"ليس الدين إنما العادات والتقاليد هي من تلعب الدور الأكبر في الضغط الاجتماعي"  

لقطة من شريط "فرح" للمخرجة السويسرية الشابة جوليا بونتير. moduleplus.ch

ينطبق على قضية الضغط الاجتماعي مقولة "تعددت الاسباب والموت واحد"، فهو على اختلاف اسبابه ومظاهره، من المشاكل التي تعاني منها جميع المجتمعات. من خلال رحلة الزواج في مصر، تتطرق المخرجة السويسرية الصاعدة جوليا بونتير لهذه القضية، عبر مرافقة ثلاث نساء من الخطوبة وصولاً إلى حفلة الزفاف أو لحظة الانفصال.

هذا المحتوى تم نشره يوم 01 فبراير 2020 - 17:00 يوليو,
ثائر السّعدي، سولوتورن

"فرح"، عمل سينمائي عُرض أثناء الدورة الخامسة والخمسين لأيام سولوتورن السينمائية (22 - 29 يناير 2020)، وهو يرسم من خلال توثيق لحظة الزواج المحورية، صورة معاصرة عن المجتمع في القاهرة وعن شبابها، الممزق بين التقاليد الثابتة والرغبة المتزايدة في الوصول إلى الحرية.

من خلال تسليط الضوء على رحلة الزواج، تعالج المخرجة السويسرية أيضاً بعض المشكلات الاجتماعية في البلاد وأوّلها تقسيم الأدوار والمساواة بين الجنسين. swissinfo.ch التقت جوليا بونتير في سولوتورن وأجرت معها الحوار التالي:

swissinfo.ch: لماذا اخترت هذا البلد من أجل تصوير فيلمك؟ ومن أين يأتي هذا الاهتمام بمصر؟

جوليا بونتير: بعد انتهائي من دراسة السينما، قابلت مخرجة سويسرية من أصول مصرية، وعرضت عليّ زيارة مصر، وذلك من أجل العمل على مشروع آخر لم يشاهد النور، عندما وصلت إلى القاهرة، أحببتها كثيراً، يمكنك القول إنّه كان حباً من النظرة الأولى لهذه المدينة الكبيرة والرائعة، والمُتعبة أيضاً من جهة أخرى، ولكن مع ذلك أردت معرفة كيف يعيش الناس هناك، أقصد هنا المصريين أنفسهم.

swissinfo.ch: لماذا تعتقدين أن عرض فيلم "فرح" في سويسرا أمر جيّد؟ ماذا يتعلم الجمهور السويسري عبر مشاهدة هذا الفيلم والتعرف على صعوبات وتحديات القيام بخطوة الزواج والطريقة التي يتم بها بشكل عام؟

جوليا بونتير: لأني أعتقد أن هذا العمل السينمائي يصور الناس العاديين، الذين يعيشون حالة اجتماعية يعيشها الجميع، حالة الرغبة بالزواج، وبالنسبة لي، من المهم إخراج الأفلام من هذا النوع، وليس عن أوضاع خاصة، وعن أشخاص يعيشون أوضاعاً غير عادية، بل عن أشخاص يعيشون حياة عادية ويرغبون بالزواج، وبالنسبة لي، تلك حالة مشتركة، سواء كنت في مصر أم سويسرا، كلنا بشر، نعيش المشاعر والرغبات نفسها، وهذا مهم بالنسبة لي.

ولدت جوليا بونتير، في جنيف عام 1990، ونشأت في كانتون فاليه قبل أن تواصل دراستها في قسم السينما في مدرسة الكانتون في لوزان للفنون. عُرض فيلمها الأول ومشروع تخرّجها "جور جاي" في العديد من المهرجانات الدولية، بما في ذلك مهرجان الأفلام القصيرة في "كليرمون فيران". ثم أخرجت فيلمها الوثائقي القصير "في البيت". وعملت بين 2015 و2019 على إخراج فيلمها الوثائقي الطويل الأول "فرح" والذي عُرض في الدورة 55 لأيام سولوتورن السينمائية (يناير 2020) moduleplus.ch

swissinfo.ch: هل الزواج بالفعل شيء عادي في مصر، هل يتزوج الجميع هناك؟

جوليا بونتير: في الحقيقة لا، على العكس من ذلك، الزواج شيء صعب في مصر، وهذه إحدى الأمور التي أردت من الجمهور السويسري أن يُشاهدها. أردت أن يرى الجمهور ماذا يمثل الزواج بالنسبة للناس هناك، كالاستقلالية مثلاً، أيضاً عن العائلة والانتقال للعيش في البيت الزوجية، ولإظهار شيئ واقعي، مقابل الكليشيهات المنتشرة بيننا، ولتبيان أن الواقع أكثر تعقيداً ممّا يمكننا أن نتخيّله. هناك عناصر أكثر تعقيداً من مجرد قول "هذه هي العادات والتقاليد".. يجب النظر إلى هذه العناصر وطرح الأسئلة حولها.

swissinfo.ch: يُظهر الفيلم أن الزواج يعبّر عن نوع من الحرية، كيف ترين هذه المسألة؟

جوليا بونتير: صحيح، الزواج هو الطريق بالنسبة للكثير من الشباب للوصول إلى حريتهم، ترك المنزل والاستقلال، كما قلتُ مسبقاً، وهو أمر صعب، فهو متصل بشكل مباشر بالاستقلال المادي، وهو ما يُنتج الضغط الذي يعايشه على وجه التحديد الرجال هناك، فهم من يجب عليهم دفع التكاليف والاهتمام بمصاريف تكوين العائلة، من شراء الشقة وتجهيزها وكل ما إلى ذلك، والوضع مختلف في سويسرا.

swissinfo.ch: كم أمضيت من الوقت في مصر؟ وماذا فعلت في تلك الأثناء؟

جوليا بونتير: قضيت ثلاث سنوات هناك، سنة من أجل التصوير وسنتان استغرقت في التجهيزات من أجل البدء بالعمل، وفي البحث عن تمويل للفيلم وما إلى ذلك.

swissinfo.ch: أين عثرت على النساء الثلاث من أجل توثيق قصصهن في عملك؟

جوليا بونتير: بحثت وعثرت عليهن عبر فيسبوك، ولكن بالنسبة للمسيحيين منهن، فقد عثرت عليهن بفضل مخرج مصري صديق، فهم أصدقاء له.

swissinfo.ch: هل عايشت الثورة والوضع السياسي هناك؟ وما رأيك بما شاهدته؟

جوليا بونتير: عندما وصلتُ إلى مصر كانت الثورة قد انتهت، كان ذلك في عام 2015، أما بالنسبة للوضع السياسي، فعندما وصلت كانت البلاد مستقرة سياسياً. 

swissinfo.ch: أليس هناك جانب سياسي في عملك هذا؟ وهل تحدث الناس حولك في الشأن السياسي؟

جوليا بونتير: بالنسبة للفيلم، أود القول بأني لا أريد تناول القضية السياسية، ولكن بالمقابل هناك عنصر سياسي في هذا العمل، فعندما يكون لديك على المستوى الشخصي فكرة أنّه لا بد من شخص واحد يُدير الأسرة، فهذا يعكس الوضع السياسي العام، ففي العلاقة الزوجية هناك صاحب أمر وهناك من يُطيع، بالنسبة لي، الفيلم يتحدث عن السياسة ولكن بطريقة غير مباشرة.

swissinfo.ch: اشتغلت مع الكثير من الأشخاص هناك، كيف تقبلوا طريقتك في العمل؟

جوليا بونتير: لقد تقبّل من اشتغلتُ معهم طريقتي بالعمل بشكل جيّد، بل وُفّقت في مصر، فقد استقبلني الناس هناك بصدر رحب، وكانوا ينظمون الأمور، ويحترمون المواعيد، في بعض الأحيان كان هناك تأخير ما، ولا أخفيك أن هذا كان صعبا، كان يجب أن أتصل لأشدد على أهمية الموعد وأتابع التطورات، ولكن بشكل عام كان العمل مريحا والناس لطفاء.

swissinfo.ch: لقد اخترتِ قضية معقدة كموضوع لفيلمك الوثائقي، وهي العلاقة بين العادات والتقاليد والحرية في مصر. هل سبق لك أن عالجت مثل هذه المواضيع من قبل؟

جوليا بونتير: في الواقع أجل، قضية الضغط الاجتماعي تثير اهتمامي كثيراً، وسبق لي أن قمت بتصوير فيلم كوميدي خيالي (deadline)، يتحدث عن امرأة تعيش أزمة نفسية، وهي على وشك أن تدخل في سن الثلاثين، ولم تصل قط إلى النشوة الجنسية في حياتها، وتبحث بكل السبل لتصل إليها، وهنا يتحدث الفيلم أيضاً عن الضغط الاجتماعي، وإن كان مختلفاً جداً عن فيلم "فرح"، ولكنه يتحدث عن وجوب الحصول على أمور محددة في الحياة، وأن لا نصل إلى مرحلة الملل، لا على الصعيد الوظيفي ولا الجنسي، ولا في أي مجال من المجالات. بالنسبة لي كان هذا العمل في مصر فرصة جيدة، لمعالجة موضوع اهتمامي، حيث أنّ الضغط الاجتماعي في مصر كبير جداً، صحيح أنّه مختلف عما هو عليه في سويسرا، ولكن بالنسبة لي ينصب اهتمامي، في أسئلة مثل، متى تشعر بهذا الضغط؟ ما هو موضوع هذا الضغط؟ هل الضغط نفسه على النساء والرجال على حد سواء؟ بالنسبة للشباب أم لغيرهم؟ أجل، أنا مهتمة بهذه القضية بشكل عام، ولا يقتصر الأمر على مصر.

swissinfo.ch: ما سبب اختيارك للزواج كمحور لعملك السينمائي الذي يُعالج قضية العلاقة بين الرجل والمرأة؟

جوليا بونتير: في هذه الحالة، كان الأمر مصادفة، ولكن الزواج مناسب جداً لقضية فيلمي، فهو يقدم لك عبر طريقه الواضح قصة متماسكة، من التعارف إلى فترة الخطوبة ومن ثم الزواج، من النقطة (ألف) حيث لم تكن متزوجاً إلى النقطة (باء) وقد تزوجت.

swissinfo.ch: هل كان اختيار أطراف العلاقة لتشمل مسلمة ترتدي الحجاب ومسلمة أخرى تقليدية لا ترتديه ومسيحية محض مصادفة، أم تعمدت ذلك؟

جوليا بونتير: لا، لم يكن الأمر مصادفة، حيث أردت أن أظهر تنوع المجتمع المصري، وبالأخص في القاهرة، هناك أوجه متباينة وكثيرة للواقع هناك، يمكن أن يكون المرء تقليدياً وفقيراً أو غنياً، وهكذا أردت أن أظهر هذا التنوع، و أنّه ليس هناك شيء واحد وحسب.

swissinfo.ch: هل هناك أمور مشتركة بين الثقافتين السويسرية والمصرية فيما بتعلق بالمساواة بين الجنسين؟

جوليا بونتير: أجل، هناك أمور نراها في الفيلم تشبه تلك التي نعيشها في سويسرا، مثلاً ما الذي يتعيّن عليك أن ترتدي، أمور لها علاقة بالضغط المجتمعي الذي نعيشه أيضاً في سويسرا، بالنسبة لمصر، أعتقد أن الضغط الاجتماعي والعنف منظم أكثر ونابع من المجتمع، أما في سويسرا فهو يبقى على المستوى الفردي، ولكن ليس بالامكان إنكار وجوده.

swissinfo.ch: هل ترين أن الدين يلعب الدور الأكبر في هذه النوعية من الضغوط؟

جوليا بونتير: لا، وهذا ما أردت التشديد عليه في فيلمي، وعن طرق اختياري لشخصيات الفيلم لتكون من طوائف وأديان مختلفة، ليس الدين إنما العادات والتقاليد، هي من تلعب الدور الأكبر في الضغط الاجتماعي.  

swissinfo.ch: بعد أن عملت لسنوات في تصوير فيلمك في مصر، كيف تقيّمين العلاقة بين الرجال والنساء هناك؟

جوليا بونتير: بالنسبة لهذه العلاقة، كما ذكرت مسبقاً، لا أراها مختلفة عما نعيشه في سويسرا، ولكن في مصر الضغط أكبر والأدوار واضحة أكثر. ولكن الشباب في مصر يأملون بحرية أكبر وبكسر هذا النظام، ليس فقط الفتيات، بل الرجال أيضاً.

swissinfo.ch: هل يُلامس عملكِ هذا المجتمع السويسري أيضا، أم تعتقدين أن الوضع الاجتماعي في سويسرا مختلف جداً ولا وجه للمقارنة؟

جوليا بونتير: ليس بشكل مباشر، ولكن هناك قضية العلاقة بين الرجل والمرأة التي لا تزال حاضرة هنا أيضاً، والضغط الاجتماعي أيضاً، وبالنسبة للزواج فهو موجود في كل مكان. وبالنسبة لي المهم هو أن ينتبه الناس وأن يفكروا بالأمور، وأن لا يقولوا، نحن مختلفون جداً ولا علاقة لنا بهذه القضية. بعد عرض الفيلم، هناك من الناس من يأتي إليّ ويتحدث عن وضعه المماثل، هناك من قالت لي: "الأم في الفيلم هي من تشتري لابنها الثياب الداخلية وتجهز له حقيبة السفر، أنا أعيش الوضع نفسه". وهناك من يقول أيضاً "في سويسرا، لا أستطيع أن أرتدي ما أشاء". حتى مشهد الطبيب الذي يتحدث عن منع الحمل، كمشكلة ويجب اجتنابه، هناك من روى لي أنّه عاش هذه التجربة في الثمانينيات في عيادة طبيب في جنيف، ولذا فإنّ الناس أيضاً في سويسرا يجدون علاقة مع أنفسهم وواقعهم في الفيلم.

swissinfo.ch: أحد قرّائنا وجّه إليك السؤال التالي عبر فيسبوك: ما سبب التكلفة المرتفعة جداً للزواج في مصر؟

جوليا بونتير: أعتقد أنّ السبب يعود بكل بساطة للأزمة الاقتصادية، ولكن أيضاً للالتزامات التي يتوجّب على الرجال القيام بها، كشراء الشقة، ودفع تكاليف الزواج، وغيرها من التكاليف. من ناحية أخرى، هناك حركة تغيير تحصل في المجتمع المصري، حيث بدأت بعض العائلات بقبول أن يعيش أبناءهم في شقق مستأجرة، أو أن يعيشوا مع العائلة. أرى أن الناس يحاولون أن يكونوا مرنين فيما يتعلق بالشقة وببعض المتطلبات الأخرى، أيضاً النساء، يردن الزواج ولا يطالبن بشبكة "الحلي من الذهب" غالية الثمن. لدى العائلات اليوم الجاهزية لتقديم التنازلات المتعلقة بالأمور المادية، لكي يصبح من الممكن إتمام الزواج. 

محتويات خارجية

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة