مسيرات ودوي انفجارات وجنود إسرائيليون.. واقع أول بلدة في “منطقة تجريبية” بجنوب لبنان
من مايا الجبيلي وإميلي ماضي ومحمد عزاقير
زوطر الغربية (لبنان) 8 أكتوبر تشرين الأول (رويترز) – تحاول مريم الياغي تفادي الزجاج المهشم الذي يغطي أرضية منزلها في جنوب لبنان لتخرج إلى شرفتها العلوية، ثم أشارت بيدها إلى مشهد اعتادت عليه على بعد بضع مئات من الأمتار فقط وهو آليات عسكرية تتحرك في بلدة مجاورة لا تزال قوات إسرائيلية تحتلها.
وخلال الليل، تسير دوريات إسرائيلية على مقربة شديدة من منزل مريم في زوطر الغربية لدرجة أنها تسمع أصواتهم. وخلال النهار، كثيرا ما تتابعها طائرة مسيرة إسرائيلية صغيرة للمراقبة وهي تعمل في حديقة منزلها. وتتردد أصداء الانفجارات طوال الصباح مع هدم الجيش الإسرائيلي لمنازل في بلدات محتلة تحيط ببلدتها باستخدام تفجيرات متحكم فيها وجرافات.
وقالت مريم (67 عاما) لرويترز “عطول بنسعمهن عند هذاك البيت الأرميد، منسمع صوتهن صريخ ودبابات لما بيمشوا هيك وهيك. كله عم نسمعه. قريبين كتير علينا وقاعدين ومش خايفين، أبدا”.
وانسحبت القوات الإسرائيلية من زوطر الغربية في يوليو تموز، في أول اختبار لخطة “المنطقة التجريبية” المدعومة من الولايات المتحدة، والتي تقضي بانسحاب إسرائيل تدريجيا من جنوب لبنان مقابل نزع سلاح جماعة حزب الله المدعومة من إيران.
لكن بعد مرور شهرين، لم يتم الاتفاق على أي “مناطق تجريبية” أخرى، ويقول سكان زوطر الغربية إن بلدتهم لا تمثل نموذجا يمكن الاحتذاء به.
وردا على أسئلة رويترز، قال الجيش الإسرائيلي إن العمل على إزالة التهديد الذي تمثله أسلحة حزب الله لم يكتمل بعد. وأضاف أن الطائرات المسيرة تستخدم لرصد التهديدات، وأن القيود المفروضة على حركة سكان البلدة تهدف إلى حماية القوات.
وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية إن عملية المنطقة التجريبية تمثل “المسار الوحيد القابل للتطبيق” لتحقيق الأمن للبنان وإسرائيل أيضا.
وأضاف أن المنطقة ستتوسع بعد أن ينفذ الجيش اللبناني عمليات تمشيط في أول منطقة وأن نزع سلاح حزب الله “يشكل جزءا لا يتجزأ من هذه العملية”.
* في قلب الدمار
فر أكثر من مليون لبناني من منازلهم عندما شنت إسرائيل قبل سبعة أشهر تقريبا غارات جوية ونفذت اجتياحا بريا بالتوازي مع الحرب مع إيران، بعد أن أطلق حزب الله النار على إسرائيل تضامنا مع طهران.
وأصبح إنهاء الحرب في لبنان شرطا إيرانيا لأي اتفاق، مما دفع واشنطن إلى الضغط من أجل التوصل لذلك. ورغم عقد محادثات بوساطة أمريكية بين لبنان وإسرائيل على مدى أشهر والتوصل لوقف لإطلاق النار في يونيو حزيران، واصل الجيش الإسرائيلي شن ضربات أسفرت عن سقوط قتلى.
ولا تزال قوات الجيش الإسرائيلي تحتل “منطقة أمنية” أعلنتها من جانب واحد وتضم عشرات القرى اللبنانية التي دمرت كثيرا منها.
يقول سكان زوطر الغربية إن عودتهم إلى ديارهم في يوليو تموز امتزج فيها الفرح بالأسى، إذ سعدوا بالعودة لكنهم وجدوا منازلهم مدمرة والقوات الإسرائيلية قريبة لدرجة لا تدعو للاطمئنان.
واخترقت قذيفة دبابة الطابق العلوي من منزل مريم وتحطمت جميع النوافذ، واخترقت قذيفة أخرى سقف خزان المياه لديها، مما حول المياه بداخله إلى لون أحمر قان. ونظرا لارتفاع تكلفة الإصلاحات، أجلتها مريم في الوقت الراهن.
وقالت “حطينا كراتين وهيكي، ما فيهن (قزاز) وعند ابني الثاني هون.. كله راح، القزاز وهيك. هيانا قاعدين… لينقلعوا ويروحوا من هون” وهي تشير إلى القوات الإسرائيلية في البلدة المجاورة.
ولم يعد حتى الآن سوى عدد قليل من جيران مريم، إذ سويت منازلهم بالأرض. وتمتد آثار جنازير الدبابات عبر حديقتها، حيث ترقد أشجار زيتون اعتنت بها لعقود بعد أن اقتلعت من جذورها. ومع بدء موسم الحصاد، شعرت مريم بالحماسة لجني ما تبقى.
وقال سكان تقع بساتينهم قرب مواقع القوات الإسرائيلية إنهم يطلبون السماح لهم بالوصول إلى أشجارهم عبر آلية تنسيق تقودها الولايات المتحدة بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي.
وسخر بعضهم من عبثية طلب الإذن من واشنطن لقطف الزيتون. وخشي آخرون أن تأتي الموافقة بعد فوات أوان الحصاد.
على مسافة قصيرة من زوطر الغربية تقع توأمها زوطر الشرقية، التي لا تزال تحتلها القوات الإسرائيلية وتواصل فيها عمليات هدم ممنهجة. وجاء نازحون من سكان زوطر الشرقية إلى زوطر الغربية، حيث جلسوا على كراس بلاستيكية بيضاء في الساحة الرئيسية التي تطل مباشرة على بلدتهم عبر واد صغير من بساتين الزيتون والأراضي الزراعية.
وقال رجل لرويترز إنه شاهد أنوارا مضاءة في منزله خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، ويتوقع أن تكون القوات الإسرائيلية تزرع عبوات ناسفة لتفجيره.
وتابع قائلا إنه يحاول ألا يجزع لأن كثيرين مروا بالتجربة نفسها، لكن مجرد تذكر شيء واحد من المنزل كفيل بأن يفقده تماسكه.
* المراقبة مستمرة
قال عبد عز الدين رئيس بلدية زوطر الغربية لرويترز إن برنامج “المنطقة التجريبية” لم ينجح، ويرجع ذلك بالأساس إلى استمرار انقطاع الخدمات العامة إلى حد كبير بما في ذلك الكهرباء والمياه الجارية.
وتابع قائلا “يعني مبدئيا لحد الآن فيي أقول.. لا مش ناجحة، لأن إحنا حسب ما كنا موعودين بزوطر الغربية كمنطقة تجريبية إن تكون بلد نموذجية فعلا”.
وعادت نحو 70 عائلة، يعيش معظمها في أجزاء من منازلها لم تتضرر. وبالنسبة للكثيرين، شكل ذلك خيارا أفضل من دفع إيجارات في أماكن أخرى أو العيش في إيواء للنازحين.
وسلم مجلس الجنوب التابع للدولة اللبنانية 16 منزلا جاهزا للأسر التي أصبحت منازلها غير صالحة للسكن. لكن معظم هذه المساكن لا يزال خاليا من السكان لعدم توفر الكهرباء أو المياه.
وبدأ عاملون من الدولة مد خطوط كهرباء، لكنهم اضطروا إلى تمديدها لمسافة أطول نحو محطة جديدة، لأن خط الربط القديم للبلدة كان يمر عبر زوطر الشرقية.
وقال عز الدين “كمان الدرونات (الطائرات المسيرة) ما عم ترحم الناس يعني حتى هلا هون بعد شوي بتشوفوا يمكن بتجي عالساحة العامة لفوق الناس ما عم بتترك حدا بحاله”.
وبالفعل، بعد دقائق قليلة، حلقت طائرة مسيرة صغيرة للمراقبة فوق عز الدين وفريق من صحفيي رويترز، وخفضت ارتفاعها تدريجيا حتى أصبحت على بعد أمتار قليلة فقط فوق رؤوسهم.
وظلت تحوم لبضع دقائق قبل أن تتجه نحو البلدة المحتلة المجاورة.
(إعداد شيرين عبد العزيز للنشرة العربية – تحرير سلمى نجم)