Navigation

وجهات نظر
جنيف الدولية

أزمة المساعدات: أموال الدول ستذهب إلى مواطنيها

في حين رجح البعض أن الجائحة العالمية ربما من شأنها أن تؤدي إلى تعاون دولي متعدد الأطراف، إلا أن ما حدث هو العكس تماماً. كتب المحلل دانيال فارنر قائلاً إن الأمم المتحدة ستواجه صعوبة في إقناع الدول، بتقديم يد العون لما اعتبره رقماً قياسياً بلغ 235 مليون شخص، ممن سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية في العام المقبل. 

هذا المحتوى تم نشره يوم 23 ديسمبر 2020 - 16:58 يوليو,
دانيال فارنر، كاتب ومحلل سياسي في جنيف

يعتبر موسم الأعياد فرصة لإبداء روح الصداقة والتضامن مع الآخرين؛ كما نهاية العام أيضاً والتي هي فترة واعدة جرت العادة خلالها أن تُجمع التبرعات من قبل المنظمات الخيرية.

مؤخّرا، ناشد مارك لوكوك، منسق الشؤون الإنسانية والإغاثة في حالات الطوارئ في الأمم المتحدة، بتقديم 35 مليار دولار (31 مليار فرنك سويسري) لمساعدة "الفئات الأشد فقراً وضعفاً" في العالم، في عام 2021. وقد تمّ توثيق المبررات التي أثارها لوكوك لشحذ الهمم لتقديم التبرعات، بطريقة جيّدة، ثم جرى عرضها أثناء مناقشة اللمحة العامة عن العمل الإنساني العالميرابط خارجي. وقد وصف الوضع بأنه "يائس"، وأشار إلى ما اعتبره رقماً قياسياً بلغ 235 مليون شخص سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية في عام 2021، أي بزيادة قدرها 40% مقارنةً بعام 2020 الحالي، وذلك نتيجة جائحة كوفيد-19، وكذلك استمرار النزاعات وتدفّق النازحين والتغيّرات والصدمات المناخية. وبحسب التقرير، "ارتفع معدل الفقر المدقع لأول مرة منذ 22 عاماً... وبحلول نهاية عام 2020، قد يصل عدد الأشخاص الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد إلى 270 مليوناً".

وانضم مسؤولون آخرون بالأمم المتحدة إلى نداءاته. ففي رسالة مسجلة بمناسبة إطلاق GHO، حذّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس من أن "الصراعات والتغيرات المناخية وجائحة كوفيد-19، قد خلّفت أكبر تحد للإنسانية منذ الحرب العالمية الثانية ...وفي عام 2020، أثبت النظام الإنساني مرة أخرى جدواه، حيث قدم الغذاء والدواء والمأوى والتعليم وغيرها من الخدمات الضرورية لعشرات الملايين من الناس. ومع أن الأزمة لم تنته بعد، تواجه منظمات المساعدات الإنسانية عجزاً حاداً في ميزانيتها، في الوقت الذي يستمر تفاقم تأثير الوباء العالمي ".

"بحلول نهاية عام 2020، قد يصل عدد الأشخاص الذين يُعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد إلى 270 مليوناً"

اللمحة العامة عن العمل الإنساني العالميرابط خارجي

End of insertion

استمع إلى الحلقة الجديدة من بودكاست "داخل جنيف"رابط خارجي  باللغة الإنجليزية، حيث تتناول المضيفة إيموجين فوكس موضوع التحديات التي تواجه تلبية الاحتياجات الإنسانية في العالم العام المقبل.

ومؤخّراً، وبمناسبة الاحتفالات بيوم حقوق الإنسان، وجهت ميشال باشليت، المفوضة السامية لحقوق الإنسان لدى الأمم المتحدة نداء في بيانها لمد يد العون قائلة: "... تحتاج الدول الأكثر ثراءً إلى مساعدة البلدان الفقيرة على الخروج من هذه الأزمة والتعافي منها بشكل أفضل. إن إصلاح نظام التعددية المتداعي سيكون ضرورياً لإدارة خطط استعادة العافية الاقتصادية. لا شك أن المعالجة لا بد وأن تنطلق أولاً على الصعيد المحلّي، لكن على قادة الدول القوية الاعتراف مرة أخرى بأن عالمنا، وأكثر من أي وقت مضى، لا يمكنه مواجهة التحديات العالمية إلا من خلال التعاون الدولي ".

لا يمكن لأي أحد إنكار الأسباب والظروف التي أدت إلى تفاقم الأزمات الإنسانية؛ فالأرقام بديهية وتتحدّث عن نفسها. كما لا يمكن لأحد أن يتنكّر للدعوة إلى التعاون الدولي للتخفيف من معاناة الفئات الأكثر ضعفاً في 56 دولة. ووفقاً لما ذكره لوكوك، فقد استثمر قادة الدول الغنية داخل البلاد، حوالي 10 تريليون دولار لدرء الانهيار الاقتصادي بسبب الوباء. لماذا لا يهبون لمساعدة أولئك الذين يعيشون في البلدان الأشد فقراً؟

الرد الأول بسيط للغاية. لقد وجّهت الدول كل جهودها إلى الداخل. وفي حين رجح البعض أن الجائحة العالمية ربما من شأنها أن تفسح المجال لتعاون دولي متعدد الأطراف، إلا أنه حدث العكس تماماً. لقد قوضت النزعة القومية لكل بلد أسس التعاون العالمي. حتى منظمة الصحة العالمية، على سبيل المثال، فقدت لصالح أقوى الدول، دورها القيادي الرسمي في مواجهة تفشي الوباء.

ومن الناحية الاقتصادية، فمن الواضح بديهياً أنه يتوجّب التساهل في مطالبة بعض الدول بتقديم المساعدة للدول الأخرى من ميزانياتها المحدودة، وهي بأمس الحاجة إلى جميع مواردها لتحفيز اقتصاداتها. ومع وجود الملايين من العاطلين عن العمل في أغنى البلدان، وخاصة في دول الشمال، سيكون التفريط بهذه الموارد لمساعدة الدول الخارجية على حساب المواطنين، بمثابة الانتحار السياسي، بالنسبة للقادة المنتخبين والمؤتمنين على الموارد القليلة للبلاد.

ما هي التزاماتنا تجاه مواطني الدول الأخرى الأكثر ضعفاً؟ ما هي واجباتنا تجاه من هم خارج حدودنا؟ يطرح ستانلي هوفمان، المتخصص البارز في العلاقات الدولية، هذه القضية تحديداً في كتاب نموذجي بعنوان "واجبات خارج الحدود"، يبحث في حدود وإمكانيات السياسة الأخلاقية.

لم يحاول هوفمان، الذي لم يكن خيالياً واسع النظر أو واقعياً متعنّتاً، إيجاد مسافة بين المصلحة الوطنية الضيقة والالتزامات العالمية، حيث يقول: "... ما لم نزيل الحواجز بيننا، ونتحرك نحو تقبّل القيود والالتزامات الإيجابية خارج حدودنا، فإن العالم سيظل محكوماً عليه بأن يبقى غابة ..."

نُشر الكتاب في عام 1981، قبل وقت طويل من اختفاء مثالية وجرأة باراك أوباما في الأمل وظهور واقعية دونالد ترامب الرجعية "أمريكا أولا ً". لقد انحسرت المساحة المتاحة لسياسة خارجية أخلاقية من قبل الحكومات بسبب الوباء والإنهاك بسبب الأزمة. وهذا الانحسار لا ينطبق فقط على الولايات المتحدة؛ فقد أعلن رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون أنه سوف يدمج وزارة التنمية الدولية (DFID) مع وزارة الخارجية، وبذلك تكون إحدى وكالات الإغاثة الرائدة في العالم قد تحوّلت إلى العمل في المجال السياسي. وسيتم تخفيض ميزانية وزارة التنمية الدولية البريطانية البالغة 15 مليار جنيه إسترليني، أي 0.7% من الناتج المحلي الإجمالي، إلى 0.5%، وسيحوّل فرق النسبة إلى حيث تستدعي الاحتياجات المحلية موارد أكبر.

لقد تسببت الجائحة في صعوبات لا تحصى في جميع أنحاء العالم، فقد أدت إلى تفاقم عدم المساواة في التعاطي مع تبعاتها بشكل جذري. إن مطالبة الدول الأكثر ثراءً بالمساهمة في مساعدة الفئات الأكثر ضعفاً خارج حدودها، في الوقت الذي يعاني مواطنوها أنفسهم من الأزمة، هو مطلب هائل. من ناحية أخرى، في موسم تقديم الهدايا والتضامن مع الآخرين، إذا لم تبادر الدول التي تمتلك الموارد الوفيرة، بمساعدة تلك التي تنقصها الموارد - أينما كانت - فمن يا ترى سيتولى ذلك؟

الآراء الواردة في هذا المقال تخص الكاتب وحده ولا تعكس بالضرورة مواقف وآراء swissinfo.ch

سلسلة "وجهات نظر"

تقوم swissinfo.ch بنشر آراء حول مواضيع مختلفة، سواء حول قضايا سويسرية أو مواضيع لها تأثير على سويسرا. يرمي اختيار المقالات إلى تقديم آراء متنوعة بهدف إثراء النقاش حول القضايا المطروحة. إذا كنت ترغب في اقتراح فكرة لمقال رأي، يُرجى إرسال رسالة إلكترونية إلى arabic@swissinfo.ch

End of insertion
مشاركة