الرقابة على البنوك السويسرية: تاريخ حافل بالأزمات والفضائح
شكّل انهيار بنك «كريدي سويس» زلزالًا في القطاع المصرفي السويسري، أعاد إلى الواجهة تاريخًا طويلًا من الفضائح والضغوط الخارجية التي طبعت مسار الرقابة على البنوك في البلاد. ورغم ذلك، ظلّ تشديد الرقابة يصطدم على الدوام بنفوذ جماعات الضغط في القطاع المالي.
تسعى الحكومة السويسرية اليوم إلى توسيع صلاحيات الرقابة المصرفية. فبعد ثلاث سنوات من انهيار «كريدي سويس»، يُنتظر اعتماد سويسرا لأدوات رقابية معمول بها منذ زمن في مراكز مالية مماثلة. ومنها، تمكين هيئة الرقابة على الأسواق المالية «فينما» (FINMA) من فرض غرامات مالية، والكشف عن أسماء المؤسسات المخالفة.
ولو كانت هذه الصلاحيات متاحة سابقًا، لكان بإمكان «فينما» الإعلان عن إخفاقات «كريدي سويس» في الوقت المناسب، وبشفافية أكبر. غير أنها تواجه معارضة داخل البرلمان، في سياق جدل قديم حول حدود تدخل الدولة في القطاع المصرفي.
فقد بقي مشروع أول قانون فدرالي لتنظيم البنوك، الموضوع عام 1916، حبيس الأدراج إلى اندلاع الأزمة الاقتصادية العالمية في ثلاثينات القرن الماضي.
ودفعت أزمة «بنك جنيف» عام 1931، وأزمة «بنك الشعب السويسري» المستوجبة لدعمٍ حكوميٍ بقيمة 100 مليون فرنك، السلطات إلى التحرك. وفي عجلة، وُضع القانون الفدرالي الخاص بالبنوك ومصارف الادخار، باعتباره «خيارًا لا مفرّ منه»، وفق توصيف وزير المالية آنذاك.
وفي 1 مارس 1935، دخل القانون حيّز التنفيذ وكان هدفه الأساسي حماية الدائنين والدائنات، إلى جانب فرض قواعد تتعلق بالسيولة ورأس المال. وأُسند تطبيقه إلى هيئة مستقلة مؤلفة من خمسة أعضاء، هي اللجنة الفدرالية للبنوك (CFB).
فضيحة في قمة جهاز الرقابة
وفي منتصف ستينات القرن الماضي، واجهت اللجنة أولى أزماتها الكبرى. ففي 4 يونيو 1965، أقالت الحكومة الفدرالية رئيسها ماكس هومل بأثر فوري، بعد الكشف عن تضارب مصالح.
وكان هومل، خبير المحاسبة من كانتون تورغاو، يقدم استشارات مدفوعة لشركتين يملكهما رجل الأعمال الإسباني، خوليو مونيوز، دون إبلاغ اللجنة. وتبيّن أنّ مونيوز كان يدير أموال ديكتاتور جمهورية الدومينيكان الراحل، رافائيل تروخيو، المودعة في أوروبا.
وبالتعاون مع شركاء صوريين وصوريات، تمكن مونيوز من اختراق بنكين في سانت غالن وجنيف، بينما غضّ هومل الطرف عن منح قروض كبيرة دون ضمانات لشركات مرتبطة به. ومع تعثر السداد، انهار البنكان، قبل استحواذ اتحاد البنوك السويسرية عليهما.
ورغم خطورة القضية، جرى احتواء الفضيحة دون محاسبة قضائية، واقتصر الأثر القانوني على تشديد شروط ترخيص البنوك المدارة من الخارج.
نظرة على القضايا الرئيسية المتعلقة بأموال الدكتاتوريين الأجانب في البنوك السويسرية:
المزيد
أموال الديكتاتوريين في سويسرا …”أكبر الفضائح”
مرفأ في تيتشينو في خدمة التهرّب الضريبي من إيطاليا
وفي إبريل من عام 1977، أدت أموال التهرب الضريبي القادمة من إيطاليا دورًا محوريًّا، حينما تعرض بنك الائتمان السويسري (الذي أصبح لاحقًا، بنك كريدي سويس) إلى منعطف خطر. فعلى مدار 15 عامًا، هرّب فرع البنك بمدينة كياسّو الحدوديةرابط خارجي أموال عملاء إيطاليين وإيطاليات، قدرها 2،2 مليار فرنك، إلى شركة صناديق بريد بإمارة ليختنشتاين. وبصفته “بنك داخل البنك”، منح هذا الفرع قروضًا وحصل على شراكات دخيلة عليه، خاصّة في إيطاليا.
كما كان هذا الكيان في ليختنشتاين مرفأ آمنًا لقروض فرع كياستو المشبوهة، ولخسائر كبار العاملين والعاملات من المضاربات في الأوراق المالية. ونتج عن ذلك خسارة قدرها 1،4 مليار فرنك، أكثر فضائح البنوك السويسرية كلفةً حتى ذاك الوقت.
لكن جرى إنقاذه خلافًا لما حدث لاحقًا مع «كريدي سويس». ففي 26 أبريل 1977، أعلن البنك الوطني السويسري استعداده لتقديم دعم يصل إلى 3 مليارات فرنك، بالتعاون مع مؤسسات مصرفية كبرى. ورغم عدم استخدامه، فقد ساهم في استعادة الثقة.
وأعقب ذلك اعتماد ميثاق سلوكي جديد، ركّز على التدقيق في مصادر الأموال واحترام السرية المصرفية، كجزء من التنظيم الذاتي للقطاع.
تأييد واسع للسرية المصرفية
ورد الحزب الاشتراكي ( PS) على فضحية كياسّو بإطلاق مبادرة شعبية لمكافحة التهرب الضريبي، وإخفاء رؤوس الأموال. لكن حال الوقت، وجماعات الضغط دون إتمام المشروع. ففي شهر مايو من عام 1984، باءت المبادرة بالفشل، إذ رُفضت في الاستفتاء الشعبي بنسبة 73%. واحتفل المركز المالي بالنتيجة باعتبارها استفتاء على السرية المصرفية. إذ تخلت الحكومة الفدرالية عن إدراج جزئيات من قواعد سلوك البنوك في القانون، ما جعل وزير المالية عن حزب الاشتراكي، فيلي ريتشارد، يعلق على عدم المساس بالسرية المصرفية البنكية، مشبهًا إياها بـ “راهبة الدير” التي لا تمس.
ولكن بعد ذلك بعامين، وتحديدًا في ربيع عام 1986، تصدر المركز المالي عناوين الصحف العالمية. ففي 24 مارس، قررت الحكومة الفدرالية تجميد أموال الرئيس الفلبيني، فرديناند ماركوس، المودعة بالبنوك السويسرية، بموجب قانون الطوارئ. وهذا بعد لجوئه إلى الولايات المتحدة الأمريكية. وشكل هذا نقطة تحوُّل في تعامل سويسرا مع أموال الحكام الأجانب الفاسدين والفاسدات.
مقالنا حول تجميد أصول فرديناند ماركوس:
المزيد
كيف جمَّدت سويسرا أموال فرديناند ماركوس؟
تدرّج في مكافحة غسيل الأموال
وفي النصف الثاني من ثمانينات القرن العشرين، واجهت سويسرا سلسلة فضائح مرتبطة بغسل أموال المخدرات، مثل قضية «البيتزا» و«العلاقات اللبنانية». وإلى جانب استقالة الوزيرة الفدرالية إليزابيت كوب عام 1989، أدّت هذه القضايا إلى تسريع اعتماد قوانين لمكافحة غسل الأموال.
لكن استغرقت مواءمة التشريعات السويسرية مع المعايير الدولية وقتًا. وفي محاولة لتحسين صورة البلاد، أطلقت السلطات عام 1999، حملة دولية لمكافحة غسل الأموال في المركز المالي السويسري.
وفي العام نفسه، كُشف عن أموال منهوبة للرئيس النيجيري، ساني أباشا، جُمّد منها 660 مليون دولار في 19 بنكًا سويسريًا. وفي حظوة غير مسبوقة، كشفت الهيئة الرقابية أسماءها لأوّل مرّة.
وعام 2000، تواصل هذا النهج مع قضية الرئيس البيروفي ألبرتو فوجيموري، ورئيس استخباراته، إذ أُقيل مسؤول مصرفي رفيع.
لكن تراجع هذا التوجه نحو الشفافية لاحقًا، خاصة بعد إنشاء هيئة «فينما» عام 2009، نتيجة دمج أجهزة رقابية عدة.
من «أكبر من أن يفشل» إلى الإنقاذ القسري
تأسست «فينما»، هيئة الرقابة على الأسواق المالية، في سياق الأزمة المالية العالمية التي كادت تطيح ببنك «يو بي إس» عام 2008 وتؤدي إلى إفلاسه، ما استدعى تدخّلًا حكوميًا واسعًا.
وعلى إثر ذلك، وُضعت قواعد جديدة لتفادي إنقاذ البنوك الكبرى بأموال دافعي الضرائب ودافعاتها. لكن، مع انهيار «كريدي سويس» في ربيع 2023، لم يُطبّق مبدأ «أكبر من أن تفشل».
فبالتعاون مع البنك الوطني و«فينما»، قادت الحكومة الفدرالية عملية استحواذ عاجلة من قبل «يو بي إس». ومنذ ذلك الحين، عاد النقاش حول سبل تعزيز استقرار النظام المصرفي، وحدود الرقابة الحكومية.
تحرير: بنيامين فون فيل
المزيد
نشرتنا الإخبارية المتخصصة في الشؤون الخارجية
ترجمة: هالة فرّاج
مراجعة: عبد الحفيظ العبدلي
التدقيق اللغوي: لمياء الواد
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة
المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"
يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!
إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.