تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

أكراد العراق والوهم الأمريكي

تحول السفير بول بريمر في الأيام الأخيرة من مهمته في بغداد لزيارة الزعماء الأكراد في شمال العراق (في الصورة: اجتماع في أربيل مع مسعود البرزاني يوم 22 يونيو 2004)

(Keystone)

تتيح قراءة متمعنة في الرسالة التي وجهها الزعيمان الكرديان مسعود البارزاني وجلال الطالباني يوم 8 يونيو إلى الرئيس الأمريكي جورج بوش الخروج باستنتاجات عدة.

وتتعلق الرسالة، التي وصفها البعض بالتاريخية، بمستقبل العراق عموما وموقع أكراده في خدمة المصالح الأمريكية في عموم المنطقة.

في هذه الرسالة "التاريخية"، يـذكـر البارزاني والطالباني صديقهما الأمريكي بالخدمات التي قدماها شخصيا في القتال إلى جنب قواته في الغزو الأخير الذي شنّـته على العراق، ثم يشيران له أن قواتهم المسلحة (البيشمركة) تكبّـدت من الخسائر عددا يفوق الذي تكبده أي حليف آخر، كما يذكِّرانه بأن الأراضي الواقعة تحت سيطرتهما لم تشهد إراقة دم جندي أمريكي واحد خلافا للأراضي الأخرى التي يسكنها العرب.

كما يتحدث الزعيمان الكرديان عن احتضانهما و(شعبهما) القيم الأمريكية السامية وترحيبهما بجنود المحرر الأعظم مجددين دعمهما اللا محدود لخططه في تحرير العراق، مع الإشارة الى ما تنازلوا عنه من حقوق وحريات من أجل تقديم العون لسلطة الاحتلال.

ورغم أن الرجلين يستعرضان، بقدر من المرارة، الخسائر التي تكبداها والشعب الكردي خلال أشهر الاحتلال، إلا أنهما يؤكدان أنهما سيبقيان مخلصين للولايات المتحدة حتى لو قابلت وفاءهما وإخلاصهما بالصد ونكران الجميل، على اعتبار أن مصير الطرفين مرتبط بوثائق وشيجة حيث أن انتصار الديمقراطية في أجزاء العراق الأخرى ناجم عن حلف الزعيمين الكرديين والولايات المتحدة، برغم أنهما يعلمان أن حلفهما، غير المقدس، مع واشنطن سيجعلهما هدفا للانتقام.

وبعد استعراضهما لكل ذلك، يدخل البارزاني والطالباني صلب الموضوع الجاد هذه المرة، ويحددا جملة من المطالب الصارمة يقف في المقدمة منها إدخال قانون إدارة الدولة الانتقالي في قرار مجلس الأمن رقم 1546، الذي كانت المداولات جارية بشأنه، أو الاعتراف به كقانون ملزم للحكومة الانتقالية قبل الانتخابات وبعدها وإلا، فإن انسحاب القيادات الكردية من الحكومة المركزية وحظر وجود ممثلي الأخيرة في كردستان ومقاطعة الانتخابات تصبح أمورا لا مفر منها.

ولأن الرجلان ربطا مصيرهما إلى الأبد بالوجود الأمريكي، فإن ذلك يتطلب تعهدا بحماية الشعب الكردي وحكومته (الوحيدة المنتخبة في العراق أبدا) إذا اضطرت الولايات المتحدة إلى سحب قواتها من العراق نتيجة الفوضى أو العصيان.

كما يطالبان بالأموال المستقطعة من حصة الأكراد في برنامج النفط مقابل الغذاء، وتخصيص نسبة عادلة من المساهمة الأمريكية في إعادة إعمار العراق، فضلا عن أنهما يحاولان دغدغة مشاعر الرئيس الأمريكي وحُـلمه المزمن بالنفط العراقي من خلال حثه على دعم جهودهما في استملاك وإدارة المصادر الطبيعية في الإقليم الكردي، وخاصة النفط.

وفيما يُشبه التأكيد لاتهامات أطراف عراقية وإقليمية لهما بالسعي إلى الإنفصال، فإنهما يطالبان بافتتاح قنصلية أمريكية في أربيل، وأن تشجع واشنطن حلفاءها الآخرين للقيام بعمل مماثل "لأن من المهم وفي مصلحة شعب كردستان المحافظة على علاقات وارتباطات مباشرة مع العالم، دون الاعتماد بالأساس على بغداد وحدها" مثلما جاء في نص الرسالة.

وأخيرا، يرفض طالباني وبارزاني المعايير العرقية والطائفية في اختيار أعضاء الحكومة العراقية مستقبلا، وهي المعايير التي نبعت منها بالأساس فكرة كتابة هذه الرسالة، القائمة على ضرورة فسح المجال أمام الأكراد لتبوء أحد منصبين، رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء، وقال لهما ممثل الرئيس الأمريكي، إنهما حكر على العرب السنة والشيعة.

بكل بساطة، يمكن القول أن هذه الرسالة تؤشر نقطة تاريخية بكل معاني الكلمة في العلاقة الكردية مع الولايات المتحدة وعلى صعيد علاقتهما بالداخل العراقي، ومع أن بعض السياسيين يقعون في خطأ جسيم بحصرهم أكراد العراق بالبارزاني والطالباني فحسب، إلا أنه لا مفر من الإشارة إلى أن الرجلين يمثلان، على نحو أو آخر، نموذجا من النماذج القيادية لأكراد العراق، إن لم يكونا النموذج الأوضح لاعتبارات شتى.

الرمال المتحركة

وما يلفت النظر في هذه الرسالة التي جاءت قبيل صدور القرار 1546 عن مجلس الأمن الدولي أن الزعيمين الكرديين التقليديين أحسا أن حلفهما مع الولايات المتحدة مبني على رمال متحركة ولا أسس ثابتة له، ألا أنهما لم يتّـعظا بتاريخ العلاقة الكردية - الأمريكية، تلك العلاقة الممتدة عبر عقود طويلة ذاق فيها أكراد العراق الأمرَّين من المواقف الأمريكية التي غرَّرت ببعض القيادات الكردية ودفعتها إلى انتهاج سياسات وتبني مواقف لا تخدم المصالح المشروعة للشعب الكردي ولا الوطن العراقي، ثم تخلـَّت عنها دون مقدمات، ودون وخزة ضمير.

وهنا تقفز إلى الذاكرة وصية الملا مصطفى البارزاني، رائد الحركة الانفصالية الكردية، والتي حذر فيها أكراد العراق من السياسات الأمريكية بقوله "إنه يصعب على حلفاء واشنطن تصديق وعودها وسياساتها الخارجية".

فبرغم أن إدارة بوش اعتمدت بشكل رئيسي على الحزبين الكرديين الرئيسيين في شمال العراق قبل حرب الإطاحة بصدام حسين ورأت فيهما الحليف الأقرب، إلا أن الروابط بين الطرفين وصلت إلى مفترقات حاسمة بإحساس تيارات سياسية وثقافية كردية بالخيانة من جانب واشنطن.

ويرى المثقف جان كورد أن رسالة الزعيمين الكرديين، وإن تكن حملت معاني الحزن والألم الكامنين في الأمة الكردية، إلا أنها عبَّرت عن دبلوماسية رقيقة وحذرة، مؤكدا على "ضرورة التأييد الشعبي المطلق لمواقف الطالباني والبارزاني وحريتهما في اتخاذ ما يرونه من قرارات بحسب مقتضيات رؤيتهما للمصلحة الكردية" على حد تعبيره، ويعتقد أن عدم تضمين القرار الدولي نصا يعتمد الفدرالية، "يفتح أمام الأكراد مجالا أوسع في ممارسة حقهم في تقرير المصير".

لكن الأمر ليس بهذه البساطة بكل تأكيد. فالقضية الكردية العراقية مثقلة باعتبارات شتى، محلية وإقليمية وربما دولية ايضا، ومن هنا، يمكننا ملاحظة تصريحات وزير خارجية تركيا عبد الله غول الذي أكد مؤخرا أن تركيا ستمنع انفصال أكراد العراق وستحُـول دون إقامة فدراليتهم.

أخطاء وأخطاء

لقد سقط الزعيمان الكرديان مرة أخرى في الفخ الأمريكي وارتكبا العديد من الأخطاء بعد أن بات موقفهما محسوما لا يمكن التراجع عنه. ومن بين أهم الأخطاء التي وقعا فيها، يمكن تأشير ما يلي:

* أظهر الرجلان تذمرهما من اعتماد سياسة المحاصصة والقبول بالصيغة الطائفية والعرقية في توزيع المناصب، بعد أن كانا حريصين على اعتمادها في مجلس الحكم الانتقالي المنحل، والوزارة السابقة واللاحقة ثم الحكومة الانتقالية والجيش وغيرها من المؤسسات، متناسين أن وجودهما في الحكومة المركزية قائم بالأساس على هذا المبدأ.

* الثقة المفرطة بالولايات المتحدة، رغم تكرار خيبات الأمل جراء سياساتها.

* اعتقادهما بضرورة ترتيب مكانة متميزة لهما في العراق الجديد بعد الدور الذي قاما به في الترتيب لغزو العراق والمشاركة الفعلية به، الأمر الذي أوقعهما في مصيدة الغرور إزاء التعامل مع القوى الأخرى في العراق، سواء التي قصر فعلها عن فعل البيشمركة الكردية أو تلك التي أحجمت أساسا عن المشاركة في الحرب.

* انتهاء مرحلة التعايش السلمي بين الفصائل السياسية العراقية بعد أن انطوت صفحة المعارضة من الخارج وبدأت مرحلة الاستحقاقات الفعلية وجني المكاسب وتقاسم النفوذ على أرض الواقع.

* الاعتقاد أن التعامل الأمريكي مع كيانهما القائم منذ عام 1991 يعني اعترافا بحكومتهما وسلطتهما، وليس استخداما لهما ضمن المخطط الاستراتيجي الأمريكي.

تصدع في العلاقات الكردية الشيعية

لا تنعكس تلك الرسالة على مسار العلاقات مع الولايات المتحدة فحسب، إذ تبعتها مواقف كردية متشنجة على الصعيد المحلي يقصد منها فرض "أمر واقع" على الساسة في بغداد، الأمر الذي استلزم تعهدات من هؤلاء بضمان موقع متميز، على نحو حقيقي، لأكراد العراق ترضية لهم وتمشية للأمر للحيلولة دون انفراط العقد الهش الذي يربط التشكيلة الحكومية الجديدة.

ويقول الساسة الأكراد إنهم بموافقتهم على العودة إلى بغداد رموا بالكرة في ملعب الحكومة العراقية. ويشير فرياد راوندزي، مسؤول الإعلام في الاتحاد الوطني الكردستاني إلى مدى الحرج الذي يواجه القادة الأكراد بين الاقتناع بوعود غازي الياور وإياد علاوي اللذان قال "إنهما أمسكا الكرة الكردية ومنعاها من التدحرج نحو الهاوية"، ومراعاة الشارع الكردي الذي يلقي باللائمة على الولايات المتحدة باعتقادهم "أن الأمريكان، وهم حلفاء الأكراد، تخلوا عنهم وسحبوا من تحت أقدامهم البساط بضعة أمتار" على حد تعبيره.

ويؤكد راوندزي على أن الأزمة الأخيرة المثارة حول تضمين القرار 1546 تأكيدا بشأن الفدرالية الاتحادية، كشفت عن "عدم اطمئنان القوى الكردية لحلفائها المقربين السابقين"، ويقصد الفصائل السياسية الشيعية الذين قلبوا كل التوقعات التي تحدثت عن أن الطرفين، الكردي والشيعي، "هما اللذين سيقرران مصير العراق الجديد"، حسب تعبيره.

ويعتقد المسؤول الكردي أن الطرفين، الكردي والشيعي، بحاجة إلى وقفة جادة لرأب الصدع الحاصل في هيكل علاقتهما، مشيرا إلى أن إرسال وفد إلى القادة الأكراد يمثل المرجع الشيعي الأعلى آية الله علي السيستاني الذي باتت مواقفه متطابقة تماما مع مواقف المجلس الأعلى للثورة الإسلامية، لن يكون كافيا لوحده في تصحيح مسار العلاقة بينهما.

وماذا بعد؟

أخيرا تشير التوقعات إلى أن المستقبل العراقي المفتوح على كل الاحتمالات سيشهد مزيدا من التصعيد على صعيد العلاقة الكردية بالمركز في بغداد، ذلك أن المراقبين يرون أن الساسة الأكراد لن يقتنعوا بما حصلوا عليه حتى الآن من مكاسب رغم ضخامتها، وسيسعون إلى ترسيخ ما هو طوع اليد تمهيدا لقفزة إلى الأعلى.

فهل ستنجح البراغماتية التي أتقن القادة الأكراد ممارستها في توجيه شراع الأمور نحو الاستقرار في العراق، أم أن الأكراد سيبقون دائما مثار أزمات وإشكالات في العراق المثقل بالجروح؟

مصطفى كامل ـ بغداد


وصلات

Neuer Inhalt

Horizontal Line


swissinfo en arabic en Facebook

دعوة للإشتراك في صفحتنا بالعربية على فايسبوك

تفضّلوا بالإنضمام إلى صفحتنا العربية على فايسبوك

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك