ذكرى المجازر تُغذّي التردّد حيال التقارب بين أرمينيا وتركيا
تزامنا مع إحياء الذكرى الحادية عشرة بعد المئة للمجازر التي تعرّض لها الأرمن على يد الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى، يرى بعض سكان يريفان أنّ التقارب مع تركيا لا يزال سابقا لأوانه، معتبرين أن الوقت لم يحن بعد لانفراجة في العلاقات.
دخلت أرمينيا وتركيا، اللتان ظلّتا لوقت طويل على طرفي نقيض، في مسار تطبيع خلال السنوات الأخيرة، واتخذتا خطوات باتجاه فتح حدودهما البرية المغلقة منذ العام 1993.
يقول أزات أليسكانيان (29 عاما)، وهو مختص في البرمجة، لوكالة فرانس برس “يجب فتح الحدود، لكن لكل شيء أوانه. حتى من دون أخذ مسألة الإبادة الجماعية في الاعتبار، خرجنا للتو من حرب” مع أذربيجان المدعومة من تركيا، مضيفا أن “لا داعي للتسرّع في الأمور”.
ومن بين مؤشرات هذا التقارب، تدشين خط جوي مباشر بين إسطنبول ويريفان في منتصف آذار/مارس، تشغّله شركة الخطوط الجوية التركية، رغم أنّ البلدين كانا مرتبطين سابقا عبر شركات طيران أخرى.
كما عيّنت أنقرة ويريفان في العام 2021 مبعوثين خاصين، بعد عقود من القطيعة المرتبطة بالمجازر التي ارتكبتها الإمبراطورية العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى.
وزادت التوترات بفعل الدعم التركي لأذربيجان في النزاع الإقليمي مع أرمينيا منذ انهيار الاتحاد السوفياتي حول إقليم قره باغ، وهو إقليم أذري كانت غالبية سكانه من الأرمن حتى حرب العام 2023.
وكان رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان قد صرّح العام الماضي لوسائل إعلام تركية بأن الاعتراف بالإبادة الجماعية لم يعد أولوية بالنسبة لبلاده.
وعلى النقيض من ذلك، يقول ريج كيليدجيان (21 عاما)، وهو تقني معلوماتية، لفرانس برس “أعتقد أنّ على كل دولة أن تعترف بذلك، لأنه أمر مهم جدا”.
ويشارك كيليدجيان في مسيرة مع مئات الشبان الأرمن في يريفان لإحياء ذكرى المجازر، مؤكدا أنّ فتح الحدود “ليس حلا مفيدا لأرمينيا”.
وشهدت العلاقات بين أنقرة ويريفان تحسنا منذ توقيع اتفاق سلام العام الماضي بين أذربيجان وأرمينيا برعاية الولايات المتحدة، رغم استمرار ملفات خلافية عدة، من بينها قضية الانفصاليين الأرمن المسجونين في أذربيجان.
– “ألم” –
من جهتها، تؤكد أراكسيا زاكاريان (40 عاما)، وهي طبيبة أسنان، أنّ “الألم لا يزال حاضرا، دائما”.
وتقول، بينما ترافقها ابنتها “بالطبع نتذكّر وسنظل نتذكّر. آمل أن يندم الناس يوما ما على أفعالهم أو على أفعال أسلافهم”.
ويسعى الأرمن إلى دفع المجتمع الدولي للاعتراف بالإبادة الجماعية، وهو ما أقرّ به عدد كبير من المؤرخين وكذلك حكومات وبرلمانات في نحو ثلاثين دولة، بينها الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا.
وبحسب يريفان، قُتل ما يصل إلى 1,5 مليون شخص بين عامي 1915 و1916، حين قمعت السلطات العثمانية الأقلية الأرمنية المسيحية التي كانت تتهمها بالخيانة وموالاة روسيا.
في المقابل، تعترف تركيا، التي نشأت بعد تفكك الإمبراطورية عام 1920، بوقوع مجازر لكنها ترفض وصفها بالإبادة الجماعية، معتبرة أنّ ما جرى كان في سياق حرب أهلية في الأناضول رافقتها مجاعة، وأدّى إلى مقتل ما بين 300 ألف و500 ألف أرمني وعدد مماثل من الأتراك.
وتجمع أرمن الخميس على التلة المطلة على العاصمة، حيث وضع تلاميذ مدارس الزهور على النصب التذكاري.
وقال آرتور أفانيسيان، وهو مقاتل سابق وأحد رموز المعارضة لنيكول باشينيان “اليوم، يعيش ثلاثة ملايين أرمني في أرمينيا وعشرة ملايين في الخارج. إنهم متحدون بألم واحد، هو ألم الإبادة الجماعية”، مضيفا “لم يُنسَ ذلك ولن يُنسى أبدا. اليوم، نريد السلام، سلاما مستقرا وعادلا ودائما”.
ودعا أيضا إلى عودة الانفصاليين الأرمن المسجونين في أذربيجان، قائلا إنّه “من المستحيل إرساء سلام عادل دون عودة هؤلاء الوطنيين”.
كاد/اج/ع ش