Navigation

حسابات دمشق مع العراق الجديد

وزير الخارجية السوري وليد المعلم (يسار الصورة) ونظيره العراقي هوشيار زيباري في ندوة صحفية مشتركة في بغداد يوم 21 نوفمبر 2006 Keystone

رغم ما تبدو عليه خطوة عودة العلاقات الدبلوماسية بين سوريا والعراق من اختراق سياسي مهم، فإن تأثيرها الكلّـي لا يزال مرتبطا بما يجرى على ساحات أخرى، سواء في واشنطن أو بريطانيا أو تل أبيب، وبالطبع في طهران.

هذا المحتوى تم نشره يوم 03 ديسمبر 2006 - 10:01 يوليو,

فهي التي تمسك الآن بالكثير من عناصر اللعبة الأمنية والسياسة في العراق، ولحسابات إيرانية خاصة جدا، ولكنها قد تضر - وهنا المفارقة الكُـبرى - بحليفها المهم عربيا والموجود في دمشق.

دون عناء في الفكر، يُـمكن للمراقب القول بأن ثمة علاقة وثيقة بين تحرّكات سوريا الأخيرة تُـجاه العراق، وبين ما يجري في واشنطن، كما أن هناك علاقة وثيقة بين جُـمود عملية السلام ومحاولات عزل سوريا، التي قامت بها إدارة الرئيس بوش ولا تزال، وبين الورطة الكبرى التي تعيشها القوات الأمريكية في العراق والفشل الذريع، الذي يتأكّـد يوما بعد آخر، لما يُـعرف بمشروع نشر الديمقراطية الأمريكي في العراق والشرق الأوسط ككل.

فالملفات الكبرى في المنطقة مُـترابطة ومتداخلة على نحو كبير، ومن لا يفهم ذلك أو يحاول أن يتعامل مع كل ملف باعتباره شأنا مستقلا بذاته، يُـحقق الخسارة والفشل لنفسه، ويحقق الخراب وعدم الاستقرار للإقليم ككل، ويزيد من التوترات الموجودة فيه.

هذه النتيجة، التي يبدو أن مجموعة دراسة العراق، التي يرأسها وزير الخارجية الأسبق جيمس بيكر، قد توصّـلت إليها أو تعمل على هديها بهدف تقليل الخسائر التي تُـمنى بها السياسة الأمريكية في المنطقة، تمثل أحد مفاتيح فهم ما جرى مؤخرا، سواء من انفتاح نسبي أوروبي تُـجاه دمشق، تقوده إسبانيا وإيطاليا وشاركت فيه بريطانيا لاحقا، وأيضا قيام وزير الخارجية السوري وليد المعلم بأول زيارة لبغداد في عهدها الجديد، والتي انتهت بإعلان عودة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بعد قطيعة دامت 26 عاما متصلة.

بيئة إقليمية وتنافس تاريخي

وعلينا أن نضيف هنا، أن البيئة الإقليمية والدولية، وإن ساهمت في عودة العلاقات السورية العراقية في هذا التوقيت بالذات، فإن خصوصية علاقة البلدين يمكن أن تفسّـر الكثير من بعض الأمور التي تبدو عصية على الفهم أحيانا.

فكل من سوريا والعراق يَـعتبران نفسيهما في حالة تنافس تاريخي ومستقبلي في آن واحد. وفي هذا السابق، انحصر التنافس حول من يقود حركة بعث الأمة العربية، والآن يتحوّل التنافس إلى من يقود الاستقرار الإقليمي، ومن يحظى بثقة القوى الكبرى ويتفاعل معها من أجل نفسه ومن أجل طموحاته الذاتية بالتنسيق مع من بيدهم القرار أو جزء كبير منه.

من العزل إلى بداية الإدماج

وعلى الرغم من الضغوط، التي تعرضت لها سوريا والتي زادت حدَّتها مع حدوث جريمة اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري في فبراير 2005، والتي أدت في النهاية إلى خروج القوات السورية من لبنان بعد حوالي ثلاثة أشهر من جريمة الاغتيال، فإن سوريا ظلّـت على مواقفها، كما ظلّـت واشنطن على سياستها الرافضة أي تعاون مع دمشق، في الوقت الذي ظل فيه الرئيس بوش يردّد مسؤولية سوريا عن تدهور الأوضاع الأمنية وفشل المشروع الأمريكي في العراق.

وفى الوقت الراهن، تبدو المواقف الأوروبية، التي توافقت مع الضغوط الأمريكية على سوريا وقد تغيّـرت في مُـجملها، إذ تتّـجه السياسة البريطانية إلى فتح حوار مع دمشق باعتبار أن المطلوب الآن، ليس عزل سوريا، وإنما إدماجها في أي عمل يهدف إلى السيطرة على الأوضاع الجارية في العراق، ومنع الحرب الأهلية فيه أن تتفاقم أكثر مما هي عليه الآن، وفتح كوة صغيرة يُـمكن أن تتسع لاحقا في عملية التسوية بين سوريا وإسرائيل.

كما أن الإشارات التي تًـرد من واشنطن بعد فوز الديمقراطيين الكاسح في مجلسي الشيوخ والنواب، وبالرغم من أنها إشارات ضعيفة، ولكنها تعبّـر عن قدر من التحوّل المرتقب في سياسة أمريكا تجاه سوريا في المرحلة المقبلة.

مجمل القول هنا أن التغير الذي لحق بالسياسة الأمريكية والبريطانية جعل الهدف، ليس تغيير النظام في سوريا كما طرح قبل عامين ونصف، على غرار ما جرى في العراق، وإنما مجرّد تغيير سلوك النظام السوري إزاء عدد من الملفات الساخنة في المنطقة، وفي مقدمتها العراق وفلسطين.

من عناصر التحليل السوري

وهنا، يطرح السوريون تحليلهم للأمر من زاوية أن هذا التغيير الأمريكي، الذي لم يتأكّـد بعدُ كسياسة واضحة المعالم، يعود في الأساس إلى الانتصار الاستراتيجي الذي حققه حزب الله في المواجهة مع أقوى جيوش المنطقة أثناء العدوان الإسرائيلي على لبنان في الصيف الماضي، وهو العدوان الذي قامت واشنطن ولندن بتغطيته، سياسيا ودبلوماسيا، بُـغية أن يحقق انتصارا مُـدويا، ولكنه لم يستطع رغم فارق القوة العسكرية الهائل مع حزب الله.

ويضيف السوريون عاملا آخر، وهو الفشل الذريع الذي حققه الأمريكيون في العراق، حيث يبحثون الآن عن مخرج من هذه الورطة الكبرى التي تذكرهم بالخيبة والهزيمة المنكرة في حرب فيتنام قبل 30 عاما.

غير أن المحلل المنصف، عليه أن يُـضيف أيضا أن تدهور الوضع الأمني على النحو الذي يَـعيث فسادا في العراق الآن، والذي يُـنذر بحرب أهلية طائفية ضروس ويكشف عن تدخلات إيرانية غير مسبوقة، بهدف إذكاء التوتر الطائفي في كل العراق، قد بات يشكّـل أزمة لسوريا نفسها، فإن حدثت الحرب الأهلية الموسعة في العراق فسوف تمتد لا محالة إلى داخل سوريا نفسها، وهو ما عبّـر عنه وزير الخارجية السوري عند زيارته الأخيرة إلى بغداد، بأن أمن العراق هو أمن سوريا، وأن بلاده تؤيّـد بشكل تام العملية السياسية والحكومة العراقية وجهود المصالحة الوطنية، وهكذا اجتمعت عوامل عدّة دفعت بسوريا أيضا أن تُـعيد النظر في سياستها تُـجاه العراق وتُـجاه الحكومة العراقية وتُـجاه مجمل العملية السياسية الجارية هناك.

من شروط بشار الأسد

لكن الموقف السوري على هذا النحو، لا يعني أنه بلا شروط، فمن جانب، هناك مطلب سوري بأن يكون هناك جدول زمني لانسحاب القوات الأجنبية من العراق، لأن ذلك يسهّـل عملية المصالحة الوطنية ويساعد قوى المقاومة العراقية، التي تساندها دمشق سياسيا وربما عسكريا أيضا، أن تنخرط في مجمل العملية السياسية.

ومما هو منسوب إلى الرئيس السوري بشار الأسد في حواراته مع المبعوثين الأوروبيين، الذين زاروا دمشق مؤخرا، أن أي تعاون ستًـقدم عليه سوريا في الملف العراقي أو الفلسطيني، لابد أن يكون له ثمن متعلّـق بعودة الجولان المحتل، وأن كل خطوة ستقوم بها سوريا لابد أن تقابلها خطوة أمريكية أوروبية واضحة وليست غامضة أو مجرد وعود غير محدّدة المعالم، كالتي اعتاد عليها الغرب في خداع العرب تاريخيا.

بهذا المعنى، يمكن الاستنتاج بأن سوريا ترى أن الوضع الإقليمي الآن، في ضوء تعثر المشروع الأمريكي في العراق وأزمة إسرائيل الكبرى بعد خيبتها العسكرية في لبنان وفشلها الذريع في قهر إرادة الشعب الفلسطيني فى المقاومة، وتعقّـد الموقف في لبنان دون أن تكون مسؤولة عنه بأي درجة، على الأقل من وجهة نظرها، يثبت صحة رؤيتها في ضرورة البحث في الملفات بصورة صفقة شاملة، كما يؤكد أن دورها الإقليمي بات مطلوبا لأسباب، سياسية واستراتيجية وجغرافية.

الرد من بغداد.. بعض الشروط

لكن هذه النظرة السورية ليست مقبولة تماما من بغداد. فبالرغم من أن عودة العلاقات الدبلوماسية والتعامل بقوة مع الحكومة العراقية يمثل انتصارا للعراق الجديد، لكن هناك مطالب عراقية لم تجد حلاّ بعد، من بينها أن تسلم دمشق عراقيين محسوبين على البعث الصدّامي ومحسوبين على منظمات المقاومة وموجودين لديها، وأن تسوّى مشكلة الأموال العراقية في البنوك السورية، وأن تقوم بجهد إضافي لضبط الحدود العراقية السورية ومنع تسلّـل، ما يعتبره العراق عناصر إرهابية، وهي مطالب تراها دمشق مبالغا فيها، ويمكن البحث فيها عبر القنوات الدبلوماسية، مع التأكيد على أن المصلحة السورية الأولى الآن هي أمن العراق ومنع حرب أهلية فيه.

وبغض النظر عن هذه الصعوبات، فمن المؤكّـد أن عودة العلاقات بين بغداد ودمشق، تمثل خُـطوة مهمّـة لضبط بعض التحركات داخل العراق نفسه، ولكنها لن تؤتي ثمارها إلا إذا كانت هناك رؤية أمريكية أوروبية جديدة لدور سوريا في المنطقة، على أن تراعي قدرات دمشق من جانب، ومطالبها المشروعة من جانب ثان، لاسيما تحرير الجولان عبر المفاوضات ومنع إسرائيل من الإقدام على حرب إقليمية يتم الترويج لها بين أوساط العسكريين الإسرائيليين المهزومين أمام حزب الله اللبناني، والساعين إلى ردّ اعتبار عبْـر حرب جديدة في المستقبل القريب.

وقبل كل ذلك، أن يكون هناك تفاهم سوري إيراني حول مستقبل العراق، بعد جلاء القوات الأجنبية، يدعمه تفاهم إيراني أمريكي حول النقطة نفسها. فبدون وضوح موقف مما تفعله إيران في العراق، يصبح كل شيء معرّض للتآكُـل.

د. حسن ابوطالب - القاهرة

العلاقات بين سوريا والعراق (تسلسل زمني)

10 أكتوبر 1980: نظام صدام حسين يقطع علاقاته الدبلوماسية مع دمشق احتجاجا على تسليم سورية أسلحة إلى إيران، التي كانت تخوض حربا ضد العراق.
8 أبريل 1982: السلطات السورية تغلق الحدود مع العراق وأنبوب النفط بين كركوك وبانياس، وتحرم العراق بذلك من مصبه على البحر المتوسط.
2 يونيو 1997: إعادة فتح مركز التنف الحدودي لرجال الأعمال من البلدين.
8 يونيو: توقيع أول الاتفاقات التجارية بين البلدين في بغداد.
13 يونيو: أول زيارة منذ 1982 لوفد اقتصادي عراقي لسورية.
1 أغسطس: الأمم المتحدة تسمح للعراق باستيراد بضائع عبر الحدود مع سورية.
1 نوفمبر: سوريا تشارك، للمرة الأولى، في معرض بغداد الدولي منذ 17 عاما.
21 نوفمبر: زيارة نائب رئيس الوزراء العراقي طارق عزيز لدمشق للمرة الأولى منذ عشرين عاما.
14 أبريل 1998: بطريرك السريان الأرثودكس (طائفة مسيحية سورية) اغناطيوس زكا عيواص، يزور العراق للمرة الأولى منذ 16 عاما.
20 أغسطس: توقيع مشروع اتفاق لإعادة تأهيل أنبوب النفط العراقي السوري المتوقف منذ 16 عاما.
13 سبتمبر إعادة افتتاح المركز التجاري السوري في بغداد بعد إقفال استمر 18 عاما.
22 فبراير 2000: وزير الري العراقي محمود دياب الأحمد يطالب باتفاق ثلاثي تركي ـ سوري ـ عراقي لوضع تقاسم «عادل ومنطقي» للثروات المائية المشتركة بين الدول الثلاث.
1 يوليو: بشار الأسد يلتقي في دمشق وزير الخارجية العراقي محمد سعيد الصحاف ويبحث معه في القضايا العربية والعلاقات الثنائية.
5 أغسطس: تشكيل لجنة مشتركة للتعاون الاقتصادي للمرة الأولى منذ قطع العلاقات.
11 أغسطس: إعادة افتتاح خط السكة الحديدية بين الموصل وحلب، المقفل منذ عام 1981.
30 أكتوبر: العراق وسوريا يتفقان على إعادة تشغيل أنبوب النفط بين البلدين في نوفمبر.
31 يناير 2001: اتفاق على إنشاء منطقة للتبادل الحر بين البلدين.
19 مايو: سوريا تفتح مكتبا لمصالحها في بغداد بعد سنة من افتتاح ممثلية عراقية على المستوى نفسه في دمشق.
3 يوليو:: السماح بتنقل الأفراد بين العراق وسوريا للمرة الأولى منذ عشرين عاما.
11 أغسطس: رئيس الوزراء السوري مصطفى ميرو يزور بغداد، في أول زيارة على هذا المستوى منذ أكثر من عشرين عاما.
20 نوفمبر: الأسد يستقبل في دمشق الزعيم الكردي العراقي مسعود برزاني ويبحث معه في "أهمية الحفاظ على وحدة العراق".
11 يناير 2003: فاروق الشرع يُـجدد رفض بلاده لأي تدخل عسكري أمريكي في العراق «مهما كانت الدوافع».
22 مارس: الجبهة الوطنية التقدمية، أعلى هيئة حاكمة في سورية، تدين «الاعتداء الهمجي» على العراق وتدعو إلى وقف فوري للحرب.
10 أبريل: بعد سقوط صدام حسين، دعت دمشق المجتمع الدولي إلى إفساح المجال أمام الشعب العراقي لاختيار قادته بحُـرية، وطالبت بإنهاء الاحتلال.
2 سبتمبر: وزير الخارجية السوري يُـعلن أن بلاده مستعدة للتعاون مع أول حكومة عراقية تشكل في مرحلة ما بعد صدام.
23 و24 يوليو 2004: رئيس الحكومة العراقية المؤقتة أياد علاوي يزور دمشق. سوريا والعراق يؤكدان «أهمية إعادة العلاقات الدبلوماسية بأسرع وقت ممكن» وتشكلان لجنة أمنية مشتركة لمراقبة الحدود الممتدة على طول ست مائة كلم.
18 سبتمبر: شركة الطيران العراقية الوطنية تقوم بأول رحلة جوية إلى دمشق منذ 24 عاما.
16 سبتمبر: سوريا تنفي أي تدخل لها في شؤون العراق، ردا على الاتهامات الأمريكية والعراقية لها في هذا السياق.
31 مايو 2005: وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري يقول: إن سوريا هي "إحدى الطرق الرئيسية التي يسلكها الإرهابيون الأجانب".
23 يونيو: الشرع يؤكد أن سوريا مستعدة «لفتح صفحة جديدة» مع العراق.
17 سبتمبر: واشنطن تهدّد دمشق بتحرك دولي إذا لم تمنع الإسلاميين من استخدام أراضيها كقاعدة انطلاق.
3 أغسطس 2006: رئيس البرلمان العراقي محمود المشهداني، ورئيس الوزراء السوري محمد ناجي عطري يبحثان ضرورة إعادة تفعيل الاتفاقات الثنائية.
12 نوفمبر: وزير الخارجية السوري وليد المعلم يعلن أن بلاده جاهزة لبدء «حوار» مع الولايات المتحدة حول استقرار العراق. ويوم 17 من الشهر نفسه، دعت لندن سوريا وإيران إلى المساهمة في مساعي التوصل إلى السلام في الشرق الأوسط.
21 نوفمبر: العراق وسوريا يعلنان إعادة العلاقات الدبلوماسية بمناسبة زيارة وليد المعلم إلى بغداد. وهي أول زيارة لوزير خارجية سوري إلى العراق منذ سقوط نظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين.

(المصدر: موقع الطريق العراقي www.iraqcp.org)

End of insertion

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.