تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

ما بين الضرورات الأمنية والضوابط القانونية

السيد يورغ بوهلر رئيس قسم العمليات في دائرة امن الدولة السويسرية

(Keystone)

تعيش سويسرا على غرار العديد من بلدان العالم تداعيات مرحلة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر – أيلول. ويبدو أن جدلا مكتوما قد اندلع بعد حول العديد من المسلمات والبديهيات السابقة بين المسؤولين الأمنيين والمكلفين بملفات اللاجئين القادمين من بلدان عربية وإسلامية.

تثير القوائم التي تنشرها الادارة الأمريكية تباعا متضمنة أسماء عشرات الأشخاص والمنظمات والحركات والمؤسسات المالية والشركات تتهمهم واشنطن بعلاقة ما مع الارهاب العديد من الاشكاليات القانونية والأمنية وحتى السياسية في سويسرا وخارجها.

فقد اضطرت السلطات السويسرية في الأسبوع الماضي إلى تجميد حسابات منظمة ندا للإدارة (التقوى سابقا) التي يوجد مقرها في لوغانو جنوب البلاد وفتح تحقيق قضائي مع المسؤولين عنها إثر ورود اسمها وأسماء أعضاء هيئة إدارتها في القائمة التي أعلن عنها الرئيس جورج بوش بنفسه يوم الاربعاء الماضي.

وعلى الرغم من تكذيب الدكتور محمد منصور رئيس مجلس إدارة منظمة ندا للإدارة القاطع لوجود أية علاقة مع أسامة بن لادن أو تنظيم القاعدة أو أي منظمة إرهابية، وعلى الرغم من صدور بعض التساؤلات المحدودة عن بعض الأوساط الاعلامية والقانونية والسياسية حول مضمون الأدلة الأمريكية المزعومة وصلابتها إلا أن جدلا حقيقيا انطلق بعدُ حول العديد من القضايا المرتبطة بوجود أجانب وخاصة الوافدين من بلدان عربية وإسلامية في سويسرا.

فقد نشرت صحيفة سونتاغس زايتونغ الأسبوعية يوم الأحد 11 نوفمبر مقالا أكدت فيه وجود خلاف في الرؤى بين المسؤولين عن الأمن الداخلي والمكتب الفيدرالي لشؤون اللاجئين حول كيفية دراسة ملفات طالي اللجوء من الاسلاميين، وهو خلاف ليس بالجديد لكنه قد يتخذ في المرحلة القادمة أبعادا جديدا على خلفية ما حدث في نيويورك وواشنطن في شهر سبتمبر الماضي.

المقال الذي حمل عنوان "اللجوء للإسلاميين في سويسرا" بدأ بتوجيه اتهام مباشر يزعم أن "المسلمين المتطرفين يجدون ملاذا في سويسرا ويحصلون أيضا على اللجوء السياسي فيها". ويستند كاتب المقال في اتهامه هذا على تصريح للسيد يورغ بوهلر، رئيس قسم العمليات في دائرة أمن الدولة السويسري، بأن لجنة الاستئناف للاجئين، وهي جهة قضائية لها القول الفصل في طلبات اللجوء عند اختلاف الجهات التنفيذية بشأنها، منحت اللجوء لإسلاميين ضاربة عرض الحائط باعتراضات وشكوك أمن الدولة السويسري.

السيد بوهلر كرر في حديث أجراه مع سويس إنفو، إشارة محددة بدت غريبة للمراقبين إلى بعض هذه الأطراف ومن بينها حركة النهضة التونسية، وأعضائها المتحصلين على اللجوء في سويسرا. فالصحيفة تزعم أن الحركة، المحظورة في تونس، لديها ذراع مسلح، وإنه بالرغم من عدم ثبوت وجود علاقة بينها وبين منظمة القاعدة ورئيسها إسامة بن لادن، فإن المؤكد، حسب قول سونتاغس زايتونغ، أن "أعضاءً فيها شاركوا في عمليات إرهابية في فرنسا"، وقالت الصحيفة إن السيد راشد الغنوشي رئيس الحركة المقيم في لندن، رغم نأيه "المتأخر" بمنظمته عن هجمات الحادي عشر من سبتمبر الإرهابية، فإنه أبدى في الوقت ذاته "تفهمه" لدوافعها.

اتهامات غير مثبتة

اتهامات الصحيفة بشأن حركة النهضة غير مسبوقة بل مثيرة للاستغراب والتعجب لاسيما في صفوف العارفين بالحركات الإسلامية السياسية في العالمين العربي والاسلامي. فحركة النهضة كما تشير أدبياتها الفكرية والدراسات المنشورة عنها وممارساتها على أرض الواقع، لا تنبذ فقط فكرة العنف كسبيل للتغيير، بل تنادي بالحوار مع التيارات والأحزاب السياسية المختلفة، وتصر عليه حتى لو اختلفت معها في جوهر مضامينها الفكرية، حسب تأكيد قادتها. لذا جاء تأكيد المقال على تورط الحركة في عمليات إرهابية في فرنسا مثيرا للتساؤل والاستغراب.

والأهم من ذلك، أن القول بان للحركة ذراع عسكري لا تؤيده معطيات الواقع. يقول السيد الأزهر مقداد القيادي في حركة النهضة والمقيم في سويسرا، في حديث أدلى به إلى سويس إنفو " غريب أن نتحدث عن الجناح العسكري لحركة النهضة بعد عشرين سنة من المحاكمات للنظام التونسي للحركة، الذي لم يستطع أن يثبت أي ممارسة للعنف من طرف الحركة، ليس فقط وجود جناح عسكري لها، بل أي ممارسة للعنف. كما أن منظمات دولية، ومنها منظمة العفو الدولية، كلها شاهدة على انه لم يكن لها لا جناح عسكري ولا ممارسة عنف".

الشيء المؤكد في كل هذا أن كاتب المقال، السيد هوبيرت مووسر، لم يتحر بعض المعلومات التي أوردها فيما كتبه. فعدا عن قصة الجناح العسكري للحركة، المذكورة أعلاه، فإن السيد راشد الغنوشي رئيس الحركة، لم يرد "متأخرا" على أحداث الحادي عشر من سبتمبر الإرهابية، كما أنه لم "يتفهم دوافع" مرتكبيها. فالحركة كانت من أولى الحركات الإسلامية التي أصدرت بيانا، حصلت سويس إنفو على نسخة منه، موقعا من رئيسها وبتاريخ يوم الحادي عشر من سبتمبر، أي في نفس اليوم الذي وقعت فيه الأحداث، أدانت فيه وبدون أي تحفظ تلك الهجمات الإرهابية "المتوحشة" التي اعتبرتها غير متماشية مع تعاليم الإسلام الحنيف.

وفيما يخشى العديد من أفراد الجالية العربية والاسلامية، وخاصة المعارضون منهم لحكومات بلدانهم المتحصلون على اللجوء السياسي في سويسرا، من أن تؤدي تفاعلات الاحداث الأخيرة إلى موجة من الشكوك والمضايقات غير المبررة، يؤكد الدكتور مراد دهينة أحد القياديين في الجبهة الاسلامية للإنقاذ والمقيم في جنيف منذ عدة أعوام ، أنه " من حسن الحظ أن برن لا تلقي بالا للإتهامات الواردة من الجزائر"، التي أرسلت مؤخرا إلى الحكومة الفيدرالية نسخة من نفس القائمة التي قدمتها إلى واشنطن في إطار التعاون الدولي للقضاء على الارهاب.

قد يكون هذا الكلام صحيحا في مجمله، فسويسرا تظل بلد قانون ومؤسسات قضائية مستقلة، لكن من غير المستبعد أن تعمل بعض البلدان من أجل استغلال الأوضاع الجديدة للتخلص من إزعاج معارضيها بشكل أو بآخر. كما أن آذان المسؤولين الأمنيين في العواصم الغربية قد تكون الآن أكثر إصغاء لتعليلات وحجج كانوا لا يلقون إليها بالا في السابق.

ففي رد على سؤال لسويس إنفو عما إذا كان يعتبر أعضاء حركة النهضة التونسية المقيمين في سويسرا مجموعة متطرفة قد تمثل خطرا على أمن سويسرا، قال السيد بوهلر :" بصفة عامة، نعم. نحن هنا لا نتحدث عن أشخاص أو على الصعيد الفردي، ولكن النهضة بصفة عامة هي منظمة متطرفة لها صلات بوجهات نظر إسلامية متطرفة، وأحيانا أيضا لنشاطات إرهابية".

ولا يعتقد المسؤول السويسري أن اتهاماته ناجمة عن الحجم المهول للهجمات الإرهابية التي تعرضت لها الولايات المتحدة والتي تحولت معها أي جماعة إسلامية لها أهداف سياسية إلى منظمة إرهابية محتملة بل يذكر بأن " النهضة متابعة من قبل سلطات أمن الدولة السويسرية منذ عدة سنوات، وهي أيضا مذكورة في تقارير أمن الدولة" ويضيف: " لا أعتقد أننا نميل إلى المبالغة في سويسرا، لا على صعيد ممارستنا اليومية العملية ولا على الصعيد القضائي المعمول به حاليا".

لجنة الاستئناف لا علم لها... والحركة تستغرب

ولكن، ألا يبدو من المستغرب أن تختار لجنة استئناف اللاجئين الوقوف إلى جانب طالبي اللجوء الإسلاميين ما داموا يشكلون خطرا على أمن الدولة؟ يتفادى السيد بوهلر في رده هنا انتقاد اللجنة القضائية مباشرة، فهي حرة في الكيفية التي تتخذ فيها قراراتها، كما يقول. غير أنه يشرح في موضع أخر، أن اللجنة اعتمدت في اتخاذها لبعض قراراتها على شهادات إثبات، موقعة من رئيس حركة النهضة، تشير إلى عضوية طالبي اللجوء في المنظمة. هذه الشهادات كان لها تأثير حاسم على قرار اللجنة،كما يقول السيد بوهلر، التي اعتبرت أن "إعادة هؤلاء الأشخاص إلى بلدهم قد يمثل خطرا عليهم، ولذلك تم منحهم اللجوء. وهذا هو أحد الأسباب التي تفسر لماذا يتواجد لدينا في سويسرا متطرفون وربما أيضا شبكات" حسب تعبيره.


"نحن لا علم لدينا بمثل هذه الحالات"، هكذا رد السيد والتر لانج رئيس سكرتارية رئاسة لجنة الاستئناف للاجئين عندما طلبت منه سويس إنفو أن يعقب على ما أورده السيد بوهلر من أن اللجنة منحت اللجوء السياسي لمسلمين متطرفين بالرغم من اعتراضات سلطات أمن الدولة السويسرية. ويضيف السيد لانج "ربما اتضح في وقت لاحق أن شخصا محددا ينتمي لمثل هذه المنظمات، ولكن عندما اتخذنا القرار بشأنه لم يكن لدينا أي علم بذلك، أو لم يكن هناك من الدلائل أو المؤشرات التي تؤدي لمثل هذا الاستنتاج".

أما أعضاء حركة النهضة المقيمين في سويسرا فإنهم يرفضون الاتهامات الموجهة إلى حركتهم جملة وتفصيلا. فقد أعرب بيان أرسل إلى سويس إنفو بتاريخ الثالث عشر من نوفمبر وبتوقيع من الأزهر مقداد، القيادي في حركة النهضة، عن دهشتهم لما نشر في أسبوعية السونتاغس زايتونغ ومما جاء في تصريحات السيد بوهلر التي اعتبرها نشازا في الموقف السويسري ومن لاجئي حركة النهضة.

ويقول السيد مقداد: لقد مر على وجودنا كلاجئين في هذا البلد قرابة العشر سنوات أخذت السلطات السويسرية فيها وقتا طويلا في دراسة ملفات اللجوء المقدمة من طرف أعضاء حركة النهضة والمتعاطفين معها مما جعلها تقتنع بجدية هذه الملفات وعدم تورط الحركة في أي تهمة عنف أو إرهاب". ويضيف بأن ممثلين عن الحركة سيحاولون مقابلة السيد يورغ بوهلر ومحاورته من أجل الرد على هذه الاتهامات - التي قد تكون مبنية على " معطيات خاطئة وصلت لديه" حسب قوله.

وفي انتظار ما سيسفر عنه هذا الحوار – إن تم – يحتمل أن تدفع الاعتبارات الأمنية والمخاوف من حدوث أي تجاوزات تمس بالأمن الداخلي السويسري إضافة إلى الضغوط الأمريكية المتصاعدة، العديد من الجهات إلى مراجعة أسلوب تعاملها مع الكثير من الملفات. وفي هذا السياق يبرز ملف اللاجئين المنتمين إلى حركات معارضة ذات توجهات إسلامية في بلدان عربية وإسلامية محورا للخلاف بين المتمسكين بضرورة احترام القانون والمعاهدات الدولية الضامنة لحقوق الانسان وبين الداعين إلى تقديم الاعتبارات الأمنية على أي شيء آخر.

هذه المراجعة ستكون ضرورية بلا شك. لكن التقاليد الانسانية العريقة للكونفيدرالية وقواعد الديموقراطية المباشرة الراسخة في سويسرا ستكون ، في نظر خبراء القانون وعديد المراقبين، صمام الأمان الرئيسي ضد أي تجاوزات أو مبالغات قد تحدث في مثل هذه الأوضاع المتوترة والاستثنائية.

سويس إنفو

Neuer Inhalt

Horizontal Line


subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

swissinfo en arabic en Facebook

دعوة للإشتراك في صفحتنا بالعربية على فايسبوك

تفضّلوا بالإنضمام إلى صفحتنا العربية على فايسبوك

×