تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

أفغانستان بين الاشراف الدولي والهم الداخلي

تشير التقديرات الأولية إلى أن عملية إعادة إعمار أفغانستان تحتاج إلى دعم مالي يقارب خمسة مليارات دولار سنويا

(Keystone)

أن الحرب في أفغانستان لم تنته بعد، ومعركة بناء أفغانستان تظل حربا مستمرة، على الأقل بالنسبة لأهالي أفغانستان، فالأمن والاستقرار والسلام والازدهار وإعادة الأعمار مازالت أحلام بعيدة الأمل.

من المبكر الحكم على الإدارة المؤقتة بزعامة حامد كارزاي، وتقييم دورها في ترتيب الوضع الداخلي الأفغاني إلا أن جميع المؤشرات غير سارة. فهناك صراع داخلي على السلطة ظاهر للعيان وسط الطامحين للسياسيين الجدد في إدارته، ومقتل وزير النقل والسياحة الأفغاني يصب في هذا الإطار، رغم تضارب الأسباب والدوافع وراء عملية اغتياله، إلا أنها جزء من الأزمة الحقيقية داخل الإدارة الحاكمة علماً أن عملية اغتياله تمت على مرأى من القوات المتعددة الجنسيات المحدودة الصلاحية.

ويرى البعض أن ذلك من شأنه أن يعيق الجهود المبذولة من القادة الأفغان داخل البلاد للوفاق الوطني وفتح صفحة جديدة من العلاقات الأخوية بين أبناء الشعب الواحد بعيدا عن مشاعر الحقد والضغينة التي خيمت على أفغانستان في الآونة الأخيرة.

ويترتب على المجتمع الدولي مسؤولية جّمة إذا ما أرادت حقا لهذا البلد أن يستقر وينعم بالأمن والاستقرار، والابتعاد عن العقلية الاستعمارية في دعم الأقلية ضد الأغلبية من السكان، رغم أن وثيقة مؤتمر بون تنص على عكس ذلك.

ومن المؤشرات السلبية الأخرى الاعتداءات المتكررة على القوات المتعددة الجنسيات والاقتتال بين الفصائل الأفغانية التي كانت آخرها في منطقة بكتا وبين أنصار وزير الدفاع الجنرال محمد فهيم ونائبه الجنرال عبد الرشيد رستم، وكذلك تدخل القوات الأمريكية الجوية في ضرب القوات المعادية لإدارة حامد كرزاي، رغم أن واشنطن لم تغير من سياستها تجاه أفغانستان حسب تصريحات مسئوليها ولا حتى من استراتيجيتها بالاحتفاظ بقواعد عسكرية دائمة في أفغانستان وضمان حكومة أفغانية علمانية موالية للغرب مقابل تنفيذ التعهدات بتقديم المعونات المالية لإعادة إعمار أفغانستان.

هذا ويجدر بالذكر أن المجتمع الدولي لم يوف بالتزاماته و لم تحصل كابول بعد على أية مساعدات مالية من الدول المانحة التي تعهدت بذلك في مؤتمر طوكيو سوى منحة رمزية من دولة الإمارات العربية المتحدة تقدر بحوالي 1.5 مليون دولار في بلد يحتاج لخمس مليارات دولار على الأقل سنوياً لإعادة إعماره.

احتمال عودة الاقتتال وارد

ويخيم هدوء حذر على الشارع الأفغاني واحتمالات نشوء حرب بين الفصائل الأفغانية ما زالت قائمة وتقوم أطراف عدة بتغذية ذلك، إذ من مصلحتها استمرار حالة الفوضى داخل البيت الأفغاني بحجة البحث عن أنصار الطالبان وتنظيم القاعدة والقضاء عليهم. لكن الجميع يدرك أن نظام الطالبان اعتمد على قبائل البشتون والقندهاريين بشكل خاص في حكمه الذي ينتمي إليهم زعيم الحركة الملا محمد عمر، وهذا يفسر سبب استمرار التعاطف داخل الأغلبية من البشتون للطالبان، ليس حباً بهم، ولكن خوفاً من هيمنة الأقليات العرقية المدعومة من قبل التحالف الغربي بعد الانتصارات التي حققتها بحماية من طائرة أنبوب الدخان الأبيض (B-52) كما يطلق عليها الأفغان لأعمدة الدخان التي تخلفها وراءها هذه الطائرات في أجواء أفغانستان.

هذا السخط والاستياء للتمييز في المجتمع الأفغاني من قبل التحالف الشمالي ومعاملة قبائل البشتون على أنها مهزومة إضافة إلى الدعم اللامحدود للتحالف الشمالي المنتصر أبقى مسألة الاقتتال بين الفصائل الأفغانية قائما وما يجري على الساحة الأفغانية الآن هو مخاض طبيعي لهذه السياسة الفاشلة. والمشكلة هو أن الاهتمام الغربي بأفغانستان بدأ يتلاشى وحتى وسائل إعلامها فقدت اهتمامها بما يجري داخل أفغانستان وابتعدت عن تغطية مخاطر هذه السياسة المدعومة من الغرب بينما كرّست اهتماماتها لأحداث تجذب القارئ في البلاد الغربية لمتابعتها غير مكترثة حكوماتها إن كانت الحكومة الأفغانية طاجيكية أم أوزبكية في تكوينها طالما أنها موالية لها ومتجاوبة لمطالبها.

وباختصار فإنه مما يساهم في تعقيد الوضع في أفغانستان ويقف عائقا أمام ترتيب البيت الأفغاني يتمثل في المشاكل والمعوقات التالية: : أولا، الصراعات الداخلية والاغتيالات السياسية. ثانيا، الصلاحية المحدودة لقوات المساعدات الأمنية الدولية. ثالثا، إبعاد المجاهدين الأفغان عن صناعة القرار. ورابعا، التلكؤ بإرسال الإمدادات المالية لإعادة إعمار أفغانستان.

كارزاي والمهمة الشاقة

يسعى رئيس الإدارة المؤقتة حامد كارزاي إلى زيادة عدد القوات الدولية في البلاد وتوسيع دورها إلى عدة مدن أفغانية لمنع الاقتتال والعمل على نزع السلاح من الفصائل الأفغانية. وبدأت هذه القوات فعلا بتدريب 200 متطوع في الحرس الوطني الأفغاني، وتأمل أن يلتحق 400 متطوع آخر خلال الأيام القليلة القادمة كجزء من وثيقة مؤتمر بون حول أفغانستان للسعي على تشكيل جيش أفغاني نظامي وضم بعض فصائل الميليشيا إلى صفوف الجيش، وإن كانت مسألة اختبار هذه الفصائل تخضع لقرارات الإدارة الانتقالية.

لكن الشيء المؤكد أن هناك خطوطا عريضة حمراء يجب ألا يتم تجاوزها وهي إبعاد المجاهدين الأفغان عن أي دور سياسي في مستقبل أفغانستان أو انخراطهم في صفوف الجيش الأفغاني المزمع تشكيله، ووثيقة بون وفرت العصا الدولية لمن يخالف من هذه الفصائل الخضوع للسلطة الأفغانية الجديدة وسيادتها، ولذلك فإن البعض يرى أن واشنطن بدخولها أفغانستان بهذه العقلية العسكرية الجديدة فإنها زرعت بذور مآزق سياسية وعسكرية جديدة على غرار ما تمخضت عنه حرب الخليج من عداء متنام للتواجد الأمريكي في منطقة الخليج العربي.

ولهذا فإن التحديات أمام الحكومة الأفغانية الجديدة لا تحصى ومن أهمها:

-الإسراع بعقد اجتماع مجلس الأعيان (اللويا جيرغا) للبت بمستقبل البلاد
-وضع دستور للبلاد
-وضرورة إقناع المجتمع الدولي بالتعامل مع أفغانستان كدولة ذات هوية سياسية واجتماعية واحدة.
-الإسراع بإرسال المساعدات المالية من قبل الدول المانحة لدفع المستحقات للموظفين وإعمار البنية التحتية كي يكون بمقدور الإدارة الانتقالية بسط نفوذها في كافة أرجاء البلاد.

ومن شأن ذلك أن يوفر فرص العمل للآلاف من العاطلين عن العمل من أبناء الشعب الأفغاني وبالتالي التخلي عن السلاح والمساهمة الحقيقية في إعادة إعمار أفغانستان.

د. وائل عوّاد- نيودلهي

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×