تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

المحافظون الإيرانيون بين فكي كماشة

صورة من بعض التظاهرات الطلابية التي شهدتها بعض الجامعات الإيرانية في الأيام الأخيرة

(Keystone)

احتجّـت إيران رسميا وبشدة في رسالة سلّـمتها يوم الأحد عبر سفارة سويسرا في طهران إلى الولايات المتحدة على "التدخّـلات الأمريكية في شؤونها الداخلية".

ومع استمرار التظاهرات الطلابية للّـيلة السادسة على التوالي، يتصاعد ردّ فعل قوات الأمن وتزداد المخاوف والشكوك.

من وجهة نظر التيار الإيراني الموسوم بـ "المحافظ"، فإن الطلبة الجامعيين، والذين انضموا إليهم في التظاهرات الأخيرة، ليسوا سوى حفنة من عملاء أمريكا المتآمرين على النظام الإسلامي. هذا ما صرح به كبار قادة هذا التيار الذي يمسك بالمفاصل الحيوية للسلطة.

وقد أدى توجيه هذه الاتهامات إلى نتيجتين. الأولى، كانت بمثابة ضوء أخضر للمليشيات المسلحة المعروفة في إيران بـ "ذوي اللباس المدني" وقوامها قوات التعبئة الشعبية "البسيج" المؤيدة للمحافظين التي راح أفرادها يهاجمون المتظاهرين ومراكز السكن الجامعي.

أما النتيجة الثانية، فكانت تسعيـر الغضب لدى الطلبة والأفراد المنضمين إليهم، بل وسريان الاحتجاجات إلى جامعات أخرى في مشهد وكـرج وشيراز. وينذر توسع حركة الاحتجاج بعواقب وخيمة للنظام ككل، الأمر الذي أثار مخاوف عدد من رموز التيارين المتنافسين الملقّـبين بالإصلاحيين والمحافظين.

فمنذ التظاهرات الطلابية الضخمة في إيران في صيف 1999، وجامعة طهران تشهد كل عام احتجاجات محدودة في ذكرى الاضطرابات الأولى، خصوصا وأن الطلبة يرون أن السلطة لم تحاسب المتسببين في تلك الأحداث الذين مارسوا خلالها اعتداءات على الطلبة داخل حرم السكن الجامعي. لكن حجم الاحتجاجات كان محدودا في السنوات الثلاث الماضية، خلافا للاضطرابات الحالية التي اندلعت قبل عدة أيام من ذكرى 9 تموز (أحداث 1999)، وكانت أكثر اتساعا من سابقاتها.

ضغوط أمريكية

ورغم أن الدافع المباشر كان الاعتراض على ما أشيع من نية الحكومة تخصيص التعليم الجامعي ككل، إلا أن انضمام غير الطلبة من باقي القطاعات إلى الاحتجاجات يشير إلى اتساع موجة المعارضة إلى أطراف أخرى على الساحة الداخلية.

هذه الأطراف قد تكون وجدت في الظروف الإقليمية الجديدة التي أفرزها إسقاط واشنطن للنظام العراقي، فرصة مواتية لرفع صوتها من أجل ممارسة المزيد من الضّـغط على الفئة التي تمسك بمفاصل السلطة الرئيسية، وتمنع التيار الإصلاحي من تنفيذ برامجه التي حصل الرئيس محمد خاتمي بموجبها على ثلثي أصوات الناخبين خلال دورتين رئاسيتين، في ظل ما يشكّـله وجود القوة العسكرية الأمريكية على امتداد 1200 كيلومتر من الحدود مع العراق المجاور من ضغط إضافي.

على صعيد آخر، جاء التحرك الأمريكي ضد طهران بأسرع مما توقعه الإيرانيون عموما، حيث بدأت واشنطن بتحريك عدة ملفات ضد السلطة الحاكمة في إيران من خلال توجيه اتهامات تشمل وجود علاقة مع القاعدة، وتطوير أسلحة الدمار الشامل، والسعي للتدخل في الشأن الداخلي العراقي.

وكانت أجواء ما قبل الحرب على العراق قد أشاعت في أوساط المعارضين داخل إيران موجة تفاؤل حيال التغيير المرتقب في بغداد، عـلّ ذلك يدفع المحافظين إلى تخفيف قبضتهم على الوضع العام وسماحهم بإجراء الإصلاحات السياسية. أما الرافضون بشكل مُـطلق للنظام الإسلامي القائم من الأساس، فكانوا يتطلعون إلى تدخل أمريكي مباشر لإسقاط النظام.

وقد تعالت أصوات عديدة من صفوف الإصلاحيين، تطالب بسياسة جديدة تقوم على الانفتاح ووقف الإجراءات القمعية للحريات، خصوصا على صعيد الصحافة والقضاء، بهدف تحصين الجبهة الداخلية وسلب واشنطن فرصة الحصول على ترحيب شعبي، خصوصا بعد ما لوحظ من ترحيب قطاعات من العراقيين بالقوات الأمريكية على اعتبار أنها باتت الوسيلة الوحيدة لتخليصهم من قمع وبطش نظام صدام حسين.

"التفاهـم مع مـن يُـمكِـن التّـفَـاهُـم معه"

وفي ظل إحساس المحافظين بالخطر الأمريكي القادم، كان مفترضا أن يبادروا إلى اتخاذ خطوات تقلص الهوة مع الغالبية الشعبية، إلا أن ما حدث كان مزيدا من التضييق المتذرع بهذا الخطر، حتى باتت المطالب الإصلاحية توضع في خانة التناغم مع الضغوط الأمريكية التي تستهدف الحكم الديني، مثلما عبّـر عن ذلك بوضوح آية الله علي خامنئي مرشد الثورة مؤخرا.

من جانبه، يتصور الشيخ هاشمي رفسنجاني، رجل النظام القوي في كافة مراحله، والذي يتزعم الآن ما بات يُـعرف بالمحافظين الجدد، أن بإمكان هؤلاء تفادي الخطر الأمريكي على النظام من خلال الاتصالات المباشرة وغير العلنية، وذلك من أجل التفاهم على ملفات تهم الجانبين.

ويأتي في مقدمة الملفات، الوضع الداخلي العراقي، وموضوع العلاقة مع منظمات إسلامية، مثل حزب الله اللبناني، ومنظمتي الجهاد وحماس الفلسطينيتين، وقد يستند رفسنجاني في تصوره هذا إلى أن تاريخ السياسة الأمريكية مليء بحالات "التفاهم" وإقامة العلاقات "الودية" مع الأنظمة السياسية، بغض النظر عما إذا كانت ديمقراطية أو دكتاتورية.

ومن على منبر الجمعة قال رفسنجاني: "إن الأفضل للأمريكيين أن يتفاهموا مع من يمكنهم التفاهم معه، لإشاعة الأمن والاستقرار في المنطقة، بدل اعتماد لغة التهديد". لكن الإصلاحيين يدعون إلى حوار علني مع الجانب الأمريكي، ويرون أن خصومهم يسعون إلى إجراء حوار "من خلالهم" فقط، ليتسنى لهم جني نتائجه الإيجابية لصالحهم.

هذا الحوار المطلوب جرى من جانب المحافظين مرارا في الماضي في جنيف برعاية الأمم المتحدة، ولم يُـعلَـن عنه إلا مؤخرا. وتناول في مرحلة أولى الشأن الأفغاني، وحقق نجاحا للجانبين، ثم تطرّق إلى الموضوع العراقي الذي ساده تفاهم بين الجانبين، لكن سرعان ما عادت الإدارة الأمريكية إلى إثارة التوتر مع طهران على خلفية اتهام الإيرانيين بدور مرفوض أمريكيا داخل العراق.

وفي انتظار تطورات الأيام القادمة، يثير الوضع الداخلي لدى بعض الإيرانيين القلق، ولدى البعض الآخر منهم الأمل، خصوصا بعد أن تخلّـى المحتجون عن تحفّـظهم السابق وأطلقوا هتافات قاسية ضد الرئيس محمد خاتمي المتهم بالفشل في تنفيذ وعوده الإصلاحية وبالتراخي في مواجهة المحافظين.

ولعل هذا التطوّر يعني نهاية مرحلة، كان المحافظون الممسكون بدواليب الحكم الرئيسية في طهران يعتبرون وجود الرئيس خاتمي في زعامة التيار الإصلاحي، ضمانة لعدم بلوغ الصراع مرحلة الانفجار الذي لا يرغب به غالبية الإصلاحيين.. أيضا.

سالم مشكور – بيروت


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×