استمرار الاشتباكات بين القوات السورية والكردية لليوم الثالث على التوالي في حلب
استمرت الاشتباكات في حلب بين القوات الحكومية والكردية لليوم الثالث على التوالي، في حين حذر قائد قوات سوريا الديموقراطية مظلوم عبدي من أن تواصل المعارك، وهي الأعنف بين الطرفين، يقوّض فرص التفاهم.
وحتى وقت متأخر من ليل الخميس كانت أصوات الاشتباكات العنيفة ما زالت مسموعة، بحسب مراسلي وكالة فرانس برس.
وأعلنت السلطات السورية مساء الخميس فرض حظر تجول في حيي الأشرفية والشيخ مقصود ذوي الغالبية الكردية وأربعة أحياء مجاورة “بدءا من مساء اليوم وحتى إشعار آخر”، داعية لعدم التنقل في هذه الأحياء.
وقال المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم باراك إن واشنطن تتابع التطورات “بقلق بالغ”، موجها نداء عاجلا إلى جميع الأطراف لـ”وقف الأعمال العدائية، وخفض التوتر فورا، والالتزام بالتهدئة”.
ولقيت المعارك مواقف منددة من كل من تركيا وإسرائيل، اذ أكدت أنقرة استعدادها لمساندة دمشق في حال طلبت ذلك، بينما دانت الدولة العبرية الهجمات على “الأقلية الكردية”.
وتبادلت القوات الحكومية والكردية منذ الثلاثاء الاتهامات بإشعال الاشتباكات التي أوقعت حتى 21 قتيلا على الأقل. وهي تأتي على وقع تعثر المفاوضات بين دمشق وقوات سوريا الديموقراطية (قسد)، منذ توقيعهما اتفاقا في آذار/مارس نصّ على دمج مؤسسات الإدارة الذاتية الكردية في إطار الدولة السورية.
ونقلت وكالة سانا الرسمية بعد ظهر الخميس عن مصدر عسكري قوله إن الجيش بدأ “قصفا عنيفا ومركزا باتجاه مواقع تنظيم قسد (قوات سوريا الديمقراطية) داخل الشيخ مقصود والأشرفية”.
وأتى ذلك بعيد انتهاء مهلة من ثلاث ساعات حددتها السلطات صباحا لخروج المدنيين من الحيين.
واتهم الجيش السوري القوات الكردية بأنها تقصف من الشيخ مقصود، أحياء أخرى في ثاني كبرى مدن البلاد.
من جهة أخرى، اعتبر عبدي أن “الاستمرار في نهج القتال ولغة الحرب لفرض حلول أحادية أمر غير مقبول (..) ويقوّض فرص الوصول إلى تفاهمات”.
ومساء، قال مصدر حكومي لوكالة فرانس برس إن القوات الحكومية “بدأت تدخل إلى أطراف حي الشيخ مقصود بعد اتفاق مع سكان محليين من العشائر”.
كما نقلت سانا استعداد قوى الأمن الداخلي والأمن العام “لدخول حي الأشرفية”.
– “قصف ورصاص وقنص” –
وخرجت عائلات الخميس من الحيين، وفق ما أفاد مراسلو فرانس برس، وقدّرت السلطات نزوح “أكثر من 16 ألف مدني”.
وأقفلت المدارس والجامعات والمؤسسات في حلب لليوم الثاني على التوالي، بالتزامن مع تمديد تعليق حركة الطيران في مطارها الدولي يوما آخر.
وذكرت “سانا” صباح الخميس أن “قسد” استهدفت بالمدفعية والرشاشات الثقيلة أحياء في حلب، فيما اتهمت قوى الأمن الداخلي الكردي القوات الحكومية بقصف حي الأشرفية بالمدفعية والدبابات.
– “نُراقب عن كثب” –
ويتبادل الطرفان منذ أشهر الاتهامات بإفشال الجهود المبذولة لتطبيق اتفاق آذار/مارس.
وكان يُفترض إنهاء تطبيق بنوده بنهاية 2025، إلا أن تباينا في وجهات النظر حال دون إحراز تقدم، رغم ضغوط تقودها واشنطن الداعمة للطرفين بشكل رئيسي.
ودخلت كل من تركيا واسرائيل الخميس على خط هذه المعارك.
وأعلن مسؤول في وزارة الدفاع التركية أن بلاده “تدعم معركة سوريا في مواجهة المنظمات الإرهابية” و”تراقب عن كثب” التطورات في الشمال السوري، مضيفا “إذا طلبت سوريا المساعدة، فإن تركيا ستقدّم الدعم اللازم”.
وتركيا التي خاضت هجمات عدة ضد المقاتلين الأكراد بين عامي 2016 و2019، هي من أبرز داعمي السلطة الجديدة في سوريا بقيادة الشرع.
من جهة أخرى، اعتبر وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، في منشور على أكس، أن “الهجمات التي تشنها قوات النظام السوري على الأقلية الكردية في مدينة حلب جسيمة وخطرة”، مضيفا أن “القمع الممنهج والدموي للأقليات المختلفة في سوريا يتناقض مع وعود +سوريا الجديدة+”.
وقال آرون لوند من مركز سينشري إنترناشونال للأبحاث، لوكالة فرانس برس إن “حلب هي نقطة ضعف قوات سوريا الديموقراطية”.
وأضاف “هذا ليس صراعا مفتوحا بعد (..) كلا الطرفين يحاول الضغط على الآخر”، لكنّه حذّر من أن “نشوب صراع شامل بين دمشق وقوات سوريا الديموقراطية في شمال سوريا، وربما بمشاركة تركية وإسرائيلية، قد يكون له أثر مدمر على استقرار البلاد”.
وكان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش دعا الأربعاء جميع الأطراف إلى “خفض التصعيد فورا” فيما دعا الاتحاد الأوروبي الخميس الطرفين إلى “ضبط النفس وحماية المدنيين والسعي لحل سلمي ودبلوماسي”.
– “لا للحرب” –
تسيطر القوات الكردية على مساحات واسعة في شمال وشرق سوريا، تضم أبرز حقول النفط والغاز. وشكّلت رأس حربة في قتال تنظيم الدولة الإسلامية وتمكنت من دحره من آخر معاقل سيطرته في البلاد عام 2019 بدعم من التحالف الدولي بقيادة واشنطن.
وإثر إطاحة حكم بشار الأسد، أبدى الأكراد مرونة تجاه السلطة الجديدة، ورفعوا العلم السوري في مناطقهم. إلا أن تمسّكهم بنظام حكم لامركزي وبتكريس حقوقهم في الدستور لم يلقَ آذانا مُصغية في دمشق.
وتأتي الاشتباكات في حلب، بعد أعمال عنف دامية على خلفية طائفية طالت في آذار/مارس الأقلية العلوية في الساحل السوري، ثم الأقلية الدرزية في جنوب البلاد في تموز/يوليو. وشنّت اسرائيل حينها ضربات على دمشق قالت إنها دعما للدروز.
وأعادت الاشتباكات في حلب إلى أذهان السكان المعارك التي شهدتها بين العامين 2012 و2016، بين القوات الحكومية السابقة والفصائل المعارضة، قبل إخلاء عشرات الآلاف من السكان والمقاتلين منها.
وفي مدينة القامشلي ذات الغالبية الكردية في شمال شرق سوريا، شارك مئات الأكراد في تظاهرات حاشدة الخميس تنديدا بالتصعيد في حلب. وحمل متظاهرون لافتات عدة جاء في بعضها “لا للحرب” و”كلنا قسد”.
ستر-لار-اط/مون/كام/خلص