معادلة صعبة: الجامعات السويسرية بين الانفتاح العلمي وحماية الأمن القومي
تقوم المؤسسات البحثية في سويسرا بمراجعة إجراءات تحرّي خلفيات الأكاديميين الأجانب، وذلك في ظل نظام رقابي غير متكامل يواجه تحديات متزايدة نتيجة لمخاطر التجسس، خاصة من الصين وروسيا، واستهداف القدرات العسكرية والتجارية.
للحد من التجسس في مجالات التكنولوجيا المتقدّمة، تخطط الجامعات السويسرية لتعزيز آليات التحرّي عن الكوادر البحثية الأجنبية، والطلبة الأجانب. ويأتي هذا الإجراء بعد عام على توقيف أكاديمي إيراني بشبهة تزويد إيران بأنظمة ملاحة لاستخدامها في الطائرات المسيّرة، والصواريخ.
ففي ديسمبر الماضي، وبطلب من الولايات المتحدة رابط خارجي، اعتقلت السلطات الإيطالية محمد عابديني، أكاديمي عمل لسنوات رابط خارجي في المعهد التقني الفدرالي العالي في لوزان. وفي شبه صفقة تبادل، عاد عابديني إلى إيران بعد إفراج طهران عن صحفية إيطالية، اعتقلتها عقب توقيفه.
وتقترح رابطة الجامعات السويسرية (Swissuniversities)، اعتماد استراتيجية وطنية لحماية المعارف الحساسة، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمية، والتكنولوجيا الحيوية، ومنع الخصوم من استخدامها عسكريًّا.
وقال غونتر ديسرتوري، رئيس المعهد التقني الفدرالي العالي في زيورخ، وقائد فريق العمل الذي أعدّ المقترح: “تمثّل الجامعات في أنحاء العالم أهدافًا لأجهزة الاستخبارات والوكالات الحكومية الأخرى، خاصة عندما تكون التكنولوجيا المتطورة، عنصرًا أساسيًا في البحث العلمي”.
ووفقًا لتقرير،رابط خارجي نشره جهاز الاستخبارات الفدرالي السويسري عام 2025، تتصدر الصين وروسيا، أكبر تهديدات التجسس في أوروبا. وأفاد التقرير إقامةَ البلدين في سويسرا شبكات سرّية تستهدف منظمات، منها “الكليات، والجامعات، ومؤسسات البحث العلمي”.
ولمواجهة التهديدات، تقترح الاستراتيجية إنشاء “وحدة أمن المعرفة” في كل جامعة، تضطلع بتقييم المخاطر عند رغبة الكوادر البحثية في التعاون، أو تبادل المعلومات مع شركاء من دول عالية المخاطر. وتقدّم المشورة بشأن القيود على البيانات الحساسة، وتشارك التكنولوجيا.
كما يبحث المقترح فرض قيود على نفاذ الكوادر البحثية الزائرة إلى بعض النظم المعلوماتية والمختبرات وقواعد البيانات.
وتقترح الخطة تأسيس مركز وطني لتنسيق تبادل المعلومات بين الجامعات، وذلك لتوفير إرشادات موحدة عند رصد التهديدات المتعلقة بالهجمات السيبرانية على مختبرات التكنولوجيا الحيوية. كما تدعو إلى توحيد معايير القبول والتوظيف واستقبال الباحثين الزائرين، بالإضافة إلى تعزيز التعاون الدولي وتبادل ملفات الطلبات ذات المخاطر العالية بين الجامعات.
وبذلك، لا يمكن تكرار تقديم الطلبات إلى مؤسسات مختلفة، لاستغلال تفاوت إجراءات التدقيق. إذ يحول الرفض في إحدى الجامعات دون التقدّم إلى سائر الجامعات السويسرية.
المزيد
لماذا تشدّد الجامعات السويسرية تدابير مكافحة التجسس العلمي؟
انعكاسات التدقيق الأمني على قبول الطلبات
وتأتي الاستراتيجية المقترحة بعد عام على إعلان المعهد التقني الفدرالي العالي في زيورخ تحديث إجراءات التدقيق الأمني. وتهدف إلى منع تسرب التكنولوجيا أو المعارف الحساسة، إلى دول خاضعة للعقوبات أو عالية المخاطر مثل روسيا، وإيران، وسوريا، والصين، واستخدامها لأغراض مدنية وعسكرية، على حد سواء.
وأفاد المعهد بخضوع الطلبات القادمة من هذه البلدان، أو في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، وتقنيات النانو، وأنظمة تحديد المواقع (GPS)، والاتصالات، بالفعل لتدقيق معمّق. وقد تلقى الرفض.
المزيد
جامعة سويسرية مرموقة تتحرّى الخلفيات الأمنية للطلبات القادمة من الصين!
ومنذ ذلك الحين، راجع المعهد نحو 1،250 طلبًا ضمن آلية التدقيق، ورفض أكثر من 80 منها، وفق ما نقلته صحيفة “نويه تسورخر تسايتونغ أم سونتاغ رابط خارجي” (NZZ am Sonntag) في أكتوبر. أمَّا المعهد التقني في لوزان، فقد رفض 48 طلبًا رابط خارجي هذا العام.
من سياسات متفرّقة إلى تنسيق وطني موحّد
في الوقت الراهن، تتباين ممارسات التدقيق في خلفيات الطلبة الأجانب في مختلف أنحاء سويسرا. وبحسب صحيفة نويه تسورخر تسايتونغ أم سونتاغ، لم يقدم عددٌ كبيرٌ من المؤسسات التعليمية والبحثية تفاصيل واضحة حول إجراءاته الأمنية. فيما اكتفى بعضها بمعلومات “مبهمة”.
وأفادت جامعة برن لسويس إنفو ، بتعديلها سياساتها في يوليو الماضي، آخذة مخاطر تسرب التكنولوجيا في الاعتبار. وباتت التعيينات الجديدة وزيارات الكوادر البحثية الأجنبية، تخضع لمراجعة للتحقق من الامتثال للعقوبات، والحظر، وقواعد مراقبة الصادرات. ويعكس هذا التغيير تحوّلًا في نهج الجامعة؛ إذ صررابط خارجيّرابط خارجيحترابط خارجي رابط خارجيالعام الماضي لصحيفة محلية باقتصار عمليات التقييم فيها على الكفاءة اللغوية، والمؤهلات التعليمية.
ويقترح فريق العمل التابع لرابطة الجامعات السويسرية، توحيد السياسات على مستوى القطاع.
ويوصي باعتماد النموذج الهولندي، وإنشاء مكتب مركزي يربط الجامعات بالسلطات الحكومية والأجهزة الأمنية، ويتولى تنسيق تبادل المعلومات بشكل آمن، إضافة إلى تنسيق تدابير الاستجابة للتطورات المستجدّة.
وتواجه هولندا وسويسرا، التحديات ذاتها في الموازنة بين الانفتاح على البحث العلمي الدولي، والحفاظ على الأمن. وهما دولتان صغيرتان تحتلان موقعًا ضمن المراكز العشرة الأولى في مؤشر الابتكار العالمي لعام 2025رابط خارجي، صدر عن المنظمة العالمية للملكية الفكرية.
وفي عام 2022، أنشأت هولندا مركز اتصال وطني لأمن المعرفة (Loket Kennisveiligheid)رابط خارجي، لمساعدة المؤسسات على التعامل مع مخاطر مثل التجسس، والنفوذ الخفي.
أمَّا في سويسرا، فلا يزال النظام الحالي يعتمد على مبادرات الجامعات نفسها، ما يجعل مستوى الحماية متفاوتًا تبعًا لوعي المؤسسة وقدراتها.
وفي مقابلة منشورة على موقع المعهد التقني الفدرالي العالي في زيورخ، قال السيد ديسرتوري إن إنشاء مركز وطني لن يضع فقط معايير موحّدة ويضمن عدم تهميش المؤسسات الأصغر، بل سيسهم أيضًا في الحد من ازدواجية الجهود.
وأضاف ديسرتوري أن “ذلك قد يساعد على تحقيق توازن بين التزام سويسرا بانفتاحها العملي، وتجنّب تسربات خطيرة للتكنولوجيا المتقدمة”.
تحرير: توني برّيت
ترجمة: ريم حسونة
التدقيق اللغوي: لمياء الواد
المزيد
نشرتنا الإخبارية المتخصصة في الشؤون الخارجية
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة
المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"
يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!
إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.