صندوق الابتكار السويسري يواجه تساؤلات حول تضارب المصالح
يكشف تحقيق صحفي أن عددًا من صانعي وصانعات القرار في الوكالة السويسرية للابتكار «إينوسويس» استفادوا، بشكل مباشر أو غير مباشر، من التمويل العام المخصّص لدعم الشركات الناشئة.
بحسب تحقيق أجرته هيئة الإذاعة والتلفزيون السويسرية الناطقة بالفرنسية (RTS)، يشمل الأمر ما لا يقل عن 20 مشروعًا، بقيمة إجمالية تتجاوز 13 مليون فرنك سويسري.
ومن بين الحالات، عضو/ة* في مجلس الابتكار التابع لـ«إينوسويس»، وهو الجهاز المسؤول عن اختيار الشركات المستفيدة من الدعم، يدير/تدير في الوقت نفسه عدة شركات حصلت على نحو مليون فرنك سويسري من المؤسسة نفسها في عام 2021.
بل إن إحدى هذه الشركات اختيرت لاحقًا للمشاركة في أحد البرامج الرئيسية للوكالة الفدرالية عام 2024، مع إمكانية الحصول على منحة تصل إلى 2.5 مليون فرنك سويسري.
ولا تُعدّ هذه الحالة استثناءً داخل المؤسسة، التي تبلغ ميزانيتها السنوية نحو 300 مليون فرنك سويسري. ووفق تحليل أجرته RTS لقاعدة بيانات «أراميس» الفدرالية، استفادت قرابة 20 شركة مرتبطة بأشخاص يشغلون مناصب في الهيئات الإدارية لـ«إينوسويس» من إعانات مالية.
المزيد
ريادة سويسرا في براءات الاختراع.. أرقام وحقائق مثيرة
وتقرّ الوكالة بإمكانية حدوث مثل هذه الحالات، لكنها تؤكد أن أعضاء مجلس الابتكار يُختارون بناءً على خبراتهم المهنية وسجلهم في مجال الابتكار.
كما أوضحت «إينوسويس» أن جزءًا من التمويل لا يُحوَّل مباشرة إلى الشركات، بل يُمنح لشركاء بحث، مثل باحثي وباحثات الجامعات العاملين مع هذه الشركات.
تركيز للسلطة
تشدد الوكالة على أنها تعتمد قواعد صارمة لتفادي تضارب المصالح. فعندما يرتبط مشروع ما بعضو أو عضوة في المجلس، يُطلب من المعني/ة الإفصاح عن العلاقة والتنحّي عن التقييم واتخاذ القرار.
غير أن آليات أخرى تثير تساؤلات. إذ يُظهر تحليل نحو عشر وثائق تم الحصول عليها بموجب قانون الشفافية أن سلطة اتخاذ القرار غالبًا ما تتركّز في مجموعات صغيرة تضم بين ثلاثة وخمسة أشخاص فقط.
وأدّى هذا التركيز إلى بروز حالات مثيرة للقلق. ففي إحدى هذه المجموعات، شارك عضو في مجلس الابتكار ثلاث مرات في جلسات تقييم مشاريع تعود لعضو آخر كان قد تنحّى رسميًا. وفي حالات أخرى، تبادل الأعضاء الأدوار في تقييم ملفات بعضهم البعض، مع إسناد المنح في كل مرة.
كما تُظهر وثائق أن عضوًا كان مسؤولًا عن تقييم طلب منحة لعضو آخر، قبل أن تنعكس الأدوار لاحقًا، ما يثير تساؤلات حول فعالية إجراءات الفصل.
تساؤلات حول الضوابط
تؤكد «إينوسويس» أن إجراءات الإفصاح والتنحي تُطبّق في هذه الحالات، وأن القرارات لا تُتخذ بشكل فردي، بل ضمن مجموعات فرعية تضم ثلاثة أعضاء على الأقل.
المزيد
سويسرا ضمن البلدان الأقل فسادا في العالم
غير أن بعض الخبراء يشككون في كفاية هذه الضمانات. إذ يقول إيف جينجراس، أستاذ علم الاجتماع في جامعة كيبيك في مونتريال والمتخصص في تقييم البحوث: «إن ترك القرار لمجموعة صغيرة من ثلاثة إلى خمسة أشخاص هو أسوأ سيناريو ممكن».
ويضيف أن الوضع يصبح أكثر إشكالية عندما يتقدم أعضاء هذه المجموعات بطلبات تمويل لمشاريعهم الخاصة، معتبرًا أن ذلك «يرفع إلى أقصى حد احتمالات تضارب المصالح».
شراكات تثير الجدل
أعلنت «إينوسويس» مؤخرًا شراكة مع وكالة المشتريات الدفاعية السويسرية «أرماسويس»، بميزانية مشتركة تبلغ 20 مليون فرنك سويسري، لدعم ثلاث مجالات تكنولوجية ذات استخدامات مدنية وعسكرية، تشمل أنظمة الملاحة والتقنيات الضوئية وحلول اعتراض الطائرات المسيّرة.
وبحسب الوكالة، اقترحت «أرماسويس» هذه المجالات، فيما اتُّخذ القرار بالإجماع داخل مجلس إدارة «إينوسويس».
غير أن عضوين في المجلس لديهما ارتباطات بهذه المجالات. أحدهما عضو في هيئة استشارية تدافع عن صناعة الفوتونيات، فيما يرأس الآخر مجلس الإدارة نفسه.
المزيد
الرقابة على البنوك السويسرية: تاريخ حافل بالأزمات والفضائح
انتقادات لحوكمة المؤسسة
يرأس أندريه كوديلسكي أيضًا مجموعة «كوديلسكي»، التي توفّر مكونات أمنية لشركات تصنيع رقائق الملاحة، من بينها شركة «يو-بلوكس» السويسرية.
وعند طرح مسألة تضارب المصالح، أكدت «إينوسويس» أنها لا ترى وجود تعارض، مشيرة إلى أن قرارات التمويل تتخذها هيئة أخرى داخل المؤسسة.
لكن خبير حوكمة الشركات دومينيك فريموند يرى عكس ذلك، إذ يقول: «إذا كانت الإعانة المالية تعود بالنفع المباشر على شركة يرأسها أحد أعضاء المجلس، فإن تضارب المصالح قائم، حتى لو اتُّخذ القرار في هيئة أخرى».
ويضيف أنه كان ينبغي عرض هذه الحالات على مجلس الإدارة واتخاذ القرار دون مشاركة الشخص المعني.
المزيد
ركود في مجال مكافحة الفساد في سويسرا
من يسيطر على جهة التمويل؟
وتخضع «إينوسويس» لإشراف وزارة الاقتصاد، التي تعيّن مجلس إدارتها وتحدد أهدافها الاستراتيجية، لكنها تؤكد أن دورها لا يشمل التدخل في إدارة الوكالة.
في المقابل، أُحيلت مسألة الرقابة إلى جهة فدرالية مكلفة بتطوير نظام إدارة المخاطر، غير أن ديوان المحاسبة الفدرالي أوضح أن دوره يقتصر على التحقق من تطبيق هذا النظام.
ويطرح هذا التداخل المؤسسي سؤالًا جوهريًا: من يملك فعليًا سلطة الرقابة على وكالة تدير مئات الملايين من الفرنكات سنويًا؟
* الأسماء التي لم يتم الكشف عنها معروفة لدى RTS
ترجمة من الإنجليزية. مراجعة وتدقيق: عبد الحفيظ العبدلّي
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة
المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"
يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!
إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.