Navigation

أزمة دارفور .. الإشارات المتناقضة

نائب وزيرة الخارجية الأمريكية روبرت زوليك في لقاء أجراه مؤخرا مع زعماء أكبر القبائل العربية في إقليم دارفور (غرب السودان) يوم 10 نوفمبر 2005 Keystone Archive

الإشارات الواردة من دارفور غرب السودان متضاربة من حيث المعانى والمسارات ما يعنى أن الأزمة فى الإقليم ما زالت مستمرة، وأن التوصل إلى نهاية مقبولة لها لا زالت بعيدة.

هذا المحتوى تم نشره يوم 18 ديسمبر 2005 - 05:00 يوليو,

أما الأخطر، فهو أنها قد تجلب المزيد من المتاعب لبعض أطرافها، لاسيما الحكومة السودانية التى قد تواجه بعقوبات أمريكية ودولية على السواء فى مدى زمنى قريب.

الإشارات الواردة من دارفور وحولها وعنها تحمل الكثير من التضارب بل والتناقض الشديد.

ففي الوقت الذي تجرى المفاوضات بين وفد الحكومة ووفدى حركتى التمرد فى العاصمة النيجيرية أبوجا دون علامة واحدة على تحقيق تقدم مهم، تعلن حكومة الخرطوم عن إشادتها بتقرير وفد المحكمة الدولية الأولى أمام مجلس الأمن لكونه منصفا ومتوازنا..

في المقابل، تلقي بيانات كوفى عنان حول الوضع فى الإقليم الشك على حدوث أى تحسن فى الوضع الإنسانى، بل تؤكد تدهوره بشدة، فى حين تعلق بعثة الأمم المتحدة فى الإقليم عمليات توصيل معونات الإغاثة إلى غرب دافور بالطائرات بعد تهديدات تلقتها من منظمة متمردة جديدة.

أما في واشنطن، فيطالب مجلس النواب الأمريكى بقرار دولى لفرض عقوبات على السودان ويطالب الإدارة بعقوبات أمريكية أشد.

مثل هذه الإشارات المتضاربة من حيث المعانى والمسارات تعنى أن الأزمة فى الإقليم ما زالت مستمرة، وأن الحديث عن نهاية مقبولة لها يتطلب السير فى طريق طويل جدا قبل التوصل إلى نقطة مقبولة من الجميع، بل الأخطر أنها قد تجلب المزيد من المتاعب لبعض أطرافها، لاسيما الحكومة السودانية التى قد تواجه بعقوبات أمريكية ودولية على السواء فى مدى زمنى قريب.

مفاوضات متعثرة

ففى مفاوضات العاصمة النيجيرية أبوجا، والتى تجرى جولتها السابعة يفقد المفاوضون بوصلة التفاوض نفسها، فبعد الاستقرار بمساعدة من الاتحاد الإفريقي على وضع جدول أعمال محدد للتفاوض، وبعد مفاوضات معقولة فى بند قسمة السلطة، إذا بالأمر يتجمد دون التوصل إلى شئ محدد، ويتم الانتقال إلى نقطة أخرى وهى قسمة الثروة. ومثل هذا الانتقال من بند إلى آخر دون حسم أى منهم يشير إلى قدر من عدم الجدية وتعمد الهروب من التوصل إلى التزامات محددة فى مجال بذاته.

يبدو عدم الجدية واضحا فى تقديم مقترحات ومطالب فيها الكثير من المبالغة ويعلم مقدمها أن الطرف الآخر لن يقبلها، وحتى الأفكار التوفيقية التى يقدمها الوسطاء الأفارقة لم تسلم من الرفض والمطالبة بتعديلها على نحو أو آخر.

وكان من بين مطالب حركتى التمرد أن يعين الرئيس نائبين له أحدهما من الجنوب والآخر من دارفور، وكأن باقى مناطق السودان لا حق لها فى وصول أحد أبنائها إلى منصب نائب الرئيس، كما طالبت أيضا أن يكون النائب الأول من دارفور فى حالة إذا كان الرئيس المنتخب من الجنوب، وأن يعاد تشكيل إدارة العاصمة الفيدرالية فى الفترة الانتقالية على أن يكون حاكم العاصمة من دارفور أيضا. وهى مقترحات لم يقبلها الوفد الحكومى.

مطالب واقعية للوسطاء

وبينما انطوت ورقة الوساطة الأفريقية على مقترحات معقولة ومناسبة، رفضتها حركتا التمرد وطالبتا بالانتقال إلى بند قسمة الثروة.

وتضمنت هذه المقترحات الإفريقية إنشاء مجلس إقليمى تنسيقى لدارفور تمثل فيه حركتا العدل والمساواة وتحرير السودان بصفة عادلة، وان يُعطى اعتبار مناسب لتمثيل المناطق المختلفة فى التشكيلة الرئاسية خلال الفترة الانتقالية وما بعد الانتخابات، وان يُعين مساعدا لرئيس الجمهورية ومستشارا من الإقليم ترشحهما الحركتان، وتكون مهمتهما المساعدة فى تنفيذ اتفاق السلام. وبشأن العاصمة القومية تضمنت المقترحات أن تعكس إدارتها التنوع الحاصل فى البلاد.

وتبدو هذه المقترحات متوافقة مع الدستور الانتقالى المبنى أساسا على اتفاقية نيفاشا بين الحكومة والحركة الشعبية لتحرير السودان والذى يمثل أساس الحكم فى الفترة الانتقالية للسنوات الست المقبلة. ويأتى رفض حركتى التمرد لها فى ظل رغبة فى تجاوز الدستور الانتقالى ومن ثم إعادة الأمور كلها إلى نقطة الصفر، وهو ما يبدو مطلبا يتجاوز كل حدود الواقعية السياسية الممكنة.

الأوضاع الإنسانية .. تدهور مستمر

جمود المفاوضات وتعثرها يرافقه الكثير من تدهور الأوضاع الإنسانية، صحيح هنا أن الحكومة المركزية تشير إلى تحسن الوضع نسبيا عما كان عليه قبل عام مثلا، وتشير إلى جهودها فى هذا الصدد سواء على صعيد التعاون مع المنظمات الإنسانية وبعثة الأمم المتحدة وأيضا إلى جهودها الأمنية والقضائية فى محاسبة وملاحقة المسئولين عن الهجمات على المدنيين.

لكن هذا التحسن يبدو محدودا وليس بقادر على تجاوز سقوف معينة هى محدودة بطبيعتها. فالصراعات القبلية وتصفية الحسابات والهجمات من قبل عصابات على القوافل الإغاثية لم يتوقف، وأعمال اللصوصية حسب تعبيرات كوفى عنان فى تقرير له لمجلس الأمن الدولى باتت اكثر انتشارا.

وتؤكد التقارير الصادرة عن مراقبين مختلفين حدوث انتهاكات جسيمة بحق المُرحلين من مناطقهم، وتدفع المرأة السودانية هنا ثمنا باهظا لمثل هذه الانتهاكات. فى حين تهدد بعثة الأمم المتحدة بوقف عمليات الإغاثة فى مناطق الغرب نظرا للتدهور الامنى الحادث هناك والتهديدات التى تردها بقصف طائرات الأمم المتحدة.

مسئولية حركتى التمرد

وإذا كانت الحكومة وقواتها عاجزة عن مد حمايتها للمدنيين فى المناطق التى تسيطر عليها قوات حركتى التمرد، فإن هاتين الحركتين إضافة إلى حركات أخرى آخذة فى الظهور، مثل الحركة الوطنية للإصلاح والتنمية المسلحة، تعد مسئولة عن انتهاكات جسيمة بحق المدنيين مثل عمليات الخطف والاغتصاب والسلب والنهب، سواء فى مخيمات المُرحلين أو فى القرى والمدن المختلفة فى الغرب وفى الشمال.

كما أن هذه الحركات لم تلتزم بعملية إعادة الانتشار المطلوبة منها والانسحاب من الأماكن المدنية وفقا للاتفاق الامنى الموقع فى إبريل 2004 فى تشاد ولقرارات اللجنة المشتركة والاتحاد الإفريقى، وتصر على البقاء فى مناطقها استنادا إلى قناعة أن هذا التواجد العسكرى بين المدنيين يعطيها ميزات اكبر فى المفاوضات مع الوفد الحكومى. أو بعبارة أخرى تعمل على وضع المدنيين فى حال رهائن فعليين، بما يفيدها فى الحصول على تنازلات حكومية، وهو ما يمثل ابتزازا إنسانيا شديد الوطأة.

هذا الوضع الإنساني المتدهور بشدة عكسه تقرير منظمة هيومان رايتس ووتش الأمريكية الصادر فى 12 ديسمبر الجارى، والذى وثق مختلف الانتهاكات واعتبرها جرائم فى حق الإنسانية وجرائم حرب، وطالب بالتحقيق مع مسئولين كبار فى الحكومة السودانية منهم الرئيس البشير ونائبه ووزيرى الدفاع السابقين وعدد من القادة المحليين فى الإقليم، لكن التقرير لم يشر إلى مسئولى حركات التمرد ودورهم المتصاعد فى هذه الانتهاكات، وهو ما يعكس نوعا من اللاتوازن.

وإذا كانت الحكومة السودانية رفضت التقرير ومطالبه واعتبرت انه يتناقض مع مساعى عقد مؤتمر أهلي جامع فى الإقليم، استنادا إلى التقاليد القبلية الراسخة فيه، كأحد سبل احتواء مختلف عناصر الأزمة، فإن الواقع يقول أن مثل هذه الجهود على الرغم من أهميتها وتناغمها مع التقاليد السائدة فى الإقليم، فإنها عاجزة عن تقديم صيغة شاملة لوقف التدهور الإنسانى الامنى، ومن ثم تظل هناك مسئولية أكبر على الحكومة سواء فى الخروج من الأزمة أو فى تصاعدها.

عقوبات أمريكية صارمة

المسئولية المحلية المؤكدة فى تدهور أوضاع الإقليم لا تنفى وجود مسئولية دولية أيضا وراء هذا التدهور، فالسياسة الأمريكية التى تمسك بالكثير من قواعد اللعبة الدولية لا يهمها سوى توقيع عقوبات والتلويح بالتهديدات وحسب، وتمانع فى الآن نفسه تقديم المعونات المناسبة ماليا وإنسانيا واقتصاديا حتى من اجل إنجاح السلام فى الجنوب والذى من شأنه أن يساعد بقوة فى إنجاح جهود السلام فى بقاع سودانية أخرى.

تبدو فلسفة العقاب الأمريكية الشهيرة بارزة اكبر فى مطالب مجلس النواب الأمريكى لما يسمى "قانون محاسبة دارفور"، والذى يطالب بفرض عقوبات أمريكية شاملة على الحكومة السودانية والأفراد المتهمين بانتهاكات وعلى عوائد وصناعة البترول السودانية وعلى من يستخدمها من غير السودانيين أيضا، وبفرض حظر شامل على الأسلحة لحكومة الخرطوم وحركتى التمرد، وبتعيين مبعوث أمريكى تكون مهمته متابعة ما يسمى "السلام فى الجنوب وفى دارفور وفى المناطق السودانية المهمشة الأخرى"، وهى أول مرة يستخدم فيها هذا التعبير بصفة رسمية، إضافة إلى منع المسئولين السودانيين والأفراد المتهمين من دخول الولايات المتحدة.

خطوات نحو الأسوأ

ويأتى هذا التوجه العقابى فى ظل استخدام مفهوم أن ما يجرى فى الإقليم هو "أعمال إبادة"، وليس فقط أعمال وحشية، وهو تطور درامى يعنى إصرارا أمريكيا على التصعيد بدلا من المساهمة فى خلق بيئة دولية وإقليمية تعمل على تهدئة الوضع من خلال تفهم ما يجرى على حقيقته، ومساعدة أهله وأبنائه على لفظ التمرد المسلح والتمسك بمفاوضات جادة بين الممثلين الحقيقيين للإقليم والحكومة السودانية، وتقديم المساعدات الفنية والمالية والاقتصادية للاتحاد الإفريقى لكل يكمل مهمته فى التوصل إلى اتفاق سلام حقيقى قابل للحياة والتطبيق ويعكس التوازن الممكن بين المطالب والإمكانيات المتاحة.

وفى ظل توجه عقابى أمريكى كهذا، وضعف إمكانيات الاتحاد الإفريقي ولا مبالاة الاتحاد الأوروبى فى تقديم المساعدات الاقتصادية المطلوبة لدعم السلام فى السودان ككل، ومماحكات وانقسامات حركات التمرد فى الإقليم، وبطء الحكومة السودانية فى إجراءاتها، وقلة الجدية فى الخطوات المتخذة، يصبح الإقليم معرضا لكل شئ، وما التدهور الامنى الحاصل إلا مجرد مقدمة لما هو أسوأ، سواء للسودان ككل أو للإقليم بوجه خاص.

د. حسن أبوطالب - القاهرة

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.