The Swiss voice in the world since 1935
موجز شخصي

سجّل الدخول لإضافة مواضيع إلى موجزك.

سجل الآن
قائمة المفضلة

سجّل الدخول لإضافة مقالات إلى قائمتك المحفوظة.

سجل الآن
أهم الأخبار
أهم الأخبار
الديمقراطية السويسرية
النشرة الإخبارية
أهم الأخبار
نقاشات
أهم الأخبار
النشرة الإخبارية

لغز شيرلوك هولمز: شلالات راينباخ السويسرية ومحقق لا يموت

جمعية هولمز
من اليسار: بيتر هوروكس في دور البروفيسور موريارتي، وفيليب بورتر في دور شرلوك هولمز، وتشارلز ميلر في دور الدكتور واتسون، خلال فعالية أعادت تمثيل المواجهة المصيرية بين هولمز وموريارتي عند شلالات رايشنباخ، في 3 مايو 2026. Copyright 2026 The Associated Press. All Rights Reserved

في صباح مشرق من صباحات مايو، بدت جبال الألب السويسرية في أبهى صورها؛ سماء زرقاء صافية، وغيوم بيضاء خفيفة تمرّ بين الحين والآخر، وشمس ساطعة لا تبدّد تمامًا برودة الهواء. اتفقنا جميعًا؛ كان صباحًا منعشًا، جميلًا، ومثاليًا... لارتكاب جريمة قتل.

نحن على وشك المشاركة في جريمة قتل عنيفة، لكنها لن تكون وليدة لحظة غضب عابرة. إذ أخذ الإعداد لها زمنًا طويلًا. ومنذ أشهر، ونحن نتلقّى تعليمات بشأن الموعد؛ أسماء مستعارة، وأزياء تنكرية. وسأكتشف لاحقًا ضلوع دوائر في الحكومتين، السويسرية والبريطانية، في الأمر. فإلى أين تمتدّ خيوط هذه الجريمة؟

محتويات خارجية
FT

اتّضح امتداد خيوطها عموديًا أيضًا؛ 2،700 قدم. فعند هذا الارتفاع، أقف الآن على ممرّ ضيّق قرب شلّال. ومن فوقنا، يندفع الماء من فتحة في الصخر، ثم يهوي مئات الأقدام إلى بركة في الأسفل. هنا، قد تكون زلّة قدم واحدة قاتلة.

أمامنا، يقف رجلان؛ يرتدي أحدهما زيًّا يصلح لحضور الأوبرا لو أنّنا في القرن التاسع عشر؛ بدلة سهرة، وقبّعة عالية، وعباءة سوداء. أما الآخر فيرتدي عباءة قصيرة، وقبعة صيد. وفجأة، يُطلق الرجل ذو القبعة العالية صرخة ويندفع إلى الأمام. يتصارع الرجلان، ويحاول كلٌّ منهما دفع الآخر إلى حافة الهاوية.

ثم، وما إن يبدو ظفر صاحب قبعة الصيد بالمواجهة، حتى يتوقّف الاثنان، ويسوّيان ثيابهما، ثم يعيدان المشهد من أوّله كي تحظى فرق الأخبار التلفزيونية بزاوية أفضل. ففي نهاية المطاف، ما نحن إلا أعضاء جمعية شرلوك هولمز في لندن، في رحلتنا الطقسية إلى شلّالات رايخنباخ؛ رحلة لا تتكرّر إلا مرّة كل عشر سنوات.

فهنا، في هذا المكان، يشيع الظنُّ أنّ بطلنا هوى إلى حتفه عام 1891، متشبثًا بعدوه اللّدود، البروفيسور جيمس موريارتي، المعروف بلقب “نابليون الجريمة”. وإحياءً لتلك اللحظة، أمضينا، نحو 60 منّا، ثلاثة أيام نجوب سويسرا بملابس العصر الفيكتوري. كان في داخلي صوت يعرف أنني أبدو سخيفًا بعض الشئ. ففي نهاية المطاف، متصببًا عرقًا تحت قبعتي العالية ومعطفي الطويل، كنت أقول لنفسي: لستُ مولعًا بشرلوك هولمز إلى هذا الحدّ.

لكنني، كما كنت أشرح لكل من يسأل، لم آتِ إلى هنا بدافع الولع وحده. بل بدافع الفضول تجاه الأثر الثقافي الهائل الذي خلفته شخصية شرلوك هولمز، التي ابتكرها السير آرثر كونان دويل. وكأنّ مايكروفت، شقيق المحقق، كان يستشرف المستقبل بدقّة فاقت كل التوقّعات في قصة “مغامرة المترجم اليوناني” المنشورة عام 1893، حين قال: “أسمع اسم شرلوك في كلّ مكان”.

وإلى جانب بابا نويل ودراكولا، غالبًا ما يحتلّ هولمز مرتبة متقدّمة في قوائم الشخصيات الخيالية الأكثر حضورًا على الشاشة. وحتى إن لم يسبق لك قراءة إحدى قصصه، فلا بدّ أنك تعرفه، أو تعرفينه. والأرجح ستراه، أو سترينه، أكثر في السنوات المقبلة، بعدما أصبحت أعمال آرثر كونان دويل ضمن الملكية العامّة وصارت شخصية هولمز متاحة لكل من يريد إعادة ابتكارها على هواه.

واليوم، يمكنك مشاهدة مسلسل واتسون (Watson)، متابع عودة رفيق هولمز إلى ممارسة الطب في العصر الحديث، إلى جانب شرلوك الشاب، الرؤية الجديدة من غاي ريتشي، ويمكن وصفها بحملها بصمتَه بامتياز. وفي العام المقبل، سيجسّد ريف سبال شخصية هولمز في موت شرلوك هولمز، هذا في التلفزيون وحده. أما أدريان أدريان، محرّر مجلة شرلوك هولمز، فيقول إنّها تنشر سنويًا أكثر من 80 مراجعة لكتب جديدة مستوحاة من هذه الشخصية. كما يقدّم “مسرح ريجنتس بارك المفتوح” (The Regent’s Park Open Air Theatre) في لندن، الواقع على مقربة من شارع بيكر، مسرحية جديدة بعنوان شرلوك هولمز.

هذا، ولم نتحدَّث بعد عن أثرها في العالم الحقيقي. فلا يقتصر الأمر على تزيين بلاطات تحمل ملامحه الجانبية التي لا تُخطئها العين، لجدران محطّة مترو بيكر ستريت. فليس تمثال هولمز القائم خارجها سوى أحد خمسة تماثيل على الأقل، منتشرة حول العالم. وخلال الشهر الماضي، زرت ثلاثة متاحف مخصّصة له. أما العام الماضي، فقد أصبح له أيضًا مجسم من الليغو.

لكن أكثر ما يستهويني في شخصية هولمز جانبٌ آخر من حياته الغريبة، يكتب الناس إليه. فقد وصلت أوّل رسالة موثّقة إلى المحقّق عام 1890، حين طلب بائع تبغ من فيلادلفيا نسخة من دراسته عن رماد التبغ. إذ كان هولمز يدّعي القدرة على التمييز بين 140 نوعًا منه. وعلى مدى سنوات، كان الناس يراسلونه على عنوان كونان دويل، لمنح الأخير شخصيته العنوان، 221B شارع بيكر، رغم أنّ ترقيم المباني في الشارع لم يكن يصل إلى هذا الرقم.

لكن في أوائل ثلاثينات القرن الماضي، حدث تطوّران. فقد قرّر المجلس البلدي أن المقاطع الممتدة بمحاذاة شارع بيكر كلها جزء من الشارع نفسه. فأضيفت أرقام تتجاوز 200 في طرفه الشمالي. أما التطوّر الثاني، فكان افتتاح “جمعية آبي رود للبناء” مقرها الجديد في المباني المرّقمة من 219 إلى 229 في شارع بيكر، ما جعل الرقم 221B يقع ضمنها فعليًا. وفي عام 1935، وصلت أوّل رسالة إلى هذا العنوان.

وفي قرار مرحٍ ستترتّب عليه آثار طويلة، قرّر المصرف استحقاق الرسائل الموجّهة إلى هولمز ردًا، واختار مسايرة اللعبة. فكان أمين المراسلات يشرح لأصحاب الرسائل تقاعد السيد هولمز، كما تذكر الكتب، وانتقاله إلى ساسكس.

وسرعان ما بدأت الرسائل تتدفّق، واستمرّ تدفّقها عقودًا. وكانت تتضمّن دعوات لإلقاء محاضرات، وطلبات للحصول على توقيعه، وبالطبع، استغاثات تطلب مساعدته في حل الجرائم. وما زالت هذه الرسائل تصل إلى اليوم، غير أنها باتت تُرسل إلى متحف شيرلوك هولمز في أوّل الشارع، منذ أصبحت “آبي” جزءًا من مصرف “سانتاندر”.

وهنا، لا بدّ أن أكشف عن صلتي الشخصية بالموضوع. فتدور سلسلة رواياتي المقبلة حول أمين مراسلات معاصر لشرلوك هولمز، يقرّر التحقيق في إحدى الجرائم الواردة في تلك الرسائل، مستعينًا بأساليب بطله، قبل اكتشافه أنّ الأمر ليس بالسهولة الموحية بها القصص.

وخلال بحثي، سرعان ما اكتشفت أن جمعية آبي رود لم تكن الوحيدة المتعاملة مع شرلوك هولمز على أنّه شخص حقيقي. ففي ثلاثينات القرن الماضي، ابتكر عدد من الكتّاب البارزين والكاتبات البارزات ما عُرف لاحقًا باسم “اللعبة”. وهي تقوم على فكرة بسيطة، افتراض أنّ هولمز شخصية حقيقية، ثم محاولة جمع تفاصيل حياته من خلال القصص المكتوبة عنه.

وفي الأصل، بدأت اللعبة كمحاكاة ساخرة لأسلوب الباحثين والباحثات في الكتاب المقدّس. فقد أراد رونالد نوكس، القس الكاثوليكي وكاتب روايات بوليسية، السخرية ممن يرى، من الباحثين والباحثات، أن التناقضات الواردة في الأناجيل دليل على كتابتها على يد أكثر من مؤلّف. ولهذا، نشر مقالًا يستعرض فيه التناقضات في قصص هولمز. وكان آرثر كونان دويل يكتب بسرعة لافتة، ولم يكن يدقّق كثيرًا في تفاصيل أعماله السابقة. لذلك، يظهر واتسون في بعض القصص أعزب، وفي أخرى متزوجًا، وفي أخرى أرملًا، كما تتغيّر إصابته الحربية، سواء في طبيعتها أو موضعها، من قصة إلى أخرى. ورأى نوكس أنّ هذه التناقضات تعني أنّ قصص هولمز لا يمكن أن يكون قد كتبها مؤلف واحد، واقترح مؤلّفين اثنين وراءها، في الواقع.

وأيًا تكن نيّته، فقد لاقت فكرته رواجًا. ففي بريطانيا، تأسّست جمعية شرلوك هولمز لمناقشة هذه المسائل. وكتبت الروائية المتخصّصة في أدب الجريمة، دوروثي، إل سايرز: “لقد أصبحت اللعبة هواية لدى مجموعة صغيرة من الظرفاء هنا، وفي الولايات المتحدة. وقاعدتها أن تُمارس بالجدية نفسها التي تُخاض بها مباراة كريكيت بين المقاطعات في ملعب لوردز. فأي قدر من المبالغة أو التهريج كفيل بإفساد الجو كله”.

‘مكان مخيف’

وبهذه الروح نفسها، نجوب سويسرا. فقد طُلب من كل واحد منا اختيار إحدى شخصيات قصص شرلوك هولمز الأصلية، وتقمّصها طوال الرحلة مرتديًا زيها. وعندما عرفت ذلك، لم أتحمّس للفكرة لكنّني أقنعت نفسي بأنها ستكون فرصة ممتازة لإجراء بحث يفيد سلسلة رواياتي المقبلة، فبطلها من أشدّ المعجبين بشرلوك هولمز.

وبعد سؤالي للمرة الثانية عن الشخصية التي سأجسّدها، أدركت أنني لم أعد قادرًا على تأجيل الاختيار. وبعد البحث في قصص شرلوك هولمز، وجدت وصف الكولونيل فالنتاين والتر، أحد أشرار قصة “خطط بروس بارتنغتون” (The Bruce-Partington Plans)، بأنه “رجل طويل جدًا، وسيم، ذو لحية فاتحة، في الخمسين من عمره”. وقلت في نفسي أستطيع، على ما أظن، تحقيق ثلاثٍ من هذه الصفات دون عناء.

نجتمع في مدينة لوزان. ومثل هولمز، أصل إلى سويسرا بالقطار. أما هو، فكان يحاول الإفلات من ملاحقة غريمه موريارتي. وكانت حقيبتي أكبر مما أحتاج إليه عادة في رحلة من خمسة أيام، لكنني لا أحمل عادةً معطفًا رسميًا طويلًا. وفي غرفتي بالفندق، ارتديت الزي وألقيت نظرة على نفسي في المرآة. فمن جهة، بدا مظهري أنيقًا إلى حدّ بعيد، ومن جهة أخرى، لم أستطع التخلّص من شعور بأن الأمر كله يبدو سخيفًا. فقد أجريت مقابلات مع ثلاثة رؤساء وزراء، ورافقت مرة مروحية شينوك في رحلة إلى كابول. ومن حقّي أن ينظر إليّ الناس بجدية.

وعلى الأقل، لم يكن تعرّفي إلى مجموعتي في بهو الفندق صعبًا. فقد كانت النساء يرتدين فساتين ضخمة، بينما بدا الرجال وكأنهم في طريقهم إلى سباقات الخيل الملكية في أسكوت، باستثناء رجل ارتدى زي لاعب رغبي من جامعة كامبريدج. وكما لا بد أنّك خمنت، هي شخصية من قصّة “اختفاء لاعب الرغبي الثالث” (The Missing Three-Quarter). وسرعان ما شعرت بالألفة معهم، كما يحدث لي هذه الأيام مع أي مجموعة أكون فيها من بين الأصغر سنًا. ومع ذلك، بقيت متّكئًا على أحد الأعمدة، محاولًا إبقاء مسافة بيني وبينهم، ومقنعًا نفسي بأنني لست واحدًا منهم حقًا. لكن ما إن لمحت انعكاسي حتى أدركت أنّ الحفاظ على هذا التباعد الساخر، وأنت ترتدي قبّعة عالية، ليس بالأمر السهل.

وفي تلك اللحظات، تندفع امرأة نحوي بحماسة قائلة: “نحن في قمّة الحماس! أي شخصية تؤدّي؟”. فأرتبك أمام هذا الحماس المفاجئ إلى حدّ عجزي عن تذكّر الجواب. ويقول لي الرجل المؤدّي لدور موريارتي: “متى اختلستَ دورًا، فغالبًا ما تتمسك به”. كان شريرًا على نحو يُحسَد عليه، وإن كنت سأعرف لاحقًا أنه يعمل محاميًا مرافعا حين لا يكون منشغلًا بهذا الدور.

ويكاد موريارتي يضاهي هولمز شهرة، رغم عدم ظهوره مباشرة إلا في قصتين. وقد ابتكره آرثر كونان دويل في قصة “المشكلة الأخيرة” (The Final Problem) ليكون خصمًا يليق بمحقّق استثنائي، مثل هولمز. وبحلول عام 1893، وبعد نشره روايتين عن هولمز ومجموعتين من القصص القصيرة، كان دويل قد سئم من شخصيته الشهيرة. وكان يرى أنّ قصصها قد طغت على رواياته التاريخية، التي كان يعتبرها أهم أعماله.

وكان بحث عن طريقة يختتم بها قصة هولمز عندما زار سويسرا وشلّالات رايشنباخ. وقد وصفها بالمكان المخيف، حيث “تهوي المياه إلى هاوية عميقة”، ورأى فيها المكان الأمثل لموته في تضحية بطولية أخيرة، متصارعًا مع عدوه اللّدود موريارتي.

هولمز وموريارتي
هولمز وموريارتي يتشاجران عند شلالات رايشنباخ. Copyright 2026 The Associated Press. All Rights Reserved

أما اليوم، فقد خفّ هدير مياه الشلال، إذ يُحوَّل معظمها إلى محطة كهرومائية لتوليد الكهرباء. ويُشاع إعادة إطلاق المياه خصيصًا، تزامنًا مع زيارتنا، بعد إقناعي السلطات المحلية بذلك. كما رافقنا مراقب من السفارة البريطانية، ربما خشية مبالغة أحد المشاركين في تقمّص دوره، فيلحق بهولمز وموريارتي إلى قاع الهاوية.

واعتدت ارتداء تلك الأزياء بحلول ذلك الوقت. بل في اليوم الثاني من الرحلة، عدت إلى الفندق لأبدّل ملابسي استعدادًا للمساء، إذ أخبرني موريارتي أن الزي المطلوب هو الزي الرسمي الكامل بربطة عنق بيضاء. وكان معظم المشاركين في الرحلة من الرجال، وإن لم يقتصر الأمر عليهم. وكانت هيذر أوين تجسّد شخصية السيدة تيرنر، شخصية ظهرت نتيجة خطأ تحريري، بعد نسيان دويل، أثناء كتابة قصة فضيحة في بوهيميا، أنّ صاحبة منزل هولمز تُدعى السيدة هدسون. وأوين عضوة في الجمعية منذ سنوات طويلة. وتقول: “إنها لعبة نلعبها معًا”، وما يجذبها إليها هو إتاحتها لها استكشاف الحياة في أواخر العصر الفيكتوري. وتضيف: “إنها صورة لعصر كامل”.

كما اعترفت نساء أخريات بمشاركتهنّ في الرحلة بطلب من أزواجهن. وأشارت جوان بلانكستين، القادمة من الولايات المتحدة للانضمام إلينا، إلى زيها الفيكتوري وقالت مازحة: “إذا انتهى بنا الأمر إلى الطلاق يومًا، فسأري القاضي ما اضطررت إلى تحمله”. وأما زوجها تشارلز، فكان يشرح بالتفصيل أنواع البنادق الهوائية التي ربما كانت متاحة للشخصية التي يجسّدها، الكولونيل سيباستيان موران، محاول قتل هولمز في قصة المنزل الخالي. ويقول، يحتفظ بقصص شرلوك هولمز الأصلية قرب سريره منذ أن كان طفلًا.

كانت تلك هي القصّة المنشورة عام 1903، التي رضخ فيها دويل لرغبة الجمهور وأعاد هولمز إلى الحياة، ما شكّل هزيمة شخصية للمؤلّف، واعترافًا بأنّ قصص هولمز هي ما كان يريده القراء والقارئات منه حقًا. لكن ربما لم يكن قرار العودة مفاجئًا تمامًا، إذ ترك كونان دويل لنفسه منفذًا منذ البداية. ففي قصة المشكلة الأخير، لم يُعثر على جثة هولمز، ما أبقى الباب مفتوحًا أمام عودة الشخصية.

أوّل بطل خارق

كان رد الفعل على موت هولمز استثنائيًا. فقد قيل ارتدى بعض سكان لندن شارات سوداء حدادًا عليه، فيما تلقّى كونان دويل رسائل مسيئة. وإذا كنت تظنّ شعورَ مراهقي اليوم ومراهقاته بمعرفة تايلور سويفت أو هاري ستايلز معرفةً شخصية ظاهرة حديثة، فأعد التفكير.

وتكفي إعادة تأسيس جمعية شرلوك هولمز نفسها عام 1951، بعد توقّفها عن نشاطها خلال الحرب العالمية الثانية، لتدلّ على حجم هذا التأثير. فتعنى معظم الجمعيات الأدبية بالمؤلفين والمؤلفات، لا بالشخصيات المبتكرة.

هولمز
فيليب بورتر في دور شيرلوك هولمز، وجولي بورتر في دور إيرين أدلر. Copyright 2026 The Associated Press. All Rights Reserved

ومن المشاركين والمشاركات في الرحلة، كنت أحاول فهم سر انجذابهم إلى هولمز. وتقول لورا سباركس، القادمة من كندا: “أحب أنه ليس شخصية مثالية، بل مليئة بالعيوب”. وأما آخرون وأخريات، فيرونه أوّل بطل خارق، لكن لا تكمن قوّته في قدرات خارقة، بل في الملاحظة والاستنتاج. وكان هولمز ابن عصره؛ فقصصه مشبعة بتفاؤل أواخر العصر الفيكتوري بالتكنولوجيا والمستقبل. كما عكس نهجه العلمي إيمانًا ساد آنذاك بإمكانية معرفة العالم، وفهمه، والسيطرة عليه.

ولكن لا يقتصر سر جاذبية هولمز على الشخصية نفسها، بل يمتدّ إلى أسلوب السرد. فتُعدّ رواية “كلب آل باسكرفيل” (The Hound of the Baskervilles)، التي كتبها دويل ونشرها خلال سبعة أسابيع فقط، نموذجًا للروايات المشوّقة. إذ تقوم على بناء درامي من ثلاثة فصول، أشبه بالمستخدم اليوم في أفلام هوليوود. ولا تعتمد الرواية على سؤال “من ارتكب الجريمة؟”، إذ يُكشف اسم الجاني بعد نحو ثلثي الأحداث، بل على سؤال “كيف ارتُكبت؟”، وما حقيقة ذلك الوحش الغامض المتجوِّل في المستنقعات؟

وتقول بوني ماكبيرد، كاتبة سيناريو سابقة في هوليوود ألّفت ستًا من أكثر مغامرات هولمز مبيعًا:
“من الغريب أن يبدو أسلوب كونان دويل سينمائيًا إلى حدّ بعيد. فعلى عكس معظم معاصريه ومعاصراته، يكثر من استخدام الحوار، بينما تأتي أوصافه موجزة ولا تُنسى. كما يرسم المشهد بسرعة، ثم يدفع بالأحداث إلى الأمام بزخم سردي يشبه ما نراه في الأفلام”.

لكن أكثر ما يجذب المعجبين المعجبات علاقة هولمز بواتسون. فهي إحدى أشهر ثنائيات الصداقة في الأدب؛ شخصان مختلفان تمامًا، لكن يصعب تخيل أحدهما دون الآخر. أما زوجات واتسون، البالغ عددهن خمسًا ربّما، فيدخلن حياته ويخرجن منها دونَ ذكر أسمائهن، بينما يبقى شرلوك حاضرًا فيها على الدوام.

ويقول جويل هوروود، كاتب المسرحية التي قدمها مسرح ريجنتس بارك المفتوح: “هولمز شخصية مكتملة إلى حدّ يجعل الكتابة عنها بحدّ ذاتها، متعة. الأمر أشبه باللعب بألعاب كونان دويل. لكن التحدي الأكبر هو لم يعد هولمز ملكًا لكاتبه، بل أصبح، وعن حقّ، ملكًا للجمهور. فقد ابتكر كونان دويل شخصية أحبها الناس إلى درجة أنّه لم يستطع، حتى هو نفسه، القضاء عليها”.

ولم تعد شخصيّة هولمز تحت سيطرة آرثر كونان دويل بالكامل، حتى خلال حياته. انظر، أو انظري، إلى صورته الشهيرة؛ فأبرز ملامحها لم يبتكرها هو. فقد أضاف سيدني باجيت، رسام مجلة “ذا ستراند”، إليه قبّعة الصيد الشهيرة. بينما كان ويليام جيليت، صاحب فكرة الغليون المنحني المرتبط به هولمز، أوّل من جسّد الشخصية على خشبة المسرح.

وأما بالنسبة إلى محبي شرلوك هولمز ومحبّاته، فليست الأعمال المقتبسة للشاشة محلّ اتّفاق دائم. فقد صُمم مسلسل شرلوك الذي أنتجته “هيئة الإذاعة البريطانية” (BBC)، وقام ببطولته بينيديكت كامبرباتش، وفيه إشارات كثيرة يستمتع بها المعجبون والمعجبات. ففي الحلقة الأولى، مثلًا، تظهر حبكة تدور حول تغيّر موضع إصابة واتسون، في إشارة إلى أحد التناقضات الشهيرة في القصص الأصلية. أما الآراء حول مسلسل شرلوك الشاب، خلال اجتماعات الجمعية، فيمكن وصفها، بلطف، بالمتباينة.

ومع ذلك، يستطيع صنّاع هذه الأعمال وصانعاتها الاحتجاج بأنّ مؤلف الشخصية نفسه منحهم هذه الحرية. فعند سؤال ويليام جيليت دويل إن كان بإمكانه تزويج هولمز في المسرحية، أجابه: “يمكنك تزويجه، أو قتله، أو فعل ما تشاء به”.

وبينما كنا نواصل مناقشة هذه الأسئلة حتى وقت متأخر من الليل في حانة الفندق، أدركت أنّ ادعائي بأنني مجرد مراقب محايد لم يكن سوى خداع للنفس. فهناك سبب جعل زوجتي، قبل عشرين عامًا، تهديني النسخة الكلاسيكية من مسلسل غرناطة على أقراص DVD، وسبب يجعل كتب هولمز أول ما أحمله إلى أي هاتف جديد، وسبب لوجود صورة لي وأنا أقرأ قصة “فضيحة في بوهيميا” لابني يوم وُلد. واتّضح أنني لست الوحيد.

وبينما كنا نقف عند شلالات رايشنباخ، نشاهد هولمز وموريارتي يتصارعان أمام عدسات الكاميرات، ظهرت شابة صينية ترتدي قبّعة الصيد الشهيرة. وكانت طالبة في جامعة مانشستر، وقد اختارت ذلك الأسبوع لتقوم برحلتها الخاصة إلى مكان موت بطلها. وعند رؤيتها هولمز مجسدًا أمامها، وقفت عاجزة عن الكلام. وبعد أكثر من قرن على محاولة مبتكره إنهاء قصته، لا يزال شرلوك هولمز قادرًا على ترك الأثر نفسه في نفوس الناس.

حقوق النشر محفوظة لفاينانشال تايمز 2026

ترجمة: حسن حرزالله

مراجعة: ريم حسونة

التدقيق اللغوي: لمياء الواد

قراءة معمّقة

الأكثر مناقشة

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"

يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

SWI swissinfo.ch - إحدى الوحدات التابعة لهيئة الاذاعة والتلفزيون السويسرية

SWI swissinfo.ch - إحدى الوحدات التابعة لهيئة الاذاعة والتلفزيون السويسرية