الصحافة السويسرية: غزة بلا مدنيين؟ سوريا بلا عدالة؟ والخليج بلا ماء؟
استعرضت الصحافة السويسرية هذا الأسبوع خطابًا يطمس الفارق بين المدنيين والمقاتلين في غزة، كما تناولت بطء مسار العدالة الانتقالية في سوريا، في الوقت الذي تشجع فيه دول إسكندنافية اللاجئين على العودة. وفي منطقة الخليج، ترصد التحليلات جهود الدول لتقليل اعتمادها على مضيق هرمز، بينما تكشف الحرب هشاشة إمدادات المياه المعتمدة بدرجة كبيرة على محطات التحلية.
ساعدنا على تطوير العرض الصحفي
يهمّنا الاستماع إلى رأيك بصفتك متابع.ة للعرض الصحفي. ندعوك لتخصيص دقيقتين فقط للإجابة عن استبيان قصير يساهم في تحسين محتوانا الصحفي. الاستبيان مجهول الهوية، وجميع البيانات تبقى سرية.
حين تمحو اللغة الفوارق تصبح غزّة بلا مدنيين
نشرت صحيفة جورنال 21 مقالًا بعنوان “حين تقتل 70،000 إرهابي”، للصحفي السويسري إغناتس شتاوبرابط خارجي، الذي عمل سنوات طويلة محررًا للشؤون الخارجية، ومراسلًا في الشرق الأوسط لدى صحيفة “تاغس أنتسايغر”.
وينطلق المقال من تصريحات رسمية إسرائيلية، حيث يذكر تمير يدعي، نائب رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، أن السيطرة على 65% من قطاع غزة، وقتل أكثر من 70 ألف “إرهابي” يمثلان انتصارًا. ومع ذلك، يواجه كاتب المقال هذا التصنيف من خلال تقديم أرقام القتلى، مشيرًا إلى أن الحصيلة تشمل نحو 21،000 طفل، وأكثر من 10،000 امرأة دون الستين، وأكثر من 5،000 مسن، فضلًا عن أكثر من ألف رضيع لم يبلغوا عامهم الأول. ويستنكر إدراج هؤلاء أيضًا ضمن “الإرهابيين”.
وفي هذا السياق، يستحضر شتاوب وصف نتنياهو الجيش الإسرائيلي بأنه “أكثر جيوش العالم أخلاقية”، مشيرًا إلى أن الجيش امتنع عن التعليق على التصريح “المشين”، بحسب وصف شتاوب، واكتفى بالقول إنه لا يزال يحصي الأعداد الدقيقة للضحايا.
وفي مفارقة أخرى، يلفت الكاتب إلى أن المؤسسة العسكرية تصنف قتلى غزة “إرهابيين”، في حين تمنح صفة الشريك الأمني لمستوطنات ومستوطنين مسلحين منخرطين في أعمال عنف، مستشهدًا بإشادة الجنرال آفي بلوث بسكان البؤر الاستيطانية في الضفة الغربية.
كما ينقل عن الكاتبة نسرين مالك تساؤلها عن قلة الاعتراض داخل إسرائيل، وندرة مطالبة بعض حلفائها الغربيين بإجراءات فعلية.
عقود من نزع الإنسانية
ومن زاوية تاريخية، تحاور صحيفة “لوتون” المؤرخ الإسرائيلي الأمريكي أومر بارتوف، المتخصص في الهولوكوست والإبادة الجماعية، وأحد أوائل الإسرائيليين الذين حذروا من وجود، في نظره، إبادة جماعية ارتكبتها إسرائيل في غزة.
ويرى بارتوف أن ما يصفه بالإبادة لم يبدأ فجأة، فقد سبقته عملية طويلة من نزع الإنسانية عن الفلسطينيين والفلسطينيات. ويحدد عام 1948 نقطة تحول، إذ تزامن قيام إسرائيل مع النكبة والطرد الواسع للسكان الفلسطينيين. كما يقول إن امتناع إسرائيل عن تحديد حدودها وعن اعتماد دستور حوّل الصهيونية، في نظره، إلى أيديولوجيا قومية إثنية للدولة، لا تخضع للقيود القانونية والسياسية لدولة ديمقراطية ليبرالية.
وبحسب بارتوف، عملت عقود من الاحتلال ونزع الإنسانية على ترسيخ صورة الفلسطينية والفلسطيني بوصفه تهديدًا وجوديًا، ما مهّد لاتساع العنف بعد هجوم السابع من أكتوبر الإرهابي. ويؤكد أن قتل المدنيين لا يمكن تبريره، لكنه يرى أن هذا العنف جرى في ظل إفلات من العقاب، بدعم من الولايات المتحدة وبعض الحلفاء الأوروبيين.
سوريا: عدالة بطيئة وعودة مستعجلة
تبدأ صحيفة “نويه تسورخر تسايتونغ” من قصة زياد أميري، الذي اختفى عشرة من أفراد عائلته في يونيو 2013، بينهم والدته وشقيقاته. وبعد أكثر من عقد، لا يزال يبحث عن دليل يكشف مصيرهم، مثل آلاف السوريين والسوريات الذين فقدوا أقاربهم في سجون نظام بشار الأسد. ويقول أميري للصحيفة: “التحرير لا يعني لي شيئًا إن لم يأت بالعدالة”.
وبعد عام ونصف على سقوط الأسد، بدأت في أبريل أول محاكمة لمسؤول رفيع في النظام السابق، مع توقع توجيه اتهامات أخرى. لكن الصحيفة ترصد بطء مسار العدالة الانتقالية. فاللجنة المختصة لا تزال تنتظر قوانين جديدة تتيح ملاحقة المسؤولين عن الجرائم، وتعاني نقصًا حادًا في التمويل والموظفين، ما يضطرها إلى الاعتماد على متطوعين.
وينقل المقال عن مسؤول في اللجنة تحذيره من أن استقرار سوريا وأمنها يتوقفان على محاسبة مرتكبي الجرائم.
جدل في الدول الإسكندنافية حول مِنح العودة
في الوقت الذي ينتظر فيه أميري وغيره معرفة مصير المفقودين، ترصد هيئة الإذاعة والتلفزيون السويسرية الناطقة بالفرنسية (RTS) جدلًا متزايدًا في الدول الإسكندنافية حول مِنح العودة. فالدنمارك والسويد تعرضان على اللاجئين مبالغ قد تصل إلى نحو 30 ألف فرنك للشخص البالغ، لتشجيعهم على العودة الطوعية إلى بلدانهم.
وبحسب التقرير، ترى الحكومتان أن هذه المنح تتيح لمن يرغبون في العودة بدء حياة جديدة في ظروف أفضل. كما تمثل بديلًا أكثر إنسانية من الترحيل القسري. لكن السياسة تواجه اعتراضات من جمعيات الدفاع عن اللاجئين ومن قوى يسارية، ترى أنها توجه رسالة سلبية إلى أشخاص استقروا منذ سنوات في هذه البلدان.
ويشير التقرير أيضًا إلى أن قرار العودة لا يتوقف على الحافز المالي وحده. فكثير من اللاجئين يعملون، وأطفالهم يتابعون دراستهم، وأصبحت الدول الإسكندنافية موطنًا لهم. كما لا يزال كثيرون يعدّون الوضع في سوريا غير مستقر بما يكفي للعودة. وبحسب التقرير، رفضت أكثر من 130 بلدية، في السويد، مساعدة الحكومة على الترويج لهذه المنح، معتبرة أنها توصم المهاجرين وتتجاهل إسهامهم في الاقتصاد المحلي.
وتكشف قراءة المقالين جنبًا إلى جنب عن مفارقة أكثر تعقيدًا: فبينما لا يزال السوريون ينتظرون كشف مصير المفقودين وتحقيق العدالة، يدور في أوروبا نفسها جدل حاد حول ما إذا كان ينبغي تشجيعهم على العودة، وتحت أي شروط.
الخليج بعد هرمز: طرق بديلة…
ترصد صحيفة “نويه تسورخر تسايتونغ” مساعي دول الخليج إلى تقليل اعتمادها على مضيق هرمز، في ظل استخدام إيران الممر البحري ورقة ضغط في مواجهتها مع الولايات المتحدة وحلفائها. وبحسب الصحيفة، يسرّع هذا التهديد تنفيذ مشروعات بمئات المليارات من الدولارات، تشمل خطوط أنابيب وطرقًا وسككًا حديدية وموانئ بديلة على البحر الأحمر والبحر المتوسط.
وتشير الصحيفة إلى أن السعودية والإمارات تبدوان أكثر استعدادًا، بفضل استثمارات سابقة في خطوط تتيح تصدير جزء من النفط من دون المرور بالمضيق. أما الكويت وقطر، فتظلان، وفق المقال، أكثر عرضة لتداعيات تعطيل الملاحة. وترى كاتبة المقال أن استخدام إيران هرمز أداة ضغط قد يؤدي إلى نتيجة عكسية. فقد يدفع دول المنطقة إلى تقليص أهميته الاقتصادية والاستراتيجية.
…ولكن لا بديل عن المياه
أما صحيفة “لوتون”، فتتوقف عند نقطة ضعف أخرى كشفتها الهجمات المتبادلة بين إيران والولايات المتحدة. وتفيد الصحيفة بأن منشآت لإمدادات المياه ومحطات للتحلية تضررت في إيران والكويت. وبحسب المقال، أدت الأضرار في إيران إلى انقطاع مؤقت لمياه الشرب عن نحو عشرة آلاف شخص، فيما طلب وزير الطاقة والمياه الكويتي من السكان ترشيد الاستهلاك بعد استهداف محطتين للتحلية.
واستنادًا إلى أرقام للأمم المتحدة، تذكر “لوتون” أن الكويت تعتمد على المياه المحلاة بنسبة تتجاوز 90%، وسلطنة عُمان بنسبة 86%. فيما تمثل هذه المياه 42% من استهلاك الإمارات. وتنقل الصحيفة عن الكاتب والباحث السياسي كميل عمّون وصفه محطات التحلية بأنها “الوريد الوداجي” لدول الخليج، نظرًا إلى ندرة المياه السطحية والجوفية في المنطقة.
ومع ذلك، لا يجزم المقال بأن المياه أصبحت جبهة حرب متعمدة. إذ ينقل عن عمّون تشككه في رغبة إيران في شل دول الخليج. ويرى الخبير أن طهران تفضّل الضغط عبر مضيق هرمز، لما يتيحه من توسيع نطاق الأزمة عالميًا، دون إعلان “حرب شاملة” على جيرانها.
موعدنا الأسبوع القادم مع عرض صحفي جديد.
يمكنك الكتابة لنا على العنوان الإلكتروني إذا كان لديك رأي أو انتقاد أو اقتراح لموضوع ما.
مراجعة: فريق سويس إنفو
مقالاتنا الأكثر قراءة هذا الأسبوع:
الصحافة السويسرية: مستقبل ضبابي في الضفة والسودان والخليج
قضية رياض سلامة: دور مشبوه لوحدة مصرفية خاصة في سويسرا
ماذا بعد فقدان الوظيفة في جنيف الدولية؟
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة
المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"
يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!
إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.