متطوعون أميركيون وسائقون من العشائر قرب خط الجبهة ضد الجهاديين في شرق سوريا
قرب خطوط الجبهة الأخيرة ضد تنظيم الدولة الاسلامية في شرق سوريا، تغيب المنظمات الإنسانية الدولية التي تشرف على اخلاء الفارين من المعارك فيما يحضر متطوعون أميركيون وسائقون محليون يتولون نقلهم إلى بر الأمان.
وتخوض قوات سوريا الديموقراطية بدعم من التحالف الدولي بقيادة أميركية منذ أيلول/سبتمبر هجوماً ضد الجيب الأخير للتنظيم في ريف دير الزور الشرقي. ودفعت العمليات العسكرية منذ مطلع كانون الأول/ديسمبر نحو أربعين ألفاً إلى الخروج من هذا الجيب غالبيتهم من النساء والأطفال.
في منطقة الفرز قرب بلدة الباغوز التي يتحصن التنظيم في جزء منها، ينشط 25 متطوعاً في مجموعة “فري بورما راينجرز”، غالبية أعضائها أميركيون، في تقديم المساعدة الطبية بإشراف الأميركي دايفيد يوبنك (57 عاماً)، للواصلين إلى مواقع قوات سوريا الديموقراطية. ويقيم الفريق على تلة تشرف على بلدة الباغوز.
ويقول يوبنك، الذي تنشط زوجته وأولاده الثلاثة في عداد المتطوعين، لوكالة فرانس برس “نحن غير مؤهلين للتواجد هنا. سألت الله ماذا سأفعل هنا؟”.
ويضيف الرجل وهو يرتدي زياً عسكرياً وقبعة صيد ويضع مسدساً على خصره “شعرت أن الله يقول لي +تخلى عما تقوم به وتعال فقط للمساعدة+”.
على بعد عشرات الأمتار، كانت مجموعة من أكثر من عشرين شخصاً بينهم نساء وأطفال تقترب من مكان وجود المتطوعين وهي تسلك طريقاً وعرة. يسارع يوبنك ومتطوع آخر الى ملاقاتهم ومساعدتهم على نقل الحقائب التي حملتها النساء والأطفال.
– “أرسلنا الله إلى هنا” –
فور وصولهم، يبادر أحد المتطوعين الملتحين إلى معاينة طفل هزيل البنية، مصاب بجرح في صدره، ويصرخ بالانكليزية طالباً من زملائه مضادات حيوية بينما يتسمر الطفل أمامه في حالة ارتباك.
وأسس يوبنك مجموعة المتطوعين هذه في بورما في العام 1997 مستنداً إلى كلام مستمد من الانجيل عن “تبشير المساكين” والمطالبة “بإطلاق المأسورين”.
وبعد سيطرة تنظيم الدولة الاسلامية على مناطق واسعة في سوريا والعراق المجاور في العام 2014، وسّعت المجموعة نشاطها ليشمل العراق. وتحول يوبنك مع عائلته نجوماً في العراق، خصوصاً بعد انقاذهم فتاة عراقية من بين نيران المعارك إثر مقتل أمها في مدينة الموصل، التي شكلت عاصمة “الخلافة” التي أعلنها التنظيم آنذاك.
تستغل ساهالي (18 عاماً)، ابنة يوبنك الكبرى، الهدوء في فترة ما بعد الظهر لدراسة اللغة التايلاندية في ظلال ناقلة جنود مدرعة.
ولدى سؤالها عما دفعها وعائلتها للقدوم إلى سوريا، تجيب الفتاة الشقراء التي عادة ما ترافق الجرحى الى نقطة تجمع الخارجين “نشعر وكأن الله أرسلنا إلى هنا، وإلا لما كنا نود المجيء”.
وفي الأوقات التي لا يعالجون خلالها المصابين أو المرضى، تقضي المجموعة وقتها في ممارسة المشي في المنطقة والصلاة والاهتمام باحتياجاتهم.
ويشعر تايلر شين (24 عاماً) المتحدر من كولورادو وأحد متطوعي المجموعة، بالفخر لوجوده في هذه المنطقة حيث يشهد انتهاء تنظيم الدولة الاسلامية.
ويقول لفرانس برس “إنه البلاء، وأكثر ما يمثّل الشر في العالم، لذا أعتقد أنه المكان المناسب للتواجد فيه حالياً”.
ويبدو وجود هذه المجموعة لافتاً في هذه المنطقة الصحراوية في شرق سوريا وسط مقاتلين أكراد وعرب لا يمكنهم التواصل معهم إلا بمعية مترجمين.
ولدى زيارة المتحدث باسم قوات سوريا الديموقراطية الموقع حيث يتواجد المتطوعون مؤخراً، أمسك يوبانك بيده ليتلو الصلاة بينما كان المترجم يتوسطهما.
– شاحنات –
وإذا كانت “إرادة الله” تقود يوبنك وفريقه، فإن أسباباً مادية تدفع مجموعة من سائقي الشاحنات لاصطحاب المدنيين وأفراد عائلات الجهاديين الفارين إلى مخيمات النازحين شمالاً.
وبعد تدقيق أولي في هوياتهم وجمع معلومات شخصية في منطقة الفرز، يطلب منهم الصعود على متن الشاحنات التي تنقل معظمهم الى مخيم الهول الواقع على بعد ست ساعات شمالاً.
ويتولى 11 سائقاً من بلدة الشحيل المجاورة للباغوز قيادة الشاحنات، مقابل بدل مالي تدفعه لهم قوات سوريا الديموقراطية عن كل رحلة ذهاباً واياباً، بقيمة 75 ألف ليرة سورية (150 دولاراً).
ويقول فرحان العلي، سائق في الأربعينات، لفرانس برس “متى جاءتنا +الرزقة+ نعمل”.
ويروي بعض السائقين أنهم يضطرون أحياناً لتناول حبوب تمنعهم من النوم حتى يتمكنوا من القيادية لمسافة 600 كيلومتر ذهاباً واياباً.
ويوضح أبو حمود (54 عاماً)، الذي يضع كوفية حمراء وبيضاء على رأسه، “في كل مرة نصل عند الساعة الثانية أو الثالثة فجراً ثم نرجع إلى الشحيل”.
وغالباً ما يستخدم هؤلاء السائقون شاحناتهم لنقل المواشي أو التجهيزات الزراعية، لكنهم غير معتادين على نقل نساء وأطفال على متنها، وهو ما يزيد من صعوبة الرحلة الطويلة.
وأحصت لجنة الإنقاذ الدولية، الناشطة في مناطق النزاعات، وفاة 51 شخصاً، غالبيتهم أطفال حديثو الولادة، بعد وصولهم إلى مخيم الهول أو خلال “الرحلة المحفوفة بالمخاطر”.
وطالبت الأمم المتحدة السلطات المحلية لتأمين وسائل نقل مريحة على غرار الباصات.
ويقول أبو حمود “يعتصر الألم قلبي على الأطفال. هم صغار وجائعون” قبل ان يضيف بأسى “توفي رضيع عمره عشرون يوماً في شاحنتي”.