تدمير الغابات يزيد التحديات على طريق السلام بين أرمينيا وأذربيجان
من على إحدى التلال المطلة على محمية شيكاهوغ الطبيعية في أرمينيا، يشير المسؤول المحلي مارات هاروتيونيان إلى غابات أُزيلت بهدف استخدامها من الجيش الأذربيجاني، في أعمال بناء تقول يريفان إنها تهدد الحياة البرية النادرة وسبل عيش سكان القرى المحليين.
وتكشف المعركة الدائرة حول مصير هذه الغابات حجم التوترات العميقة والمستمرة بين البلدين اللذين يسعيان إلى التوصل إلى سلام دائم بعد ثلاثة عقود من العداء وحروب متعددة.
وخلال تقدمها العسكري في عامي 2021 و2022، سيطرت أذربيجان على أجزاء من المحمية الواقعة على طول الحدود المشتركة بين البلدين.
وبلغ النزاع ذروته في عام 2023 عندما استعادت أذربيجان إقليم ناغورني قره باغ من الانفصاليين الأرمن، ما دفع جميع السكان الأرمن في الإقليم، البالغ عددهم نحو 100 ألف شخص، إلى الفرار.
وحاول البلدان منذ ذلك الحين التوصل إلى اتفاق سلام دائم، ووقّعا بالأحرف الأولى على اتفاق في واشنطن العام الماضي، في خطوة اعتُبرت تقدما كبيرا نحو المصادقة عليه.
لكن بينما تتحدث العاصمتان عن انفراج في العلاقة، لا يزال السكان في منطقة سيونيك الريفية بجنوب أرمينيا يعيشون في حالة من التوتر.
وتثير المواقع العسكرية الأذربيجانية القريبة والألغام الأرضية مخاوفهم على سلامتهم.
وقال هاروت أغاتيليان، وهو عالم أحياء يبلغ 35 عاما ويعمل في المحمية منذ 15 عاما “جميع الأراضي تقع مباشرة في مرمى العدو”.
وأشار إلى أنه عثر مرارا على حيوانات نافقة مبتورة القوائم، بعدما انفجرت بها ألغام أرضية، فيما يتردد صدى تلك الانفجارات في أنحاء الغابات.
– “قطعوا كل شيء” –
وبعد سيطرته على جزء من المنطقة، يعمل الجيش الأذربيجاني حاليا على شق طرق واسعة داخل الغابات لتحسين الوصول إلى المواقع العسكرية وخطوط الإمداد.
وفوق قرية سراشن، ترتسم طرق عبر الغابات الخريفية، فيما تغلق نقطة تفتيش تابعة للشرطة الطريق القديم المؤدي إلى المحمية.
وترفرف الأعلام الأرمينية والأذربيجانية فوق التلال لتحديد مواقع الجانبين التي لا تفصل بين بعضها أحيانا سوى بضع مئات من الأمتار.
وقال هاروتيونيان إن التقدم الأذربيجاني جعل قرية نيركين هاند المجاورة مطوقة من ثلاث جهات، فيما تسيطر القوات الأذربيجانية على “أكثر من 2700 هكتار من المحمية وعدة مئات من الهكتارات من الأراضي الزراعية”.
وأضاف “لقد قطعوا كل شيء من دون التحقق مما إذا كانت الأنواع النباتية أو الحيوانية مدرجة في الكتاب الأحمر أم لا”، في إشارة إلى السجل الأرميني للأنواع المهددة بالانقراض.
وأضاءت أرمينيا على هذه القضية في وقت تستضيف مؤتمر الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي (كوب 17) في العاصمة يريفان، حيث تجتمع الدول لمراجعة الجهود العالمية لحماية الأنواع وموائلها الطبيعية.
– “إبادة بيئية واسعة النطاق” –
ورفضت أذربيجان الاتهامات باحتلال أراضٍ أرمينية، مؤكدة أن الحدود في تلك المنطقة لم تُرسّم رسميا بعد.
وتغطي محمية شيكاهوغ التي أُنشئت عام 1958، مساحة تقارب 12400 هكتار من غابات البلوط والزان وبساتين الدلب وأشجار الطقسوس، وهي من الأنواع المهددة بالانقراض.
كما تؤوي فهود القوقاز والدببة البنية والماعز البري (البيزور).
ويخشى هاروتيونيان أن يؤدي قطع الأشجار وأعمال الهندسة المدنية إلى حدوث انهيارات أرضية وسيول وانزلاقات صخرية.
لكن السكان والخبراء يقولون إن الوجود العسكري والألغام الأرضية جعلا من المستحيل تقييم حجم الأضرار ميدانيا.
وقال خبير الغابات آيسر غازاريان “لا أحد يعرف الحجم الحقيقي للأضرار”.
وأشار تحليله لصور ملتقطة بالأقمار الاصطناعية إلى وجود أعمال حفر وتجريف على مساحة تقارب 90 هكتارا، بينها نحو 60 هكتارا من الغابات، إضافة إلى قطع ما يُقدّر بين 14 ألفا و16 ألف متر مكعب من الأخشاب.
وأضاف أنه ليس من الواضح ما إذا كان التعافي الكامل مما وصفه بـ”الإبادة البيئية واسعة النطاق” ممكنا أساسا.
– “لا أمن” –
كما يهدد فقدان الأراضي الزراعية والمراعي سبل عيش السكان المحليين.
ويعيش موراز أرزومانيان (26 عاما) من دون عمل مع والديه. وقد تلقى تدريبا في مجال التعدين، وسبق أن خدم جنديا في الجيش الأرميني.
وقال “كيف يمكنني تكوين أسرة وإنجاب أطفال فيما لا يوجد أي أمن؟”، مضيفا “لا أستطيع أن أتخيل أن يكبر طفلي هنا، ويخرج إلى الساحة ليلعب ويركض، وهو تحت أنظار الآخرين باستمرار”.
ولا تضم المدرسة في شيكاهوغ سوى تلميذ واحد.
ويقول سكان مسنون إنهم لم يعودوا قادرين على زيارة قبور أقاربهم.
وتشغّل البلدية حافلات مجانية، وتأمل أن يعود يوما ما السكان الذين غادروا المنطقة.
أما عالم الأحياء أغاتيليان فيؤكد عزمه على البقاء. فهو يربي الأرانب ويرفض مغادرة القرية التي عاشت فيها عائلته لأجيال.
ويقول “ولدت وترعرعت وسط الغابات. أحب هذه الغابات”، مضيفا “ابني يبلغ من العمر 18 شهرا، وأريد له أن يكبر هنا”.
مخ-ام/هشا/جك
شاهد المزيد من مقالات Swissinfo في نتائج بحث Google. اعرف المزيد