"يجب على الأفلام الوثائقية أن تعالج ما يشغل المجتمعات العربية"

"فهد"، ابن عمة المخرج كريم الصياد ومحور شريطه الوثائقي "ابن عمتي الانجليزي". moduleplus.ch

"الهجرة" من القضايا التي تشغل الشباب العربي، وتشكل موضع جدل في أوروبا. مشاركة لعمل سينمائي يعرض حالة انسانية لمهاجر جزائري يعيش أزمة وجودية بعد سنوات من الغربة في بريطانيا. swissinfo.ch التقت بمخرج الفيلم الجزائري السويسري كريم الصياد وحاورته حول موضوع فيلمه. 

هذا المحتوى تم نشره يوم 29 يناير 2020 - 16:00 يوليو,

تذبذب بين البقاء والعودة

لا يحكي فيلم "ابن عمتي الإنجليزي" الوثائقي قصة واقعية فحسب بل وشخصية تتعلق بفرد من عائلة المخرج نفسه، وهو ابن عمته الذي تربطه معه علاقة خاصّة، والمقيم في المملكة المتحدة منذ عشرين عاما تقريباً. يتناول الشريط واقعه وطريقة حياته هناك وما يجول في خاطره ويمر فيه من أزمات نفسية كمغترب، بالاضافة إلى كيفية تعامل عائلته المقيمة في الجزائر مع ما يعيشه ابنهم المغترب، كما يظهر آراءهم والدور الذي يلعبونه في قراراته، وذلك في خمسة فصول صُورت ما بين الجزائر ومدينة "غريمسبي" الإنجليزية.

المشاركة العربية

عُرِضت العديد من الأفلام التي تعالج قضايا بلدان وثقافات عربية في الدورة الخامسة والخمسين لاحتفالية أيام سولوتورن السينمائي التي دارت فعالياتها من 22 إلى 29 يناير 2020، لعل أهمها: "ابن عمتي الإنجليزي" للمخرج الجزائري السويسري كريم الصياد و"البحث عن أسامة الهبالي" للمخرجة التونسية بثينة بوسلامة، و"فرح"، للمخرجة السويسرية جوليا بونتير.

رُشّح فيلم "ابن عمتي الإنجليزي"  الذي يُعالج قضية هجرة الشبان العرب إلى أوروبا وفيلم "البحث عن أسامة الهبالي"، الذي يعرض قصة "الصديق المُغيّب قسرا"، وهو ناشط سوري كان مصورا يُوثّق الحراك الشعبي في بلاده هناك ضمن 12 شريطا سويسريا في مسابقة المهرجان.

End of insertion

هي رحلة جزائري، بدأ حياته في المهجر وهو لا يملك شيئاً، وصل في يده حقيبة بلاستيكية تحتوي بعض الملابس وفي جيبه خمسين يورو.. وصل وهو لا يملك شهادة جامعية ولا يتقن اللغة الإنجليزية وليست لديه أوراق قانونية للعيش في المملكة المتحدة، فتعلم اللغة واستطاع الحصول على عمل وعلى تصريح إقامة، وتزوج من سيدة بريطانية، عاش معها أربعة عشر عاماً ثمّ انفصل عنها. لكنّ الفيلم لا يتناول هذه الفترة من حياة "فهد" بطل الفيلم، ولكن يركّز على الحاضر، على فترة الحيرة التي يعيشها وقد بلغ الأربعين من العمر، المتسمة بالوحدة والملل والضياع، حيث يسأل فهد نفسه، هل أعود إلى بلدي، أم أبقى أكمل حياتي في المهجر؟ هل أتزوج من امرأة بريطانية من جديد، أم أبحث لي عن زوجة جزائرية؟ وغيرها من الأسئلة التي تقوده إلى التذبذب بين البقاء والعودة.

بحكم معرفته بالشباب والمجتمعات في البلدان العربية، ولأنه يعيش منذ ولادته في مجتمع غربي، فإن كلّ ما يريد المخرج كريم صياد إبلاغه للمشاهدين - بغض النظر عن أصولهم سواء كانت غربية أم عربية - "موجود في أحداث فيلمه"، كما يقول في مقابلته مع swissinfo.ch. في الأثناء، يمكن القول أن أعمال المخرج الشاب تلقى قبولاً جيدا لدى جماهير المهرجانات العربية والغربية على حد سواء. وهو ما ظهر في تفاعل جمهور أيام سولوتورن السينمائية بعد عرض فيلمه "ابن عمتي الإنجليزي" يوم 23 يناير الجاري، حيث لم يقتصر الأمر على التصفيق الحار في نهاية العرض بل تجلى في الاهتمام، الذي ظهر في طرح الأسئلة والاستماع إلى أجوبة المخرج، وتعليقات مقدمة الأفلام على الركح، وكذلك المديح الذي تلقاه الصياد مباشرة من متفرجين أثناء خروجه من القاعة ولدى تناوله وجبة الغداء في مطعم مجاور. 

التقطت هذا الصورة للمخرج خلال أيام سولوتورن السينمائية 2020. كريم الصياد، مخرج جزائري - سويسري وُلد سنة 1984 في مدينة لوزان، لفت الأنظار إليه منذ عام 2015 لدى عرض باكورة أعماله "بابور كازانوفا" في مهرجان لوكارنو الدولي للسينما، الذي تابع من خلاله أطوار الحياة اليومية لشاب يقضي حياته في تشجيع نادي "مولودية الجزائر" لكرة القدم. وبرز كمخرج في فيلم "كباش ورجال" في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة في مهرجان الجونة السينمائي. أما "ابن عمتي الإنجليزي"، فهو آخر أعماله وشارك به في الدورة 55 لأيام سولوتورن السينمائية في يناير 2020. moduleplus.ch

 "الهجرة"

الدافع وراء اختيار الصياد لموضوع فيلمه كان ببساطة "علاقته الخاصة بفهد" بطل الفيلم فهو "يُكنّ له احتراماً كبيراً" يأتي من رحلة كفاحه وقدرته على بناء حياة كريمة في المهجر، رغم كل الصعوبات، يقول "أنا كبرت في سويسرا ودرست ولكن هو كان عليه بمفرده تحدي كل مصاعب الحياة".

ولكن لماذا يختار الشبان العرب الهجرة في نهاية المطاف؟ بالنسبة لصياد هناك سببان، الأول له علاقة بفقر المجتمع وعجزه عن تقديم أبسط متطلبات الحياة لهم، "أستطيع الحديث عن وضع أبناء عمومتي، هم من قرية صغيرة، إذا ما خرجتَ هناك في الساعة الثامنة ليلاً، ليس هناك شيء تفعله، على المستوى الثقافي مثلاً، تريد شراء كتاب، ليس هناك مكتبة، ليس هناك دار للسينما، فتجلس وتشاهد التلفاز أو تتصفح الإنترنت، ليس هناك إمكانية للعمل، وإن كان موجودا، فالإمر يحتاج إلى واسطة، حتى وإن كنت الأفضل في مجال عملك". أمّا الأمر الثاني فهو "رؤية شباب البلدان الأخرى عبر وسائل التواصل الاجتماعية، أو من يزورك من العائلة من المهاجرين وترى طريقة حياتهم وماذا يفعلون ويرتدون، فتتمنى وتحلم بالهجرة أيضاً، لتكون مثلهم".

بالنسبة لكريم الصياد، الهجرة ليست الحل ولكنه يعترف أيضا بأنه ليس هناك بديل. صحيح، أن هناك الحراك الشعبي في الجزائر وهناك قضية التغيير المهمة القائمة هناك، ولكنه يؤكد في الوقت نفسه على أنه "لا يُريد الحديث عن الآخرين"، ويضيف "أنا أعيش هنا، ومثقف ولديّ عمل، ولا أسمح لنفسي بإعطاء النصائح لأحد"، خصوصا وأنه إذا ما بدأت الشرطة أثناء المظاهرات بالفعل بقتل الناس وتعذيبهم ووضعهم في السجن "سأكون في سويسرا، لذلك فمن السهل عليّ أن أقوم بهذا الخطاب".

"يرغبون في مشاهدة أنفسهم على الشاشة"

رغم كلّ شيء، يؤكد المخرج على وجود اهتمام كبير بالسينما والثقافة في البلدان العربية وفي الجزائر على وجه الخصوص، وهي قناعة وصل إليها عن طريق تجربته السينمائية، فقد عرض أفلامه في الجزائر ومصر وغيرها ولاقت قبولا واسعا لدى الجمهور، بل "قام أحدهم بسرقة رابطة فيلمي (بابور كازانوفا) ونشره على موقع يوتيوب بعد عرض الفيلم في الجزائر، وقد حصل على 100 ألف مشاهدة وأثار العديد من التعليقات ومن خلالها ترى الاهتمام جلياً"، كما يقول.

في نهاية المطاف، يرى الصياد أن الأمر يتوقف على الإمكانيات، ويقول: "إذا ما توفرت لهم إمكانية رؤية الأفلام، فهم يذهبون ويشاهدونها، فهم يحتاجون إلى مشاهدة الأفلام وعطشى لمعايشة هذه التجربة وللثقافة بشكل عام"، أما الأمر الثاني وهو الأهم فيتمثل في "رغبتهم في مشاهدة أنفسهم! فهم تعبوا من مشاهدة الآخر في أفلام هوليود وغيرها، والتي تظهر الآخر بأشكاله المثالية، هم يرغبون في مشاهدة واقعهم، شيئاً عن أنفسهم في الأفلام، الشاب من الجزائر يتمنى أن يرى كيف يعيش الشاب مثله في الجزائر، كيف يحبّ، ليس هناك اليوم ما يحاكي هذه الحالة من واقعه، المتوفر هو الأفلام الأمريكية أو المكسيكية، فتشاهدها وتحلم أن تحب مثلهم، ولكن ليس في محيطك ما يشابه محيطه، لا بد من وجود مثال من حضارتك". وهنا يفضل الصياد أن يحترم المرء ثقافته الخاصة وأن يحاكي هذه الثقافة بالأفلام أيضاً. المجتمع يحتاج أن يرى محاكاة لواقعه من خلال الأعمال السينمائية أيضاً ويقول: "يجب على الأفلام الوثائقية أن تعالج ما يشغل المجتمعات العربية".

الأمر سياسي أكثر منه ثقافي

وعلى عكس التوقعات ربما، لقي فيلم الصياد الوثائقي قبولاً من طرف جمهور عربي عُرض عليه في مصر، لكن المشكلة بالنسبة للصياد تظل "سياسية"، فهو يرى أنه ليس هناك اهتمام بالمسألة من طرف أصحاب القرار، فلا وجود لدور سينما بل ليست هناك حريات بشكل عام، ويقول: "على سبيل المثال، عرضت فيلمي هذا في مصر، في القاعة الوحيدة التي تدّعي الاستقلالية، ولكن كل المسؤولين فيها كانوا خائفين من أن أتحدث عن السيسي، هناك أناس من المخابرات يأتون ويشاهدون الأفلام قبل عرضها، ويتدخلون في تفاصيل الفيلم، هذا فيه شيء ضد العسكر، وهذا فيه شيء ضد البلد... ناهيك عن سوريا ولبنان"، بل "هناك أفلام تفوز بأهم جوائز في العالم ولا يُسمح بعرضها في بلادها، خذ مثلاً الفيلم الجزائري "بابيشا"، الذي تم تمويله من طرف الدولة وعُرِض في مهرجان كان السينمائي، ولكنه مُنِع من العرض في الجزائر".

محتويات خارجية

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة