The Swiss voice in the world since 1935
أهم الأخبار
أهم الأخبار
نقاشات
أهم الأخبار
النشرة الإخبارية

رجل في الأخبار-رحيل خامنئي.. الزعيم الإيراني الذي أسس حكمه الحديدي على عداء أمريكا وإسرائيل

reuters_tickers

من باريسا حافظي

واشنطن الأول من مارس آذار (رويترز) – بنى حكم آية الله علي خامنئي، الذي دام 36 عاما، إيران لتصبح قوة مناهضة للولايات المتحدة لا يستهان بها، ونشر نفوذها العسكري في أنحاء الشرق الأوسط، بينما رسخ قبضة حديدية سحقت اضطرابات متكررة في الداخل.

وأعلنت وسائل إعلام إيرانية رسمية مقتله أمس السبت عن عمر يناهز 86 عاما في غارات جوية شنتها إسرائيل والولايات المتحدة دمرت مجمعه في وسط طهران، بعد إخفاق جهود على مدى عقود لحل الخلاف بشأن البرنامج النووي الإيراني دبلوماسيا.

وصف خامنئي في البداية بأنه ضعيف ومتردد وبدا خيارا مستبعدا لمنصب الزعيم الأعلى بعد وفاة آية الله روح الله الخميني، مؤسس الجمهورية الإسلامية الإيرانية. إلا أن صعود خامنئي إلى قمة هرم السلطة في البلاد منحه سيطرة محكمة على كل شؤون الدولة.

وقال كريم سجادبور من مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي لرويترز إن “صدفة تاريخية” حولت “رئيسا ضعيفا إلى زعيم أعلى ضعيف في البداية ثم إلى أحد أقوى خمسة إيرانيين خلال المئة عام الماضية”.

انتقد خامنئي واشنطن طوال فترة حكمه، واستمر في توجيه الانتقادات اللاذعة بعد بداية ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الثانية في 2025.

ومع انتشار موجة جديدة من الاحتجاجات في أنحاء إيران، رافعة شعارات مثل “الموت للديكتاتور”، ومع تهديد ترامب بالتدخل، تعهد خامنئي في يناير كانون الثاني بأن البلاد لن “تستسلم للعدو”.

ويتفق هذا التعليق مع النهج المعتاد لخامنئي المناهض بشدة للغرب. وتولى الزعيم الأعلى منصبه في 1989.

ومن خلال التمسك بالموقف المتشدد للخميني، أول زعيم أعلى للجمهورية الإسلامية، قضى خامنئي على طموحات سلسلة من الرؤساء المنتخبين كان لهم فكر مستقل وسعوا لسياسات أكثر انفتاحا في الداخل والخارج. ويقول منتقدون لهذا النهج إنه أكد على عزلة إيران.

* كلمته كانت قانونا

نفى خامنئي مرارا ومنذ فترة طويلة أن يكون البرنامج النووي الإيراني يهدف إلى إنتاج سلاح نووي، كما يخشى الغرب ويكرر. وفي 2015، أيد بحذر اتفاقا نوويا بين قوى عالمية وحكومة الرئيس حسن روحاني، قيد البرنامج النووي للبلاد مقابل تخفيف العقوبات. وأسفر هذا الاتفاق، الذي تم التوصل إليه بشق الأنفس، عن رفع جزئي للعزلة الاقتصادية والسياسية التي كانت تعاني منها إيران.

لكن عداء خامنئي تجاه الولايات المتحدة لم ينحسر، بل ازداد حدة في 2018 عندما انسحبت إدارة ترامب الأولى من الاتفاق النووي وأعادت فرض العقوبات لخنق قطاعي النفط والشحن في بلاده.

وبعد الانسحاب الأمريكي من الاتفاق، انحاز خامنئي لصف أنصار من غلاة المحافظين انتقدوا سياسة استرضاء الغرب التي اتبعها روحاني.

وفي وقت ضغط فيه ترامب على إيران للموافقة على اتفاق نووي جديد في 2025، ندد خامنئي “بقادة أمريكا الوقحين والمتغطرسين… من أنتم حتى تقرروا ما إذا كان ينبغي لإيران تخصيب اليورانيوم؟”.

وندد خامنئي مرارا “بالشيطان الأكبر” في خطاباته، مما طمأن غلاة المحافظين على عداء للولايات المتحدة شكل جوهر الثورة الإسلامية في 1979 التي أجبرت آخر شاه لإيران على مغادرة البلاد والعيش في الخارج.

وشهدت إيران احتجاجات حاشدة قادها طلاب في عامي 1999 و2002. لكن سلطة خامنئي تعرضت لاختبار أشد في 2009، عندما أشعلت نتائج متنازع عليها لانتخابات رئاسية كان قد أقرها اضطرابات عنيفة في الشوارع، مما أدى إلى أزمة شرعية استمرت في الكواليس حتى وفاته.

وفي 2022، أمر خامنئي بحملة قمع لمتظاهرين غاضبين بسبب وفاة الشابة الكردية مهسا أميني (22 عاما)، وهي رهن الاحتجاز لدى شرطة الأخلاق في سبتمبر أيلول من ذلك العام.

وفي مواجهة أحد أشد موجات الاضطراب منذ الثورة، ألقى خامنئي بمسؤوليتها على أعداء غربيين ثم لجأ إلى شنق متظاهرين وتعليق جثثهم من رافعات، بعد اضطرابات على مدى أشهر. وفهم الإيرانيون الرسالة.

وكانت كلمة الزعيم الإيراني الأعلى قانونا. فقد تولى صلاحيات وسلطات واسعة، بما في ذلك قيادة القوات المسلحة وسلطة تعيين العديد من كبار المسؤولين، مثل رؤساء السلطة القضائية والأجهزة الأمنية وهيئة البث الرسمية.

وعين حلفاءه في المناصب القيادية للحرس الثوري.

ولأن لديه القول الفصل في النظام الإيراني المعقد لحكم رجال الدين ومع ديمقراطية محدودة، سعى خامنئي لوقت طويل إلى ضمان عدم تمكن أي جماعة، حتى بين أقرب حلفائه، من حشد ما يكفي من القوة لتحديه أو معارضة موقفه المناهض للولايات المتحدة.

ورسم باحثون خارج إيران صورة لخامنئي بأنه شخص يتمسك بفكر معين ويفضل السرية ويخشى الخيانة، وهو قلق تفاقم بسبب محاولة اغتيال في عام 1981 بقنبلة مخبأة في جهاز تسجيل صوتي أصابته بشلل في ذراعه اليمنى.

وانتقدت منظمات دولية وناشطون مرارا انتهاكات حقوق الإنسان في إيران. لكن طهران تقول إن لديها أفضل سجل في مجال حقوق الإنسان في العالم الإسلامي.

* صعود إلى السلطة

ولد علي خامنئي في مشهد، شمال شرق إيران، في أبريل نيسان 1939. وظهر التزامه الديني واضحا عندما أصبح رجل دين في سن الحادية عشرة. ودرس في العراق وفي قم التي تمثل العاصمة الدينية لإيران.

كان والده، وهو عالم دين من أصل أذري، رجل دين تقليديا يعارض خلط الدين بالسياسة، لكن ابنه تبنى قضية الثورة الإسلامية.

وقال محمود مرادخاني، ابن أخت خامنئي الذي يعارض حكمه ويعيش في الخارج إن والد خامنئي “بدأ مثل رجل دين حداثي أو تقدمي”، على عكس ابنه الذي “لم يكن من الأصوليين”.

في عام 1963، قضى خامنئي أولى فترات سجنه العديدة عندما اعتقلته السلطات وهو في الرابعة والعشرين من عمره بسبب أنشطته السياسية. وفي وقت لاحق من ذلك العام، ظل في الحبس لمدة 10 أيام في مشهد، حيث تعرض للتعذيب الشديد، وفقا لسيرته الذاتية الرسمية.

وبعد سقوط الشاه، تولى خامنئي عدة مناصب في الجمهورية الإسلامية. وبصفته نائبا لوزير الدفاع، أصبح مقربا من الجيش وكان شخصية محورية في الحرب مع العراق بين عامي 1980 و1988 التي أودت بحياة ما يقدر بمليون شخص.

ولأنه كان خطيبا بارعا، عينه الخميني إماما لصلاة الجمعة في طهران.

وأثيرت تساؤلات حول صعوده السريع وغير المسبوق. وفاز بالرئاسة بدعم من الخميني، ليصبح أول رجل دين يشغل هذا المنصب، وكان اختياره لخلافة الخميني مفاجئا، إذ افتقر وقتها للشعبية وللمؤهلات الدينية التي تمتع بها الخميني.

* توسيع نفوذ إيران

أثمرت علاقاته مع الحرس الثوري القوي في 2009. ففي ذلك العام، قمع الحرس الثوري احتجاجات نشبت بعد إعلان إعادة انتخاب محمود أحمدي نجاد رئيسا وسط اتهامات من المعارضة بتزوير الانتخابات.

وأشرف خامنئي على إمبراطورية مالية ضخمة شبه حكومية معروفة باسم (ستاد)، والتي أسسها الخميني لكنها نمت نموا هائلا في عهد خامنئي لتصل قيمة أصولها إلى عشرات المليارات من الدولارات.

وسع خامنئي أيضا النفوذ الإيراني في المنطقة، من خلال دعم جماعات مسلحة شيعية في العراق ولبنان وساند بشار الأسد، الرئيس السوري آنذاك، بنشر آلاف الجنود في سوريا.

وأنفق الزعيم الأعلى الإيراني على مدى أربعة عقود مليارات الدولارات على تلك الجماعات الحليفة التي سميت “محور المقاومة”، وضمت أيضا حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) وجماعة الحوثي في اليمن، لمناهضة نفوذ إسرائيل والولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

لكن في 2024 شهد خامنئي هذه التحالفات وهي تتلقى ضربات قوية، ونفوذ إيران في المنطقة وهو ينحسر، مع الإطاحة بالأسد وسلسلة هزائم ألحقتها إسرائيل بجماعة حزب الله في لبنان وحركة حماس في قطاع غزة، مع مقتل قيادات من الجماعتين.

وفي عهد خامنئي، خاضت إيران وإسرائيل لسنوات حربا من وراء الكواليس، اغتالت خلالها إسرائيل علماء إيرانيين في المجال النووي وقادة في الحرس الثوري.

لكن الصراع أصبح علنيا وصريحا خلال الحرب التي شنتها إسرائيل على حركة حماس في قطاع غزة وبدأت في 2023. ففي أبريل نيسان 2024، أطلقت إيران مئات الصواريخ والطائرات المسيرة على إسرائيل بعد قصفها مجمع السفارة الإيرانية في دمشق. وردت إسرائيل بضربات جوية على الأراضي الإيرانية.

لكن ذلك لم يكن سوى مقدمة لما تكشف في يونيو حزيران 2025، حين أطلق الجيش الإسرائيلي مئات المقاتلات لضرب أهداف نووية وعسكرية إيرانية، بالإضافة إلى استهداف كبار المسؤولين. وتلا الهجوم المفاجئ تبادل لوابل من الصواريخ في الاتجاهين، مما حول صراعا كان تحت السطح إلى حرب شاملة. وانضمت الولايات المتحدة إلى الهجوم الجوي على إيران، الذي استمر 12 يوما.

وحذرت الولايات المتحدة وإسرائيل من قبل من أنهما ستشنان هجوما آخر إذا مضت إيران قدما في البرنامج النووي وبرامج الصواريخ الباليستية. وأمس السبت، شنتا بالفعل الهجوم الأكبر على أهداف إيرانية منذ عقود.

وجرت مفاوضات بين مسؤولين أمريكيين وإيرانيين حتى يوم الخميس، لكن مسؤولين أمريكيين كبارا قالوا إن طهران ليست مستعدة للتخلي عن قدرتها على تخصيب اليورانيوم، وهي قدرة تقول إنها تحتاجها للطاقة النووية، لكن المسؤولين الأمريكيين قالوا إنها قدرات ستمكنها من صنع قنبلة نووية.

وعلى الجانب الدبلوماسي، رفض خامنئي أي تطبيع للعلاقات مع الولايات المتحدة، مؤكدا أن واشنطن دعمت جماعات متشددة مثل تنظيم الدولة الإسلامية لإشعال حرب طائفية في المنطقة.

ومثل جميع المسؤولين الإيرانيين، نفى خامنئي أي نية لتطوير أسلحة نووية، بل وذهب إلى حد إصدار فتوى في منتصف التسعينيات بشأن “إنتاج واستخدام” الأسلحة النووية تقول إن ذلك “يخالف العقيدة الإسلامية”.

وأيد فتوى أصدرها الخميني في 1989، دعت المسلمين إلى قتل الكاتب سلمان رشدي المولود في الهند بعد نشر روايته “آيات شيطانية”.

وأكد الموقع الرسمي لخامنئي حتى عام 2017 استمرار سريان تلك الفتوى. وبعد خمس سنوات، تعرض رشدي للطعن في أثناء إلقائه محاضرة عامة في نيويورك، مما أسفر عن إصابات بالغة لكنه نجا. ولم يدل الجاني، الذي صدر بحقه حكم بالسجن لمدة 25 عاما في 2025 بعد إدانته بالشروع في القتل، بشهادته خلال المحاكمة.

ويترك رحيل خامنئي غموضا يكتنف مصير الجمهورية الإسلامية وسط هجمات إسرائيل والولايات المتحدة وتزايد المعارضة في الداخل، خاصة بين الأجيال الشابة.

وقال خريج جامعة عاطل يبلغ من العمر 25 عاما لرويترز عبر الهاتف من مدينة كوهدشت في لورستان غرب إيران في بداية 2026 “أريد فقط أن أعيش حياة سلمية وطبيعية… بدلا من ذلك، يصرون (الحكام) على برنامج نووي، ويدعمون جماعات مسلحة في المنطقة، ويواصلون العداء تجاه الولايات المتحدة… ربما كانت تلك السياسات منطقية في 1979، لكنها لم تعد كذلك اليوم. لقد تغير العالم”.

(إعداد سلمى نجم للنشرة العربية – تحرير دعاء محمد)

قراءة معمّقة

الأكثر مناقشة

SWI swissinfo.ch - إحدى الوحدات التابعة لهيئة الاذاعة والتلفزيون السويسرية

SWI swissinfo.ch - إحدى الوحدات التابعة لهيئة الاذاعة والتلفزيون السويسرية