبذلك تساعدون داريا وناتاليا على استعادة حريتهما.
تحرير: بينيامين فون فيل
المزيد
نشرتنا الإخبارية المتخصصة في الشؤون الخارجية
ترجمة : أحمد محمد
مراجعة: عبد الحفيظ العبدلي
شاهد المزيد من مقالات Swissinfo في نتائج بحث Google. اعرف المزيد
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة
المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"
يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!
إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.