Navigation

Skiplink navigation

محاولات سودانية للإفلات من فخ العقوبات

فتيات سودانيات يقفن وراء اسلاك شائكة في مخيم أبو شوك، أكبر مخيمات اللاجئين في ولاية دارفور (التقطت الصورة يوم 19 سبتمبر 2004) Keystone

"إنه قرار ظالم، ولكن حكومة السودان سوف تلتزم بما فيه". هذا هو ملخص الموقف الرسمي من القرار 1564، في ظل توجه إلى بلورة خطة للتعامل معه لسد ذرائع التدخل.

هذا المحتوى تم نشره يوم 24 سبتمبر 2004 - 17:27 يوليو,

لكن التساؤل يظل قائما عن الشروط التي يُمكن أن تفلت بها الخرطوم من فخّ العقوبات الدولية، أم أن الظروف المعاكسة داخليا وخارجيا ستظل أقوى وأعتى؟

قبل الخوض في شروط واحتمالات إفلات السودان من فخ العقوبات الدولية، يستدعي الأمر وقفة مع مضمون القرار 1564. واللافت للنظر أنه يضع عدة مستويات للتحرك المطلوب من الحكومة السودانية، إلى جانب تحركات محدودة من قبل حركتي التمرد العاملتين في الإقليم، وهو أمر يمكن تفهّـمه في ضوء الفارق بين سلطة معترف بها ولديها الموارد وعليها أعباء سياسية ومعنوية لا تقارن البتة بالالتزامات التي يمكن أن ترد على مجرد حركة تمرد، حتى ولو كانت تملك سلاحا وبعض الغطاء الدولي والإقليمي.

ويجب القول هنا، أن هذه هي المرة الأولى التي يُـشار فيها في قرار دولي يخص مأساة دارفور إلى ما يجب أن تقوم به حركتا التمرد (وهما حركة العدل والمساواة، وجيش حركة تحرير السودان)، وهو ما تم تحديده في أربعة أمور جوهرية.

أولها، العمل مع الحكومة تحت رعاية الاتحاد الإفريقي من أجل التوصل إلى حل سلمي

وثانيها، وقف جميع أعمال العنف والتعاون مع المنظمات الإنسانية الدولية وجهود الرصد الدولي، والامتثال للقانون الدولي الإنساني.

وثالثها، الالتزام باتفاق نجامينا الخاص بوقف إطلاق النار، والموقّـع مع الحكومة في 8 أبريل 2004.

ورابعها، التعاون مع لجنة الأمم المتحدة الخاصة بالتحقق من حدوث عمليات إبادة جماعية بالمعنى القانوني المتعارف عليه في القانون الدولي الإنساني.

تفترض الالتزامات الأربعة على هذا النحو، ثلاثة مستويات من التحرك: أولهما مع الخصم، أي الحكومة السودانية تحت رعاية إفريقية. وثانيهما، ضبط ذاتي لعمليات العنف، سواء التي تستهدف القوات الحكومية أو معسكرات اللاجئين أو المقرات والمنشآت الحكومية أو منظمات الإغاثة الدولية. وثالثهما، التعاون مع بعثة الأمم المتحدة من خلال تقديم الوثائق والشهادات الموثقة والقرائن التي تُـدين الحكومة أو ميليشيات الجنجويد.

والمشكلة هنا، لاسيما في الالتزامين الأولين، أن القرار الدولي لم ينص على أي عقوبات محدّدة بشأن حركتي التمرد، إذا ما تقاعستا عن التحرك والتعاون المناسب، إذ ترك الأمر وكأنه بلا قيمة ولو معنوية، فيما يمكن تفسيره بأنه انحياز لهاتين الحركتين وتدليل لهما، وإفساح المجال لكي يخربا بالفعل أي جهود سياسية وسلمية قد يقوم بها الاتحاد الإفريقي وفق ما جرى بالفعل في مفاوضات أبوجا التي أظهرت مدى تعنّـت الحركتين ورغبتهما في تأجيج الأوضاع وفرض تدخل أجنبي واسع المدى في الإقليم.

ويبدو الأمر بالنسبة للحكومة السودانية مختلفا تماما، ووفق القرار، هناك التزامات واجبة التنفيذ بلا أي تهاون، يعبّـر عنها تعبير الامتثال الكامل والتعاون التام الوارد في القرار. وهناك أيضا عقوبات مرجّـحة في القطاع النفطي وعلى الحكومة ككل أو على أفراد منها، وذلك وفقا للمادة 41 من ميثاق الأمم المتحدة التي تتيح اتخاذ تدابير ذات طابع اقتصادي ودبلوماسي وسياسي واتصالي وتجاري ضد دولة معينة، إذا خالفت شروطا أو متطلبات دولية ما.

محاور تحرك الحكومة

يتمثّـل ما يفرضه القرار على الحكومة السودانية في التحرك في عدة اتجاهات، إنسانية وسياسية وأمنية، تبدو وفقا للقرار واجبة التزامن مع بعضها البعض، بما في ذلك معاودة التفاوض مع الحركة الشعبية لتحرير السودان من أجل إنهاء إتمام الاتفاق بشأن التسوية السياسية للحرب في الجنوب، وهو الأمر الذي كانت تفضّـل الحكومة السودانية تأجيله إلى حين احتواء الأزمة في دارفور.

هذه الخطوات يمكن إجمالها في المحاور الآتية:

- محور التسوية السياسية تحت رعاية الاتحاد الإفريقي، أي العودة إلى مائدة المفاوضات جنبا إلى جنب، قبول توسيع دور الاتحاد الأمني في إقليم دارفور، من خلال زيادة عدد مراقبيه وقواته التي تحمي معسكرات اللاجئين، وتحمي عودتهم إلى قراهم ومواطنهم الأصلية.

- محور إنساني، وله شقان: الأول، توقيع الاتفاق الإنساني الذي تم التوصّـل إليه مع حركتي التمرد تحت رعاية الاتحاد الإفريقي. والثاني، إفساح المجال أمام منظمات الإغاثة الدولية للعمل بحرية وأمان في الإقليم، إضافة إلى تسهيل عودة المشردين إلى ديارهم بأمان وكرامة.

- محور أمني، وله ثلاث جوانب: أولها، توقيع اتفاق أمني مع حركتي التمرد، يتضمّـن وقف إطلاق النار. وثانيها، اتخاذ الخطوات الضرورية للتصدّي للانتهاكات التي يتم التبليغ بها للجنة وقف إطلاق النار ومحاسبة المسؤولين عنها. وثالثها، أن تضع حدّا لِـما أسماه القرار الدولي بمناخ الإفلات من العقاب في دارفور، وذلك، من خلال تحديد هوية المسؤولين عن الإساءات المُـرتكبة في مجال حقوق الإنسان وتقديمهم إلى العدالة، بما في ذلك أفراد قوة الدفاع الشعبي وميليشيات الجنجويد.

- محور قانوني/ إنساني، يُـعنى بالتعاون الكامل مع لجنة الأمم المتحدة التي سيشكّـلها الأمين العام لأغراض التحقيق في مزاعم حدوث إبادة جماعية في دارفور. ويتضمّـن التعاون تقديم الوثائق والأدلة حول الأشخاص الذين تم نزع أسلحتهم من ميليشيات الجنجويد، وأسماء الأشخاص الذين تم إلقاء القبض عليهم بسب الإساءات المرتكبة في مجال حقوق الإنسان. وفي السياق نفسه، التعاون مع مفوضية حقوق الإنسان وقبول زيادة عدد مراقبي حقوق الإنسان الذين توفدهم المفوضية.

شروط النجاح

هذه المحاور الأربعة ليست متماثلة في شروط التوفيق وإيفاء متطلباتها. ففي بعضها ما يتوقف تماما على جهد الحكومة وإخلاصها في التطبيق وفقا لإمكانياتها المتاحة، لاسيما ما يتعلّـق بالسيطرة على نشاط أفراد الدفاع الشعبي وميليشيات الجنجويد، والمتهمين بالإساءات وارتكاب فظائع إنسانية وتقديمهم للمحاكمة، وتوفير مناخ آمن لعودة المشردين واللاجئين، وأسس الحياة المناسبة، وفقا للمتاح اقتصاديا. ويدخل في هذا السياق، مسألة تقديم الوثائق بشأن حجم الأسلحة التي تم نزعها وعدد الأفراد الذين نُـزعت منهم هذه الأسلحة.

وفي البعض الآخر ما يتوقّـف على التعاون والإخلاص والمصداقية من أطراف أخرى، وتحديدا حركتي التمرد، والاتحاد الأفريقي، ولجنة الأمم المتحدة، والمنظمات الإنسانية، ومفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. ولكل من هذه الأطراف حساباته الخاصة به التي تدفعه للضغط على الحكومة السودانية أو ابتزازها أو اتهامها أو إنكار تعاونها على أي نحو كان.

ووفقا لما بدر من حركتي التمرد في مفاوضات أبوجا، وشعور بعض قياداتها بأن الضغط الدولي سيتزايد لا محالة على الحكومة، وأن العقوبات في طريقها إلى التطبيق، فإن حجم التعاون المنتظر منها لن يكون كبيرا، بل المرجّـح أن تقدم الحركتان على تعقيد الأمور الإنسانية والأمنية على أمل أن يوفّـر ذلك حُـججا للقوى الدولية لفرض العقوبات مستقبلا.

ومن ثم، فإن توقيع الاتفاق الإنساني أو الالتزام الكامل بخطة وقف إطلاق النار أو الاستمرار في مفاوضات للتسوية السياسية، سيبدو أمرا عسيرا إلى حد ما. وإذا فقد المراقبون إنصافهم وحيادهم ونزاهتهم، فقد يحمّـلوا المسؤولية على عاتق الحكومة السودانية ويتجاهلوها بالنسبة لحركتي التمرد.

أما الاتحاد الأفريقي فلديه فرصة لكي يشكّـل تجربة إيجابية في حل نزاع داخلي في دولة عضوة، وهو ما يتوقف على قدرة مؤسسات الاتحاد على القيام بمهامها الأمنية والتفاوضية بقدر عال من الحياد والموضوعية، بما في ذلك الضغط على الطرف المتقاعس، وإظهار مسؤوليته عن الفشل في أي خطوة ما.

كما أن قدرة الاتحاد على الاستقلالية، وعدم الانصياع لضغوط الولايات المتحدة والدول الأوروبية التي ستأخذ على عاتقها تمويل أنشطة الاتحاد الأمنية في دارفور سيكون عاصما من الفشل، وعاصما أيضا من أن تقع الحكومة السودانية تحت فخ العقوبات الدولية.

وتبقى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، وهذه أيضا لها حساباتها الخاصة جدا. فالأمم المتحدة بأفرادها وبعثاتها ولجانها للتحقق، ليست منزهة عن الهوى، وليست بعيدة عن ضغوط وأهواء القوى الكبرى، لاسيما الولايات المتحدة تحديدا.

أما المنظمات الإنسانية الدولية، فيَـهمّـها أن تزيد الطين بلة لغرض جذب المزيد من الأموال لتسهيل أنشطتها المختلفة.

تحديات بيئة معاكسة

والمشكلة هنا، أن كل هذه الأطراف تتحرك بلا رقيب، وهي دائما صاحبة الصوت الأعلى، وما يراه المسؤولون الغربيون أكثر مصداقية في مواجهة الحكومة السودانية التي تفتقر إلى المصداقية في نظرهم.

هذه البيئة المعاكسة تفرض بدورها المزيد من الضغوط على حركة الحكومة السودانية، وهي ضغوط يمكن إفشالها بشرطين: الكثير من الجهد المنظم إنسانيا وأمنيا، بما فى ذلك ضبط حركة القوات المسؤولة عن حماية مخيمات اللاجئين، ومنعهم من التعسف أو القيام بإساءات للمواطنين البسطاء.

وثانيا، الكثير جدا من الشفافية بشأن الخطوات التي تُـتّـخذ وفقا للقرار الدولي المذكور مع وضع الجهات الخارجية أمام مسؤولياتها، كالإعلان الدوري عن حجم المساعدات التي ترِد لإقليم دارفور، وعدد المنظمات الإنسانية التي تعمل بالفعل هناك، وجنسياتها وأماكن وجودها وعدد القوات الأمنية السودانية التي تؤمن أعمالها والتسهيلات التي تقدمها الحكومة لهم وهكذا.

والإعلان أيضا عن تحركات لجنة التحقيق التي سيشكلها كوفى أنان، وحجم التعاون الذي تقدمه الحكومة لها، والإعلان الدوري المسؤول والموثق عن حجم الانتهاكات التي تقدِم عليها حركتا التمرد، إضافة إلى العودة لمفاوضات جادة مع الحركة الشعبية لوضعها أمام مسؤولياتها التاريخية في الحفاظ على استقلال السودان وحريته. ودون ذلك، سيكون سيف العقوبات الدولية أقرب إلى قطع الرقاب.

د. حسن أبوطالب - القاهرة

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة