The Swiss voice in the world since 1935
أهم الأخبار
النشرة الإخبارية
أهم الأخبار
نقاشات
أهم الأخبار
النشرة الإخبارية

‘القانون الدولي: إمّا أن يسري على الجميع… أو يفقد معناه’

ألان بيرسيه

يرى آلان بيرسيه، الرئيس والوزير السويسري السابق وأمين عام مجلس أوروبا، أننا نشهد عودة إلى عقلية الحرب الباردة. ويشدّد على ضرورة تحرّك أوروبي لحماية الإطار القانوني الذي تستند إليه أوروبا.

قبل أكثر من عام، عندما تولّيت منصبي أمينًا عامًا لمجلس أوروبا، لم أكن أتصوّر أنني سأضطر يومًا إلى الكتابة عن احتمال قيام الولايات المتحدة بعمل عسكري ضد دولة عضو في المجلس.

لكننا وصلنا إلى هذا اليوم.

فقد تعهّد الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بجعل غرينلاند – الإقليم المتمتّع بحكم ذاتي موسَّع ضمن مملكة الدنمارك، العضو في مجلس أوروبا، وأحد الأعضاء المؤسسين لحلف شمال الأطلسي (الناتو) – جزءًا من الولايات المتحدة. وقال إنه سيفعل ذلك “باللين” أو “بالقوة”رابط خارجي.

أثارت تصريحات الرئيس الأمريكي بشأن الإقليم توترًا في العلاقات بين الدول، وتساؤلات حول حقوق شعب غرينلاند، وموافقته، وخياراته الديمقراطية. ورغم أن الأمر لا يزال في حدود التصريحات، فإن التطورات الأخيرة في فنزويلا، تكشف لنا سرعة تحوّل الكلمات إلى أفعال.

كما صرَّحرابط خارجي السيد ترامب إنه يتقيَّد بمعاييره “الأخلاقية الخاصة”، لا بالقانون الدولي، متجاهلًا النظام القانوني القائم في أعقاب الحرب العالمية الثانية.

ومن رحم تلك الحرب، انبثق مجلس أوروبارابط خارجي، الذي يضم 46 دولة عضوًا، بينها دول من خارج الاتحاد الأوروبي، كبريطانيا وتركيا. وقام على فكرة مفادها أن القانون، لا القوة المجردة، هو الضامن لكرامة الأفراد وحقوقهم، والحامي للمساواة في السيادة بين الدول. وعندما تعمد قوة عظمى، لعبت دورًا محوريًّا في صياغة النظام القانوني الذي أعقب تلك الحرب، إلى التشكيك علنًا بأهمية القانون الدولي، فإنها تقوُّض الأسس التي عملنا عقودًا على ترسيخها.

المزيد
آلان بيرسيه

المزيد

ديمقراطية

ماذا يعني انتخاب الرئيس السويسري السابق آلان بيرسيه أمينًا عامًّا لمجلس أوروبا؟

تم نشر هذا المحتوى على سيصبح وزير الداخلية والرئيس السابق آلان بيرسيه أوّل أمين عام سويسري لمجلس أوروبا. فمن هو بيرسيه؟ وما الذي يخبّئه له منصبه الجديد؟

طالع المزيدماذا يعني انتخاب الرئيس السويسري السابق آلان بيرسيه أمينًا عامًّا لمجلس أوروبا؟

وتميَّز النظام العالمي اللاحق للحرب بمفاهيم مثل الديمقراطية، والتعددية، والمساءلة. غير أن هذه المفاهيم باتت اليوم تلقى رفضًا متزايدًا، وتوصف بأنها نخبوية، أو “يقظوية” (woke)، أو منتهية الصلاحية. لذا، علينا، على جانبيْ الأطلسي، أن نسأل أنفسنا إن كنا نريد العيش في عالم يعيد تعريف الديمقراطية على أنها ضعف، والحقيقة على أنها رأي، والعدالة على أنها خيار.

إن سيادة الدنمارك على غرينلاند، إلى جانب الحكم الذاتي الموسَّع الذي يتمتع به سكانها، أمر محسوم قانونًا. وتستند هذه السياة إلى مبدأ حُرمة السلامة الإقليمية للدنمارك المنصوص عليه في القانون الدولي. ويهدف هذا المبدأ إلى ضمان الاستقرار والشرعية، مع الحفاظ على حق غرينلاند الديمقراطي في رسم مستقبلها، لا تقييده.

وبينما تستند الحجة الأساسية لإدارة ترامب، بشأن ضم غرينلاند، إلى مخاوف مشروعة تتعلق بالأمن القومي، إلّا أن الولايات المتحدة، تمتلك بالفعل قدرات عسكرية في غرينلاند، في قاعدة بيتوفيك الفضائيةرابط خارجي.  ويمكن للولايات المتحدة، وفق الاتفاقيات القائمةرابط خارجي، توسيع التعاون إلى حدٍّ كبير، دون تهديد السيادة الدنماركية، ودون الحاجة إلى موافقة كوبنهاغن أو نوك (عاصمة غرينلاند)، ودون أي نقل للسيادة على الأرض.

وهذا يوحي بأن هناك دوافع أخرى تقف وراء المسألة.

فنحن نشهد عودة منطق استراتيجي قديم: عقلية حرب باردة ترى أن الجغرافيا قدرٌ محتوم، وأن النفوذ لعبة محصلتها صفر. كما تنظر إلى الاستقلال على أنه خطر استراتيجي، لا بوصفه خيارًا ديمقراطيًّا. ويخشى البعض من أن غرينلاند المستقلة قد تنجرف يومًا إلى المدار الروسيّ أو الصيني، فتضع أسلحتهما على عتبة الولايات المتحدة. وقد يتحول ذلك إلى نسخة قطبية من سيناريو “خليج الخنازير”.

وهذا المنطق هو منطق “دوائر النفوذ”، وصدى لعقيدة مونرو، وبات اليوم جليًّا في مشروع قانون اقترحه الأسبوع الماضي أحد أعضاء الكونغرسرابط خارجي، وصاغ فيه ضم غرينلاند باعتباره مسألة أمن قومي مرتبطة بالصين وروسيا. ويظهر المنطق نفسه في “استراتيجية الأمن القومي الأمريكية لعام 2025رابط خارجي“، الصادرة في ديسمبر، وتجعل سيادة الولايات المتحدة، ومصالحها الاستراتيجية أولوية تتقدَّم على المعايير متعددة الأطراف، والأمن الجماعي.

أمّا أوروبا، فعليها أن تتحرك لحماية إطارها القانوني، ومجلس أوروبا مستعد للقيام بدوره. فحق الشعوب في تقرير مصيرها، وحماية القانون الدولي، ومساءلة من ينتهك الحقوق السيادية، تشكل جميعها أساس أمننا وقيمنا.

وفي أوقات الأزمات، غالبًا ما تتحدث أوروبا عبر عواصمها الوطنية، لا بصوتٍ سياسي واحد، كما يظهر في البيان المشترك الأخيررابط خارجي الذي أصدرته عدة دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي بشأن غرينلاند. وهذا واقع سياسي يُبرز سبب أهمية المؤسسات القانونية ذات التفويض الجماعي. كما أن عمل مجلس أوروبا على آليات المساءلة الخاصة بأوكرانيا — ومنها سجلّ الأضراررابط خارجي ولجنة المطالبات الدوليةرابط خارجي — يكشف أن القانون لا يزال قادرًا على تنظيم العمل الدولي، في زمن تتزايد فيه الانقسامات السياسية.

وينطبق النهج نفسه على منطقة القطب الشمالي. ومجلس أوروبا مستعد لدعم الدنمارك وغرينلاند، عبر تعاون قانوني ومؤسسي ملموس. فإذا عجزت أوروبا عن صياغة رؤية قانونية وسياسية واضحة، ستسعى أطراف أخرى إلى ملء الفراغ. وعندها قد يتحوّل الأمن من إطار قانوني إلى ورقة ضغط استراتيجية.

ولا تقتصر المخاطر على سيادة غرينلاند وحدها، بل على الثقة أيضًا. فالأحلاف تقوم على قابلية التنبؤ، وعلى افتراض أن القوة، لا سيَّما قوة الحلفاء، تبقى ملتزمة بالقانون. وإذا لجأت الأطراف إلى تجاهل القانون الدولي، كلما أصبحت الظروف غير ملائمة، فإن الثقة تنهار. وإذا أدَّت الحسابات الاستراتيجية إلى الدفع باتجاه تجاهل السيادة في غرينلاند، فكيف يمكن لأوروبا أن تواصل الثقة بالتزامات الولايات المتحدة في أماكن أخرى؟

وعندما تصرّ أوروبا على السيادة والمساءلة، فهي لا تقوم باستعراض سياسي. بل تدافع عما يجعل أمريكا وأوروبا قويتين. أما تجاهله، فيعني إرساء سابقة خطيرة، قد تقوّض العلاقات عبر الأطلسي، وتضعف الأسس التي نستند إليها.

فالقانون الدولي إمّا أن يسري على الجميع… أو يفقد معناه. وستُظهر غرينلاند أيّهما سنختار.

© شركة نيويورك تايمز 2026

سبق أن نُشر هذا المقال في صحيفة نيويورك تايمزرابط خارجي.

الآراء الواردة في هذا المقال لا تعكس بالضرورة آراء سويس إنفو (SWI swissinfo.ch).

ترجمة: ريم حسونة

مراجعة: عبد الحفيظ العبدلّي

قراءة معمّقة

الأكثر مناقشة

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"

يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

SWI swissinfo.ch - إحدى الوحدات التابعة لهيئة الاذاعة والتلفزيون السويسرية

SWI swissinfo.ch - إحدى الوحدات التابعة لهيئة الاذاعة والتلفزيون السويسرية