دعاية إيرانية تراهن على إظهار الوحدة رغم انقسامات داخلية
دبي 21 مايو أيار (رويترز) – ينشر قادة إيران ملصقات دعائية في أنحاء طهران تتباهى بالوحدة الوطنية والانتصار على قوة عظمى، وذلك بعد أشهر قليلة من قمع احتجاجات بعمليات قتل جماعي، وفي وقت تزيد فيه الحرب من الضغوط الاقتصادية على المواطنين.
وبالتوازي مع صور أفراد الحرس الثوري ومضيق هرمز المحاصر، تنظم السلطات حفلات زفاف جماعية ذات طابع عسكري وجلسات تدريب عامة على استخدام السلاح داخل المساجد، في استعراض لروح ما تصفه بالمقاومة الوطنية.
وعلى خلاف الرسائل الدينية الثورية التي سادت في الماضي، تركز الدعاية اليوم على خطابات قومية تستهدف شريحة أوسع من القاعدة المتشددة.
وقال علي واعظ مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية “الأيديولوجية القديمة للجمهورية الإسلامية لم تعد تحظى بقدر كبير من التأثير داخل المجتمع، ولذلك برزت الحاجة إلى استحضار عناصر أخرى من الهوية الإيرانية يمكن أن تحرك الجماهير”.
لكن، وفقا لواعظ ومحللين آخرين، يظل نجاح هذه المقاربة في استمالة شريحة واسعة من السكان الذين يعانون من إحباط عميق أمرا محل جدل.
وفي حين تمكنت إيران من الصمود في وجه الضربات الجوية الأمريكية والإسرائيلية، وأعادت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى طاولة المفاوضات من خلال إغلاق مضيق هرمز، وهو ممر حيوي لإمدادات النفط العالمية، فإنها تواجه وضعا داخليا صعبا.
فالاقتصاد، الذي كان يعاني بالفعل أوضاعا متدهورة قبل الحرب، يواجه خطر الانهيار، كما أن تصاعد حملة القمع يعكس مخاوف السلطات من تجدد الاضطرابات الداخلية.
وفي خضم هذه الظروف المعقدة، لا تزال السلطات تستند إلى أنماط الدعاية الإيرانية المعروفة التي تبرز مفاهيم المقاومة الوطنية وتصور الغرب كخصم، مع تقليص الاعتماد على بعض الرموز الثورية التقليدية.
وتراجع حضور الرموز الشيعية المرتبطة بفكرة الشهادة، التي شكلت ركيزة أساسية لعقود، لصالح رموز قومية وتاريخية فارسية كانت في السابق مرفوضة في الجمهورية الإسلامية باعتبارها ترتبط بالماضي الملكي.
وفي الوقت نفسه، تظهر تغطية التلفزيون الرسمي للتجمعات المتكررة التي تنظمها السلطات مقابلات مع نساء من دون حجاب، وهو أمر لم يكن يعرض سابقا في الإعلام الإيراني.
وقال علي أنصاري أستاذ التاريخ الحديث في جامعة سانت أندروز في اسكتلندا “إنها محاولة لإظهار أن كل شيء طبيعي في إيران، وأننا صف واحد، وأننا لا نقتل أبناء شعبنا”.
وأضاف “قد ينجح ذلك إلى حد ما في التأثير على من لا يستطيعون حسم موقفهم ، لكن معظم الإيرانيين لا يصدقون ذلك فعلا”.
* مضيق هرمز
شكل نجاح إيران في إغلاق مضيق هرمز محورا رئيسيا لحملة دعائية خارجية، ظهرت من خلال رسائل وصور ساخرة على الإنترنت تستهدف دونالد ترامب، وكذلك ضمن خطابها الداخلي.
وتظهر إحدى الملصقات عناصر من الحرس الثوري يمسكون بشبكة صيد اصطادت سفنا وطائرات حربية أمريكية، فيما تبرز أخرى قطعة قماش مثبتة على وجه ترامب بشكل يحاكي هيئة المضيق.
وتندرج هذه الصور ضمن تقليد طويل من الإشادة بالدور الإيراني ومهاجمة الولايات المتحدة، بما في ذلك جدارية شهيرة تُظهر تمثال الحرية بوجه جمجمة.
لكن، في خروج عن هذا النهج التقليدي، يعرض ملصق ضخم آخر في طهران شخصية رئيس علي دلواري، وهو قائد في المقاومة ضد الاحتلال البريطاني لساحل الخليج قبل قرن، إلى جانب قائد في الحرس الثوري، وهما يقفان معا لغلق المضيق بأيد مرفوعة بحزم.
وقالت نرجس (67 عاما)، وهي موظفة حكومية متقاعدة في شيراز طلبت عدم ذكر اسم عائلتها “هذه اللافتات التي تظهر أبطالا وطنيين تستخدم لأغراض الحرب. وبعد ذلك ستنقلب ضدنا وستبدأ حملة القمع”.
وتقول مصادر سياسية إيرانية مطلعة إن السلطة في إيران شهدت تحولا حادا خلال الحرب من رجال الدين إلى قادة الحرس الثوري، في تتويج لتحول تدريجي مستمر منذ سنوات.
وقال واعظ “مسار الخطاب الذي يطرحه النظام يعكس في الواقع التحول الذي يشهده؛ إذ ينتقل من نظام ديني إلى نظام ذي طابع عسكري”.
وتعزز صور المنتخب الوطني الإيراني لكرة القدم وهو يؤدي التحية، وكذلك صور الزعيم الأعلى الجديد مجتبى خامنئي إلى جانب علم إيراني ضخم، هذا الطابع الوطني في الرسائل الدعائية.
* تشكيك في الدعاية
قال واعظ إن الضربات الجوية التي استهدفت البنية التحتية، إلى جانب تهديدات ترامب “بمحو حضارة”، عززت فاعلية هذه الأساليب.
وأضاف “كل ذلك ساعد النظام الإيراني على تصوير هذه الحرب على أنها ليست حربا على الجمهورية الإسلامية، بل على دولة إيران”.
ونظمت السلطات تجمعات شبه يومية خلال الحرب بهدف تقديم الشارع كقاعدة داعمة، غير أن مؤيدين ومعارضين للنظام على حد سواء يشككون في جدواها.
قالت أرشيا (23 عاما)، وهي خريجة حديثة متخصصة في اللغة الفرنسية من يزد “كل ذلك مجرد لعبة، عرض موجه لإظهار أن الناس يقفون مع النظام. وبدلا من هذه الاستعراضات، ينبغي معالجة الوضع الاقتصادي”.
ويقول محمد (26 عاما)، وهو طالب من غلاة المحافظين في تبريز، كان الحس الوطني حقيقيا، لكنه شعر بالغضب من وجود نساء غير محجبات يختلطن برجال لا تربطهن بهم صلة قرابة في التجمعات.
وقال “لم يكن ذلك هدف الثورة”.
وشهد حفل زفاف جماعي هذا الأسبوع موكبا للأزواج على متن مركبات تابعة للحرس الثوري مزينة بالبالونات والرشاشات، إلى جانب نماذج لصواريخ باليستية طليت بلون وردي لا يتناسب مع المشهد.
وعرض التلفزيون الرسمي تدريبات على استخدام السلاح داخل المساجد، حيث أشرف مدربون عسكريون على تعليم رجال ونساء كيفية تفكيك البنادق وإطلاق النار.
وقال علي أنصاري أستاذ التاريخ إن مثل هذه الصور قد تحمل دلالتين، إذ تذكر المعارضين داخل إيران بأن السلطات يمكنها الاعتماد على دعم مسلح قوي.
وأضاف “هذا يظهر بوضوح أن النظام ليس آمنا كما يدعي، بل يسعى إلى تقديم نفسه لشعبه على أنه يتسم بالقسوة والصلابة”.
(إعداد شيرين عبد العزيز للنشرة العربية – تحرير حسن عمار )