Navigation

بوتفليقة بين تساؤلات الجزائريين وحسابات المستقبل

صورة وزعتها وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية يوم 17 ديسمبر 2005 يظهر فيها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة مع طبيبه الشخصي الدكتور مسعود زيتوني في مقر إقامته في باريس Keystone

للمرة الأولى منذ تسلمه مقاليد عام 1999، تضطر مصالح رئاسة الجمهورية الجزائرية إلى صياغة بيان مقتضب، تؤكد فيه أن عبد العزيز بوتفليقة، قد نُقل على جناح السرعة إلى فرنسا للعلاج من نزيف في المعدة..

هذا المحتوى تم نشره يوم 20 ديسمبر 2005 - 06:00 يوليو,

ومنذ اللحظة الأولى، بدا - على شكل ضمير مستتر - ما تقديره "أن غياب الرئيس سيطول"...

صرح مصدر رسمي لسويس إنفو، "أن الرئيس الجزائري، و منذ بداية عهدته الرئاسية الأولى عام 99، قد تعود على إجراء فحوص روتينية في الخارج، بواقع خمسة إلى ستة فحوصات في العام الواحد، دون أن تُضطر مصالح الرئاسة إلى إبلاغ الرأي العام، الذي يظن حينها أن بوتفليقة في قصر الرئاسة".

ويضيف المصدر الجزائري، أن "بوتفليقة جد حساس، تجاه وضعه الصحي، ويتبعه بشكل جدي للغاية، غير أن النزيف الذي أصابه في المعدة، سببه تهاون بسيط كلفه غاليا، جاء بعد الحملة الانتخابية على الاستفتاء من أجل المصالحة والسلم الشامل قبل شهرين".

وبعيد الخبر المقتضب الذي تلقاه الجزائريون، بشأن صحة الرئيس، لف الموقف غموض عام، سببه أن البلاد لا نائب للرئيس فيها، وأن كل الحسابات المستقبلية، قد بنيت على شخص بوتفليقة، دون سواه.

أما من الناحية القانونية، فإن الدولة الجزائرية، في ورطة دستورية، لأن خلافة الرئيس خلال مرضه لا نص لها في الدستور، وحول هذا الإشكال يقول المحلل السياسي، ناصر الدين سعدي: "التعديل الدستوري القادم، إن كان لابد منه، عليه أن يضيف مادة تتعلق بمرض الرئيس، وكيفية التعامل معها، لأن الفراغ المؤسساتي في حالة مرض بوتفليقة واضحة للعيان".

و يضيف ناصر الدين سعدي، في تصريح خاص لسويس إنفو: "ما يقوم به الآن، أحمد أويحي، رئيس الحكومة، من تسيير لشؤون الدولة، عبر الجهاز التنفيذي، ما هو إلا اجتهاد دستوري، لا مناص منه، وهذه مشكلة وقعت فيها الجزائر عديد المرات، من بينها استقالة الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد عام 91، بسبب الأزمة مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة، فدستوريا لا يمكن لبن جديد أن يستقيل، لأن نص الاستقالة لم يكن موجودا، إلا أن القوم الذين كانوا حوله، أقنعوه بتوقيع ورقة، لا يمكن إيجاد النص الدستوري الذي يدعمها".

طقوس معقدة .. وصمت مثير

أما من الناحية العملية، و بسبب حساسية التطرق لمسألة تعديل الدستور في الجزائر، لا يُنتظر أن يقوم بوتفليقة بتعديل ما، يُدخل مادة تتعلق بنائب الرئيس، وأخرى بمرضه، لأن التعديل الذي كان منتظرا قبل مرضه "المفاجئ" يمس في الأساس صلاحيات موسعة كان يريدها بوتفليقة، والمدة الرئاسية التي أرادها عبد العزيز بلخادم الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني، أكثر من مرتين منصوص عليهما في الدستور الحالي، و مدتهما سبعة أعوام لا خمس كما هو معمول به الآن.

في نفس السياق، قد يجري بوتفليقة، هذا التعديل، بسبب الآثار النفسية عليه، مع أن هذا الاحتمال ضعيف، بالنظر إلى أن اختيار الرؤساء حسب الطقوس المعمول بها لدى أصحاب القرار، منذ استقلال البلاد عام 62 ، قد تختل بوجود نائب للرئيس، يريد التمرد على المؤسسة الحاكمة.

وتُفسر الطقوس المعقدة، الصمت المثير بشأن حالة بوتفليقة الصحية منذ أن دخل يوم 26 نوفمبر الماضي مستشفى فال دو غراس العسكري في العاصمة الفرنسية.

و خلال أكثر من ثلاثة أسابيع، صدر بيان عن رئاسة الجمهورية، وبيانان عن رئيس الحكومة أحمد أويحي، وتصريحات أخرى لا ترقى إلى مستوى البيان، أدلى بها عبد العزيز بلخادم، وزير الدولة والأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني.

لقد تبين خلال الفترة الطويلة، التي قضاها بوتفليقة في المستشفى العسكري الفرنسي، أن الائتلاف الحاكم، قد فهم رسالة الجهات العليا، وأيد أن فكرة تعامل الدولة مع مرض الرئيس إيجابية جدا، و كان هذا موقف التزمت به جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي، و حركة مجتمع السلم، كأحزاب مشكلة للإئتف الحكومي، المؤيد لبوتفليقة دن قيد أو شرط.

دخول اللاعب الفرنسي على الخط

وجاء أول نداء مطالب بكشف الحقيقة حول مرض الرئيس، من قبل عبد الله جاب الله، زعيم حركة الإصلاح الإسلامية، الذي قال في بيان له: "إ الشعب الجزائري من حقه معرفة كل شيء بشأن مرض رئيسه، وإن هذا الحق يكفله القانون، ولا يجب منع الجزائريين من المعلومات بأي شكل من الأشكال".

نفس الموقف، عبرت عنه، السيدة لويزة حنون زعيمة حزب العمال اليساري، التي أكدت: "أن إعلان الحقيقة بشأن مرض الرئيس، ستنهي مسلسل الإشاعات التي راجت في الوسط الشعبي".

إشاعات خطيرة بكل معنى الكلمة، وحسب تقارير أعدتها مصالح الشرطة في مختلف الولايات، يكون الجزائري البسيط في المساجد والمقاهي، مقتنعا تمام القناعة، أن "بوتفليقة ميت أو أنه في طريقه إلى القبر، وأن الجميع صامت يضيع الوقت، بهدف التحضير لرئيس جديد يخلفه".

وقد تزامنت هذه الإشاعات، مع إشاعات أخرى، عن موت وزير الداخلية نور الدين يزيد زرهوني، الذي غاب عن الأنظار لإجراء عملية زرع كلية في أحد مستشفيات فرنسا، غير أن مدة غيابه طالت أكثر من اللزوم برأي الشارع الجزائري، الذي أحس بغياب وزير الداخلية لمدة تزيد عن شهرين.

و كان لرواج الإشاعة وبلوغها حدا هستيريا، أثرا كبيرا على الصحافة الجزائرية، التي انقسمت إلى حكومية تؤيد السياسة الإعلامية المتبعة بشأن الرئيس، و صحافة خاصة تعتبر أن السكوت عن مرض الرئيس، دليل على بقاء الطرق القديمة التي تسير بها شؤون الدولة.

المثير للانتباه، حسب الكثير من المراقبين، هو دخول فرنسا، كلاعب أساسي في الشأن الجزائري، على اعتبار أن رئيس البلاد، يعالج في مستشفى عسكري تابع للمستعمر السابق، رغم أن برلمان فرنسا قد صوت خلال وجود بوتفليقة في باريس ضد اقتراح تقدم به الاشتراكيون الفرنسيون يدعو إلى إلغاء ما يُعرف بقانون 23 فبراير الذي يمجد من خلاله الفرنسيون استعمارهم لدول عربية و إفريقية كثيرة، من بينها الجزائر.

و قد سألت سويس إنفو، عبد العزيز بلخادم، وزير الدولة والأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني، ما إذا كان من الكرامة الوطنية، ترك رئيس الجمهورية، بيد أطباء عسكريين فرنسيين، في حين أن تاريخ الجزائر يهان خلال وجود بوتفليقة في فرنسا؟
فكان رد بلخادم لسويس إنفو:" ينبغي التفريق بين الخلاف السياسي، والعلم، لأنهما مختلفين بشكل تام".

غير أن ما يعتبره بلخادم، مختلفا، اعتبرته صحف مستقلة تكتب بالفرنسية (وتُحسب ضمن الجهات القابلة تلقائيا للثقافة الفرنسية)، كارثة وطنية، مثلما جاء في يومية "الوطن"، التي طالب محللها السياسي بـ "بالعودة الفورية للرئيس بوتفليقة إلى أرض الوطن، ولو كلفه ذلك حياته".

موقف لم تكن لتأبه به، لا الحكومة ولا التيارات السياسية المؤيدة لها، لأن تجارب العشريات الماضية أقامت الدليل على أن تقاليدها في تسيير الأزمات لا تضع في حسبانها ما يقال في الشارع أو في الصحف المستقلة.

وحول هذا الوضع يقول المحلل السياسي، ناصر الدين سعدي: "من الضرورة بمكان، عدم الاعتماد على الحسابات الشعبية وما يقال هنا وهناك، لأن منطق الدولة مختلف عن منطق العامة، والحسابات السياسية تأخذ منحى آخر، كلما وصلنا إلى الذين يديرون شؤون الدولة".

و على هذا الأساس، يكون سكوت المؤسسات عن الحديث عن مرض الرئيس، منطقي بل ومتبع للتقاليد المتبعة في الجزائر، لأن شيئا ما لم يتغير، عدا وجود أناس يصفون هذه التقاليد وينتقدونها، ومع ذلك لا يقدرون على تغييرها وهم في هذه الحالة: "الصحافة المستقلة وأحزاب وزنها قليل داخل معادلة الحكم الجزائرية" على حد قول السيد ناصر الدين سعدي.

بوتفليقة واحد .. واثنان

و ضمن مسلسل الإشاعة والانتقادات والتأييد، طُرحت مسألة خلافة الرئيس، ومسألة عدم قدرته على إكمال عهدته الحالية، وإلغاء احتمال ترؤسه لعهدة ثالثة، تعقب التعديل الدستوري، الذي يمكن القول بشأنه أنه "تأجل إلى موعد غير مسمى".

لم تُطرح مسألة الخلافة، في الصحف، غير أنها طُرحت في الكواليس، و قد تناقل الصحافيون و الدبلوماسيون أسماء من قد سيخلف بوتفليقة، و يُرجح أن يكون هذا الموضوع، مربط الفرس خلال الأشهر المقبلة.

و بعد مرور أكثر من ثلاثة أسابيع، عن اختفاء الرئيس، ظهر بوتفليقة على شاشة التلفاز في نشرة الأخبار المسائية ليوم السبت 17 ديسمبر، شاحب الوجه، بسبب عملية جراحية في المعدة، رفقة طبيبه الخاص، البروفيسور زيتوني.

و فجأة خرجت في شوارع المدن الجزائرية، أفواج من الفرحين والمؤيدين، أظهرهم التلفزيون الحكومي، أكثر من مرة، غير أن نفس هؤلاء الفرحين، لم يظهروا على مدى الأسابيع الثلاثة الماضية للمطالبة بكشف الحقيقة عن مرض رئيسهم.

وفي الظرف الحالي، تنفرد الصحافة الحكومية، برأيها و معلوماتها حيال صحة عبد العزيز بوتفليقة، على اعتبار أن الصحافة الفرنسية، مقتنعة أن بوتفليقة مصاب بمرض عضال، يُرجح أن يكون سرطانا في المعدة يترافق مع عجز كلوي حاد، وهو ما قد يتأكد في الأسابيع القليلة المقبلة، لأن دوائر مقربة من رئاسة الجمهورية أكدت لسويس إنفو: "أن طريقة عمل بوتفليقة – واحد - لن تشبه طريقة عمل بوتفليقة – اثنان- لأن بوتفليقة الأول يعمل بطريقة جنونية، أما بوتفليقة الثاني فسيلتزم بنظام قاس للراحة حفاظا على حياته".

الواقع، أن ما بعد بوتفليقة قد بُدئ في الحديث عنه، غير أنه جاء أبكر مما كان متوقعا، وقد يستلزم هذا التبكير متابعة أكبر للواقع السياسي الجزائري، لأن السياسيين من جيل بوتفليقة، قد أنهكهم المرض، أو كبر السن، ومع أنه لا زال في جعبة "صانعي الرؤساء" خيارات كثيرة، إلا أنهم رجال من غير طينة بوتفليقة..

هيثم رباني - الجزائر

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.