إعادة-عائدون من سبتة.. خسائر مباشرة ومصائر معلقة
(لتصحيح خطأ نحوي بالفقرة 2)
الرباط 14 سبتمبر أيلول (رويترز) – خرج عامل زخرفة الجبس مراد صبري في يوليو تموز الماضي من مسقط رأسه بمدينة قلعة السراغنة، في جنوب وسط المغرب، قاصدا سبتة بعد أن أغرته منشورات وفيديوهات على وسائل التواصل الاجتماعي بإمكانية العبور سباحة إلى الجيب التابع رسميا لدولة إسبانيا والاستقرار هناك دون إعادته وفق تفسير خاطئ لقرار من المحكمة العليا الإسبانية بشأن المهاجرين، لكن المحاولة باءت بالفشل وعاد من حيث أتى بعد أن طاردته قوات الأمن.
وقال صبري لرويترز “سمعت أن إسبانيا فتحت حدودها عبر سبتة بحرا، فأردت أن أجرب حظي كغيري من أبناء بلدي، طامعا في حياة أفضل.. لكن بعد أن تمت مطاردتنا، ورأيت جثثا طافية في البحر قررت العودة، إلى عملي وإلى بيتي الذي أملكه رغم المدخول القليل والظروف الصعبة”.
وأضاف “في الحقيقة لست متأكدا حتى وإن تمكنت من الهجرة هل ستكون ظروفي أفضل مما هي عليه الآن أم لا، لقد انسقت وراء موجة الدعوة للهجرة وأردت أن أجرب حظي، لكن الحمد لله أني عدت سالما”.
خسارة صبري لم تقف عند هذا الحد فحسب، فبعد مرور أكثر من شهر على موجة العبور الجماعي نحو سبتة، حيث تجاوز عدد المتدفقين من المغرب 70 ألفا، لا يزال ابن خاله فتاح هاشم مفقودا، حيث لا تعرف عائلته إذا كان حيا أم ميتا.
ويتحدث صبري عن قريبه قائلا “ابن خالي كان يعمل موظفا في مقاطعة حضرية في طنجة، هاجر قبلي بيوم لكن ظل هاتفه مغلقا طوال الوقت ولم تتوصل عائلته إلى أي خبر يدل على كونه حيا أو ميتا”.
وأضاف “والداه منهاران ولا يعرفان شيئا عنه.. لقد فقدا الأمل في العثور عليه، وهما منزويان في البيت لا يتحدثان إلى أحد”.
وتشير التقديرات إلى أن نحو 70 ألفا، معظمهم من الشبان، حاولوا العبور بشكل غير قانوني من المغرب إلى سبتة في نهاية يوليو تموز لكن السلطات الإسبانية أعادت غالبيتهم، فيما أفادت منظمات غير حكومية بأن أكثر من 100 شخص لقوا حتفهم آنذاك.
وقامت إسبانيا في أواخر أغسطس آب بدفن عشرات الجثث مجهولة الهوية لأشخاص ماتوا غرقا أثناء محاولة العبور الجماعية، وسكنت الجثامين قبورا مرقمة دون أسماء.
وانتقدت هيئات حقوقية مغربية عملية الدفن، وطالبت بالوقف الفوري لها، كما طالبت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، وهي أكبر جمعية حقوقية في المغرب، السلطات المغربية “بالتدخل العاجل لوقف دفن جثامين 82 مهاجرا مغربيا في سبتة والتعجيل بالتعرف على هوياتهم وإعادتهم إلى المغرب لدفنهم بكرامة”.
واعتبرت الجمعية أن “دفن الجثامين من دون استكمال إجراءات التعرف على هويات أصحابها، وتمكين أسرهم من استلامها، يشكل مساسا بكرامتهم وبحق عائلاتهم في معرفة مصير ذويها”.
كما استقبلت السلطات المغربية عددا من الجثث بمستودع الأموات في تطوان لضحايا محاولة العبور الجماعي نحو سبتة، حيث قالت إنها “ستخضع للإجراءات القضائية والتحاليل للتعرف على هوياتهم”.
وانتقدت (العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان) بإقليم المضيق – الفنيدق – مرتيل التعامل الرسمي مع الواقعة، وقالت في تقرير إن أحداث سبتة “أفرزت وضعا إنسانيا استثنائيا تجاوز مجرد تدبير أزمة للهجرة، ليطرح أسئلة جوهرية حول مدى احترام الحق في الحياة والكرامة الإنسانية، والحماية الدولية، وحقوق الطفل، وعدم الإعادة القسرية، وواجب السلطات في توفير الحماية للأشخاص الموجودين تحت ولايتها”.
• “لا شيء سوى الوعود الكاذبة”
في مدينة سلا القريبة من العاصمة الرباط، كانت كوثر (س) تعمل نادلة في مقهى، وتنفق من دخلها الشهري البسيط على احتياجاتها الخاصة وتساعد والدتها، لكنها استجابت إلى دعوات الهجرة الجماعية عبر سبتة في يوليو تموز رفقة مجموعة من أصدقائها.
وبعد فشل المحاولة، حاولت تجاوز الموقف ومواصلة حياتها السابقة لكن صاحب العمل رفض عودتها، بدعوى أنها انقطعت عن العمل دون إخباره وتركته لثلاثة أيام دون مساعدة في المقهى.
وقالت كوثر لرويترز وهي متحسرة “قال لي الأصدقاء إن إسبانيا فتحت باب الهجرة، فقررت بدون تفكير أن أذهب لأحسن من وضعي ليس فقط المادي .. لقد سئمت من العيش هنا دون آفاق”.
وأضافت أنها كانت تتحصل شهريا على 2000 درهم (نحو 200 دولار) إلى جانب إكراميات الزبائن، ليصل المبلغ إلى نحو 300 دولار أو 350 دولارا، لكن “حتى الآن لم أجد شيئا، ما زلت أبحث عن عمل منذ أن أضعت عملي كنادلة، الأمور تزداد سوءا”.
وأشارت إلى أن دافعها للهجرة لم يكن ماديا بالأساس، بل “أردت فضاء أرحب يتقبلني كامرأة مختلفة، فضاء لا يتدخل في حريتي واختياراتي، فحتى وإن كنت سأجد عملا بملغ هزيل في إسبانيا كالذي اتقاضاه في المغرب، كنت سأقبل بالهجرة.. هنا الأفق يبدو منغلقا لا شيء سوى الوعود الكاذبة”.
وذكرت أنها حين ذهبت مع أصدقائها، وجدت السلطات المغربية تفرق المهاجرين وتطاردهم. وقالت “كان الوضع خطيرا والحجارة تتطاير من كل جانب، فخفت وعدت أدراجي”.
وأضافت أن صديقا لها، كان يبيع سلعا مستعملة في سلا، أصيب بكسر مضاعف في يده أثناء مطاردات المهاجرين غير الشرعيين من طرف السلطات المغربية، حيث سقط وداسته الأقدام.
وأظهرت وثائق نشرتها الحكومة الإسبانية الأسبوع الماضي أن أجهزة المخابرات والأمن الإسبانية حذرت نظيراتها المغربية ومدريد من خطط لاقتحام سبتة قبل يوم واحد من عبور المهاجرين إلى الجيب الإسباني.
لكن على الجانب الآخر، رفض المغرب أي تلميح نحوه بتسهيل تدفق آلاف المهاجرين غير الشرعيين إلى سبتة، وكثف من التدابير الاحترازية على الحدود، وأجهض محاولة جديدة للعبور باتجاه سبتة في منتصف أغسطس آب، حيث ألقى القبض على 111 مهاجرا.
وقال عبد اللطيف باكر الكاتب الإقليمي للعصبة المغربية لحقوق الإنسان في منطقة المضيق – الفنديق – مارتيل “هذا حلم عند شباب المنطقة أن يلتحقوا بإسبانيا، حتى ولو علموا أنهم لن يحققوا مكاسب اقتصادية، بالنسبة لهم يبحثون عن حقوق وكرامة وعدالة، ولهم قناعة أنهم لن يجدونها إلا في الضفة الأخرى”.
وأضاف “للأسف المنطقة لا توجد بها أنشطة اقتصادية لفائدة الشباب، فبعد أن أغلقت الجمارك بين البلدين في العام 2019، انهار التهريب المعيشي الذي كان يعيش عليه عدد من السكان”.
وأضاف “باستثناء بعض أنشطة الكراء والسياحة الصيفية الموجهة بالأساس للمغاربة، ليست هناك مشاريع اقتصادية هامة تساهم في انتعاش المنطقة اقتصاديا”.
وكان المغرب أغلق معبر باب سبتة نهائيا في 2019 أمام ممتهني التهريب المعيشي والسلع المهربة.
وقال المغرب في وقت سابق إن التهريب الذي كان يمارس عبر معبري سبتة ومليلية كان يكلف المملكة خسائر بسبعة مليارات درهم (نحو 700 مليون دولار) سنويا.
ويرى عبد اللطيف أن الدولة يجب أن توفر “كرامة المواطن من عدالة اجتماعية خاصة التعليم والتطبيب والشغل..أن يكون هناك اهتمام بالمواطن وتنميه فكريا واجتماعيا لإعمال مقاربة شاملة لمحاربة الهجرة غير النظامية”.
(تحرير سامح الخطيب ومعاذ عبدالعزيز)