The Swiss voice in the world since 1935
أهم الأخبار
أهم الأخبار
النشرة الإخبارية
أهم الأخبار
نقاشات
أهم الأخبار
النشرة الإخبارية

عن كثب-الحياة تفارق قرية لبنانية على الحدود مع إسرائيل

reuters_tickers

من ألكسندر جاديش

بيروت 30 أبريل نيسان (رويترز) – في موقف سيارات مليء بالقمامة بالقرب من ساحل بيروت على البحر المتوسط، قام حسن يحيى بلصق لافتة من الورق المقوى على عمود إشارة مرور بجانب خيمة صارت الآن بمثابة منزله.

وكتب على اللافتة بخط رفيع “كفر كلا ترحب بكم”.

تعيد اللافتة المهلهلة إلى الأذهان صورة لوحة إرشادية كانت قائمة على بعد عشرات الأميال عند مدخل قرية كفر كلا العريقة التي يعود تاريخها لعقود. وكفر كلا واحدة من أكثر من 10 قرى على الحدود الجنوبية للبنان سوتها موجات القصف الإسرائيلي بالأرض تدريجيا على مدى فترة عامين ونصف العام.

والآن، ومع توغل القوات الإسرائيلية وتنفيذها لتفجيرات محكمة واستخدامها لجرافات، تُمحى القرى فعليا وتتحول مناطق كانت يوما نابضة بالنشاط إلى مساحات قاحلة تبدو وكأن الحياة قد فارقتها.

ومثله مثل عشرات الآلاف من سكان الجنوب، يقف يحيى عاجزا وهو يرى أراضي أجداده تتحول إلى “منطقة عازلة” تزيل إسرائيل كل ما عليها لتأمين حدودها.

وفي لبنان، تحظى القرى بمكانة ثقافية عميقة في نفوس أبنائها: فهي مراكز تنحدر منها عائلات من أنحاء البلاد والعالم تحافظ على جذورها من خلال الاستثمار في المنازل وتكوين روابط مجتمعية على إيقاع حفلات الزفاف والأعياد وحصاد الزيتون.

ويكاد الجميع يعرفون قرى عائلاتهم، أو الضيعة، حتى لو كانوا غادروها قبل أجيال. وأدى الاختفاء المفاجئ لهذه المناطق السكنية لتشريد مئات الآلاف.

وقال يحيى (58 عاما) وهو يجلس على كرسي بلاستيكي في خيمته بينما كان مولد كهربائي يعمل خلفه “مثل السمك، إذا خرج من الميه يموت. مستحيل نتركها. سنموت”.

تقول القوات الإسرائيلية إن كفر كلا وغيرها من القرى المدمرة كانت ملاذات لجماعة حزب الله التي تخوض مواجهات عسكرية معها منذ الهجمات التي قادتها حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) على جنوب إسرائيل في السابع من أكتوبر تشرين الأول 2023 ودخلت بعدها المنطقة في دوامة من الاضطرابات.

وقال الجيش الإسرائيلي لرويترز إنه صنف كفر كلا “قرية رئيسية لحزب الله” وإنها كانت تضم “بنية تحتية إرهابية واسعة النطاق”، بعضها في المنازل والمدارس. وأضاف أن القوات الإسرائيلية ضبطت أسلحة تعادل حمولة 90 شاحنة هناك في عام 2024، وصادرت المزيد هذا العام. وذكر أن الجيش عمل جاهدا لتقليص الأضرار على المدنيين. ولم تتمكن رويترز من التحقق بشكل مستقل من صحة هذه التصريحات.

وأدت أحدث جولة من القتال إلى نزوح 1.2 مليون لبناني أي ما يقرب من خُمس السكان. واندلعت في أوائل الشهر الماضي عندما أطلقت جماعة حزب الله صواريخ باتجاه إسرائيل للتضامن مع الحليفة إيران خلال تعرضها للهجمات الأمريكية الإسرائيلية.

ومن أجل تصور الحياة في إحدى قرى لبنان التي اختفت، تحدثت رويترز إلى خمسة من سكان كفر كلا السابقين انتهى بهم الحال في دروب مختلفة في أنحاء البلاد واستخدمت صور الأقمار الصناعية ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي والصور ومقاطع الفيديو التي شاركوها هم وغيرهم لمعرفة ما آل إليه حال السكان.

وتظهر بعض أقدم الإشارات إلى كفر كلا في رحلات المقدسي أحد أبرز الجغرافيين العرب في القرن العاشر، وفي وقت لاحق في سجلات جامعي الضرائب العثمانيين وعمليات المسح في حقبة الاستعمار البريطاني.

وقبل اندلاع الحرب في عام 2023، كان يعيش هناك حوالي 5500 شخص، وفقا لحسن شيت رئيس بلدية كفر كلا. وكانت الزراعة النشاط الرئيسي. وأتاح المناخ المميز زراعة محاصيل متنوعة من القمح والعنب إلى البطيخ والتبغ والطماطم والبقدونس والفول والزيتون.

وأضاف أن القرية كانت تشتهر بزيت الزيتون الذي تنتجه، والذي يباع على مستوى البلاد ويجذب مشترين من مناطق بعيدة مثل بيروت.

كانت الحياة اليومية مفعمة بالنشاط حول المخابز والمطاعم والمقاهي حيث يلتقي السكان للعب الورق وتبادل الأحاديث والنكات. وفي حفلات الزفاف، كانت الاحتفالات تقام على مدى أسبوع. وفي يوم عاشوراء، يتجمع السكان وسط القرية لإحياء ذكرى استشهاد الإمام الحسين حفيد النبي محمد ويصعدون لأسطح المنازل لمشاهدة رجال يرتدون ملابس تعود لفترات زمنية سابقة وهم يعيدون تمثيل معركة كربلاء حيث استشهد الحسين قبل 1300 عام.

* “كل شيء تحول لرماد”

يروي شيت أن قرية كفر كلا شهدت ازدهارا نسبيا خلال معظم العقدين اللذين سبقا هجمات السابع من أكتوبر تشرين الأول، إذ فُتحت مدارس وعيادات وارتفعت نسبة المتعلمين وتوسعت الآفاق بفضل الطرق المؤدية إلى مدينة النبطية وغيرها من المراكز القريبة. وكان المغتربون في أوروبا والخليج وأفريقيا يحولون الأموال إلى عائلاتهم .

تمكن أبناء شقيق يحيى، الذين يعيشون في السويد، من بناء منزل بجوار (بوابة فاطمة) وهو معبر حدودي تاريخي تحول لوجهة محلية مع انتشار المطاعم بالقرب من بناء مشابه لقبة الصخرة في القدس وانتشار رسوم الجرافيتي على الجدار الذي بنته إسرائيل على طول الحدود. وبنى يحيى نفسه منزلا من ثلاثة طوابق من الإسمنت والحجر في القرية، وأعد فرنا في الطابق السفلي لصنع المعجنات لأصدقائه.

وبعد أيام من الهجمات، أطلقت جماعة حزب الله “حرب إسناد” لحركة حماس وأطلقت صواريخ باتجاه إسرائيل. وتعرضت بلدة المطلة الحدودية الإسرائيلية لضربات عنيفة، وذكرت وسائل إعلام إسرائيلية أن مئات المنازل دُمرت أو لحقت بها أضرار.

وردت إسرائيل بحملة جوية وبرية شرسة تركزت بشكل كبير في الجنوب. وبحلول يناير كانون الثاني 2024 كانت كفر كلا شبه خالية، بحسب ما ذكره شيت.

وفي الأشهر التي تلت ذلك، قالت إسرائيل إنها دمرت عشرات المنشآت تحت الأرض ومئات الأسلحة التابعة لحزب الله عثرت عليها في القرية.

وندد مسؤولو حزب الله مرارا بعمليات هدم القرى ونفوا قيام الجماعة بنشر بنية تحتية عسكرية في المناطق السكنية المدنية. ولم يرد مكتبها الإعلامي بعد على طلب للتعليق على عمليات الهدم وبيان الجيش الإسرائيلي بشأن كفر كلا.

وقبل الحرب، لم تكن جماعة حزب الله تخفي خططها لغزو شمال إسرائيل، وسبق أن دعت صحفيين لمشاهدة مقاتليها وهم يحاكون مثل هذا الهجوم ووصفت شبكة أنفاقها بأنها واسعة. ويمتد نفق واحد على الأقل من أربعة أنفاق اكتشفتها إسرائيل عام 2018 من كفر كلا تحت الحدود وصولا إلى المطلة.

وبعد اندلاع الحرب بفترة وجيزة، انتقل يحيى شمالا من كفر كلا قبل أن يستقر به المطاف في بيروت. واستقر جاره وصديق طفولته خضر حمود قرب الحدود السورية. أما جميل فواز، وهو صاحب متجر بقالة، والذي دُمر متجره ومنزله، فقد فر أولا إلى بلدة حبوش الجنوبية ثم إلى مدرسة في مدينة صيدا الساحلية تؤوي مئات فقدوا منازلهم.

وقال فواز وهو يجلس بجوار جدار في المدرسة عليه عشرات اللافتات الورقية التي وضعها النازحون وتضم أسماء القرى التي دمرتها الحرب، بما في ذلك كفر كلا “تحول كل شيء لرماد”.

* ألم جديد

شجع وقف إطلاق النار في نوفمبر تشرين الثاني 2024 بعض السكان على العودة. وقال شيت إنه في ذلك الوقت كان 85 بالمئة تقريبا من المباني في كفر كلا تعرض للدمار. ومن تلك المباني منزل عائلة يحيى المشيد حديثا والذي اكتمل بناؤه قبيل الحرب مباشرة.

وأقام بعض السكان، بمن فيهم حمود، منازل جاهزة البناء قرب الأنقاض على أمل إعادة الإعمار. وفي فبراير شباط من هذا العام، زار رئيس الوزراء نواف سلام كفر كلا ووعد السكان بأن إعادة الإعمار ستبدأ قريبا.

لكن الحرب تجددت في غضون شهر. وفي هذه المرة، نفذت القوات الإسرائيلية عمليات هدم بتفجيرات محكمة واستخدمت جرافات.

وفي مقطع فيديو تحققت منه رويترز ونشر لأول مرة على مواقع التواصل الاجتماعي في أواخر مارس آذار، تظهر جرافة وهي تتحرك على الأطراف الغربية للبلدة. ولم يتسن لرويترز التحقق من هوية قائد الجرافة.

وقال مسؤول عسكري إسرائيلي لرويترز، طالبا عدم ذكر اسمه لمناقشة المسائل الأمنية، إن القوات الإسرائيلية دمرت أكثر من 90 بالمئة من المنازل في كفر كلا بحلول أواخر أبريل نيسان.

ومع تضاؤل الأمل في العودة قريبا، يعتمد الآن كثير ممن كانوا يسكنون كفر كلا على اتصالات متقطعة للحفاظ على الأواصر العائلية. ويقول يحيى إنه في حالات الوفاة يكتفون بتقديم واجب العزاء عبر الهاتف. ويقول شيت إن الزيجات، إن تمت أصلا، غالبا ما تتم دون احتفالات.

وعلى الرغم من قول إسرائيل إن المنطقة العازلة مؤقتة، يخشى كثير من اللبنانيين أن تصبح دائمة. وضمت إسرائيل في 1981 هضبة الجولان التي احتلتها من سوريا في حرب 1967. أما الضفة الغربية، التي احتلتها إسرائيل من الأردن في الحرب نفسها، فيسكنها الآن مئات الآلاف من المستوطنين الإسرائيليين.

وفي أحد أيام هذا الشهر، قاد حمود سيارته السيدان المتهالكة من الجبال في الشمال إلى موقف سيارات في بيروت لزيارة يحيى.

وسارا معا يتذكران أيام شبابهما، وكان حمود متكئا على عصا والدته الراحلة، وهي من الأشياء القليلة التي أنقذها من منزله.

وقال “ما عاش فينا نعوض هذه البيوت، ما عاش فينا نعوض هذه الأرزاق اللي كانت عندنا. يعني كل شيء بالضيعة قديم عندنا له معنى، له رمز. عندنا البيوت القديمة يعني بيوت أهلنا، بيوت جدودنا، كل هيدا له رمز”.

وأكد شيت هذا الكلام وهو جالس في منزل عمه في قرية تقع في الجبال الوسطى للبلاد حيث لجأ.

وقال “فيه رابط روحي، ورابط نفسي، ورابط بجذورنا، رابط قوي للغاية. هذا أمر أساسي بالنسبة لكفر كلا… سيستغرق الأمر وقتا بالتأكيد، لكن لما نعود، سنعيد الإعمار”.

وتوقف للحظة، ثم أردف “هيدا مو بس كلام. سنعود”.

(شاركت في التغطية معيان لوبيل وبيشا ماجد – إعداد مروة غريب ومحمد أيسم للنشرة العربية – تحرير رحاب علاء)

قراءة معمّقة

الأكثر مناقشة

SWI swissinfo.ch - إحدى الوحدات التابعة لهيئة الاذاعة والتلفزيون السويسرية

SWI swissinfo.ch - إحدى الوحدات التابعة لهيئة الاذاعة والتلفزيون السويسرية