حشود غفيرة تسير خلف نعش علي خامنئي في النجف وكربلاء
وسط الصيحات والتدافع والقبضات المرفوعة، طافت حشود غفيرة بنعش المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية آية الله علي خامنئي الأربعاء في مدينتي النجف وكربلاء، وحملته على الأكف وسط سيل بشري، في محطة وداع في العراق عشية مواراته الثرى في مشهد بشمال شرق إيران الخميس.
وبعد مراسم حاشدة خلال النهار في النجف ومقام الإمام علي، نقل نعش خامنئي إلى كربلاء لزيارة مقامي الإمام الحسين وأخيه العباس. وتقدمت الشاحنة التي وُضع عليها نعش المرشد، بصعوبة وسط حشود المشيّعين الذين رفعوا أعلاما إيرانية ورايات حمراء تؤشر الى طلب الثأر، في الطريق نحو المرقدين.
وحتى العاشرة ليلا بالتوقيت المحلي (19,00 ت غ)، لم تكن الشاحنة التي وُضع عليها الجثمان قد بلغت منطقة الحرمين، بحسب مراسلي فرانس برس، وسط جموع تجعل تقدمها بطيئا للغاية.
ووصل كثر منذ ساعات الفجر الأولى الى كربلاء، أو حتى من اليوم السابق، لضمان مكان في الحرمين أو في الشوارع القريبة منهما.
ومن هؤلاء أم علي التي قالت إنها قدمت من بغداد برفقة أبنائها. وقالت السيدة التي امتنعت عن ذكر اسمها كاملا “ضميري جاء بي وديني جاء بي”، مضيفة أنه منذ مقتل خامنئي “نحن نبكي فقط على رجل ليس هناك مثله”.
وفي النجف، تدافعت جموع غفيرة نحو نعش المرشد الذي لفّ بالعلم الإيراني، ووضعت عليه العمامة السوداء لخامنئي، وراية خضراء كتب عليها “صلى الله عليك يا أبا عبد الله” (الإمام الحسين).
وقال كريم حسن الذي شارك في المراسم، لفرانس برس إن خامنئي “قائد ورمز عظيم لا يوصف”، مضيفا “هذا تشييع يليق بالسيد” الذي كان قائدا لإيران وأيضا مرجعا دينيا بالنسبة الى ملايين الشيعة في المنطقة والعالم.
وحرصت القيادة الإيرانية على أن تعكس المراسم مقام خامنئي الذي قاد الجمهورية الإسلامية لقرابة أربعة عقود، وقُتل في ضربات أميركية إسرائيلية على مقر إقامته في طهران في 28 شباط/فبراير، في ضربات أتت إيذانا باندلاع الحرب في الشرق الأوسط.
وتزامن تشييع خامنئي في العراق مع تجدد التوتر بين إيران والولايات المتحدة وتبادل الضربات.
– “فرصة لا تُعوّض” –
وكان نعش خامنئي، إضافة إلى جثامين أربعة من أفراد عائلته قتلوا معه في الضربات، وصل ليل الثلاثاء إلى العراق حيث أعلنت السلطات عطلة رسمية.
ومنذ ساعات الصباح الباكر، وتحت وطأة الحر الشديد، اكتظت الشوارع في النجف بحشود غفيرة، وتدافع البعض محاولين لمس النعش أثناء نقله ببطء على متن شاحنة متجهة إلى مرقد الإمام علي.
وقال محمّد البياتي (30 عاما) الذي جاء للنجف من محافظة ديالى، شرق البلاد، لوداع خامنئي “هذه فرصة لا تعوض أن نشارك في تشييع هذه الشخصية التي كسرت شوكة أميركا وإسرائيل”.
وتزامن وصول الجثمان عند مرقد الأمام علي عند منتصف النهار، مع تردد صدى الأذان في الباحة المحيطة بالمرقد حيث تجمّع كثيرون بينهم مئات رجال الدين الذين أقاموا الصلاة على الجثمان.
وتحتضن النجف مقر المرجعية الأعلى في العراق آية الله علي السيستاني، وعدد من المراجع الكبار الآخرين. كما تعد قِبلة لطلاب العلوم الدينية الذين يتابعون تحصيلهم في حوزاتها العلمية.
وقد درس ودرّس في النجف عدد من كبار رجال الدين الشيعة، ومنهم الإمام الخميني مؤسس الجمهورية الإسلامية.
وفي المدينتين العراقيتين، اصطفت على جانبي الطريق مئات الأكشاك لتقديم الطعام والشراب للمعزّين، في تقليد يذكّر بـ”المواكب الحسينية” التي تقدّم الخدمات لزوار العتبة خلال ذكرى عاشوراء وشهر محرم.
وقاد خامنئي الجمهورية الإسلامية منذ العام 1989 عقب وفاة مؤسسها الخميني. وهو قتل عن عمر 86 عاما. وأعادت مشاهد الحشود الغفيرة في شوارع طهران التذكير بوداع الإمام المؤسس، والتي قالت وسائل إعلام رسمية إن أعداد المشاركين فيها ناهزت عشرة ملايين.
وإضافة إلى طابعها الديني، يبقى للمراسم في العراق صبغة سياسية نظرا الى العلاقة المتشعبة بين البلدين.
وبعد حرب امتدت ثمانية أعوام (1980-1988) بعيد انتصار الثورة الإسلامية وفي عهد الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، تحوّلت طهران إلى قوة نافذة في بغداد بعد الغزو الأميركي في العام 2003.
وفي حين يبقى لإيران نفوذها في البلد المجاور، إن سياسيا من خلال مسؤولين وشخصيات وازنة، أو عسكريا عبر فصائل مسلحة، الا أنها تواجه بشكل متزايد ضغوطا من القوة النافذة الأخرى في هذه الساحة، أي الولايات المتحدة.
ولم يبق العراق في منأى عن تداعيات الحرب في الشرق الأوسط، اذ هاجمت فصائل مرتبطة بإيران مصالح أميركية داخل العراق، وحتى في دول مجاورة.
وكانت نعوش خامنئي وأفراد عائلته سجيّت بدءا من الجمعة في مصلّى طهران الكبير حيث ألقت وفود رسمية وحشود غفيرة التحية عليه، قبل أن ينطلق الاثنين في موكب جنائزي شقّ طريقه في وسط طهران، وسط حشود من الناس المتشحة بالسواد والحاملة رايات حمراء تدعو للثأر.
وتختتم مراسم التشييع بدفن خامنئي الخميس في مشهد شمال شرقي إيران.
عك-رح/سف-كام/ناش