تكنولوجيا إيرانية وقطع صينية وذكاء اصطناعي.. كيف يطور الحوثيون ترسانتهم العسكرية؟
لندن 15 أكتوبر تشرين الأول (رويترز) – شن المسلحون الحوثيون الذين يسيطرون على شمال غرب اليمن، على مدى الأسبوع المنصرم، هجمات جوية على مطار الرياض الدولي ومقر لشركة أرامكو السعودية، أكبر شركة نفط في العالم، مما يسلط الضوء على مدى انكشاف المملكة أمام تهديدات خصومها في البلد المجاور.
تقوض الهجمات صورة السعودية باعتبارها مركزا آمنا للاستثمار الدولي، في وقت تسعى فيه إلى اجتذاب أموال أجنبية وتنويع اقتصادها بعيدا عن النفط.
ويرى خبراء في الأسلحة وفي شؤون المنطقة أن هذا السيناريو الكابوسي لحليف رئيسي للولايات المتحدة في الخليج ظل يتشكل على مدى سنوات.
ينسب هؤلاء الخبراء انكشاف السعودية، أمام جماعة يمنية مقاتلة غير نظامية، إلى تضافر عوامل، منها مساعدة إيران للحوثيين على بلوغ مستوى يقترب من الاكتفاء الذاتي في إنتاج الأسلحة المتطورة واستخدامها، وتأثير الحرب الأمريكية على إيران التي استنزفت مخزونات الصواريخ الاعتراضية.
*تدريب إيراني يقود إلى الاكتفاء الذاتي
تقدم إيران أسلحة وأموالا وتدريبا للحوثيين منذ أكثر من عقد، غير أن طهران تنفي رسميا تسليح الحوثيين في انتهاك لحظر للأسلحة تفرضه الأمم المتحدة.
وقال خبراء تحدثت معهم رويترز إنه رغم الضغوط المالية والعسكرية التي تتعرض لها إيران بسبب الحرب والعقوبات، فإن الحوثيين تعلموا بمساعدة إيرانية تجميع أسلحتهم الخاصة، بما في ذلك الطائرات المسيرة والصواريخ.
وقال أندرياس كريج المحاضر البارز في دراسات الأمن بكلية كينجز كوليدج لندن إن الحرس الثوري الإيراني وأفرادا من جماعة حزب الله في لبنان، وهي أيضا حليفة لإيران، زودوا الحوثيين في البداية بالمعرفة المتعلقة بأنظمة الصواريخ وتشغيلها.
وأضاف “ساعد مهندسون عسكريون يمنيون سابقون وجيل متنام من الكوادر المحلية المؤهلة في إضفاء طابع مؤسسي على هذه القدرات”.
وتابع “لم تكتف طهران بتزويد الحوثيين بالأسلحة، بل ساهمت في خلق عملية تعلم عسكرية وصناعية محلية، يصبح تفكيكها أصعب تدريجيا، حتى إذا تعطلت طرق الإمداد الإيرانية المباشرة”.
وقال محللون إيرانيون إن الحوثيين أصبحوا بهذه الطريقة ضمن أكثر وكلاء إيران العسكريين قيمة وأقلهم تكلفة.
وقال حميد نيكو المستشار السياسي السابق في الحرس الثوري الإيراني “كان الحرس الثوري بعيد الرؤية. وفكر في ما سيحدث إذا لم يتمكن الحوثيون من تلقي المعدات أو الأسلحة مباشرة من إيران، أو إذا صادرتها قوات متحالفة مع الولايات المتحدة”.
وأضاف نيكو أن هذه الاستراتيجية شملت تعليم الحوثيين كيفية تجميع قطع ذات استخدام مزدوج لصنع طائرات مسيرة وحتى صواريخ باليستية.
وأضاف “علمت إيران الحوثيين في الأساس كيف يصطادون”.
ويقول التحالف العسكري الذي تقوده السعودية ويقاتل الحوثيين في اليمن إنه اعترض عددا من الصواريخ التي أطلقها الحوثيون على مدن سعودية، وإنه دمر 127 منشأة لتخزين أسلحة ومنصات إطلاق تابعة للحوثيين.
وقال المتحدث باسم التحالف تركي المالكي في مؤتمر صحفي إن الحوثيين حصلوا على تكنولوجيا عسكرية متطورة بمساعدة “جهات إقليمية”، تضم صواريخ باليستية وطائرات مسيرة وزوارق سريعة محملة بالمتفجرات.
*تنويع واردات الأسلحة والتكنولوجيا
ومن نقاط القوة الرئيسية للحوثيين في بناء أسلحتهم أنهم لا يعتمدون فقط على معدات إيرانية الصنع أو واردات قادمة من إيران.
وقالت منظمة “أبحاث تسليح النزاعات” في تقرير هذا الأسبوع إن الحوثيين يحاولون صنع صواريخ باليستية متطورة متوسطة المدى باستخدام قطع شحنت من الصين، بعدما صادرت الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا إحدى تلك الشحنات.
وقال كريج “برزت الصين كمصدر تجاري بالغ الأهمية، فيما تواصل إيران توفير تكنولوجيا عسكرية متخصصة وخبرة فنية ومكونات يصعب الحصول عليها تجاريا”.
وجرب الحوثيون أيضا استخدام الذكاء الاصطناعي في مساع لتحسين فعالية أسلحتهم.
وقالت شركة أنثروبيك الشهر الماضي إن “خلية من الجهات الفاعلة التي تشكل تهديدا ومقرها شمال اليمن” استخدمت مساعدها للذكاء الاصطناعي كلود للمساعدة في تطوير برمجيات لصاروخ موجه، ومشروع صاروخ باليستي يبلغ مداه أكثر من ألفي كيلومتر، ونسخة من صاروخ تتضمن مركبة انزلاقية فرط صوتية.
*إرهاق الحرب ونفاد الذخائر
بينما طور الحوثيون إنتاجهم من الأسلحة، شهد حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة ضغطا متزايدا على دفاعاتهم الجوية منذ الحرب التي بدأت عندما هاجمت الولايات المتحدة وإسرائيل إيران في أواخر فبراير شباط.
واستخدمت الولايات المتحدة كميات كبيرة من الصواريخ الاعتراضية التي تنشرها في المنطقة لحماية قواعدها وحلفائها، ومن بينهم إسرائيل ودول الخليج، مما جعل بعضهم عرضة للخطر، لا سيما السعودية.
وقال فرزان ثابت الخبير في شؤون الشرق الأوسط بمعهد جنيف للدراسات العليا “السعودية، من حيث تطور جيشها وبناء شبكة دفاع جوي متكاملة، لم تصل بعد حقا إلى مستوى إسرائيل أو أوكرانيا، وتواجه مهمة بالغة الصعوبة”.
وأضاف أن اتساع مساحة السعودية يجعل الدفاع ضد الهجمات الجوية أصعب من الدفاع عن إسرائيل أو قاعدة أمريكية.
*خبرة الحرب
قال ثابت إن الحوثيين تعلموا من مستويات العنف المتزايدة في المنطقة في السنوات القليلة الماضية.
وآلت الحرب الأهلية اليمنية، التي قاتل فيها الحوثيون قوات مدعومة من السعودية منذ 2014، إلى هدنة هشة في 2022. لكن بعد الهجوم الإسرائيلي على غزة في 2023، الذي أعقب هجمات دامية قادتها حركة حماس على إسرائيل، بدأ الحوثيون إطلاق صواريخ على إسرائيل واستهداف حركة الشحن عبر البحر الأحمر.
وأدت تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية هذا العام إلى تجدد الحرب الأهلية اليمنية، بعدما كان الحوثيون قد طوروا قدرات جديدة.
وقال ثابت “لم يقفوا مكتوفي الأيدي. كانوا ينوعون سلاسل إمدادهم في الأساس… ومع اكتسابهم خبرة عملياتية، أصبحوا قادرين على تطوير تلك الأسلحة”.
(إعداد محمود سلامة للنشرة العربية – تحرير أيمن سعد مسلم )