Navigation

اتفاقات اقتصادية من دون قيم سياسية مشتركة

المقر الرئيسي للإتحاد الأوروبي في العاصمة البلجيكية بروكسل Keystone

في عام 2005، اختتمت البلدان الاوروبية والمتوسطية عشرة أعوام من علاقات الشراكة وضعت خلالها شبكات اتفاقات ثنائية وآليات متعددة للتعاون الاقتصادي والحوار السياسي..

هذا المحتوى تم نشره يوم 02 يناير 2006 - 16:01 يوليو,

لكن دول ضفتي البحر المتوسط لم توفق في خلق بيئة اقليمية ينمو فيها التعاون المتعدد الاطراف خاصة في ما بين دول الجنوب.

أنهت البلدان الاوروبية والمتوسطية عشرة اعوام من علاقات الشراكة وضعت خلالها شبكات اتفاقات ثنائية وآليات متعددة للتعاون الاقتصادي والحوار السياسي لكنها لم توفق في خلق بيئة اقليمية ينمو فيها التعاون المتعدد الاطراف خاصة في ما بين دول الجنوب.

كما لم تكن الخطة كافية لتشجيع عملية السلام في الشرق الاوسط، بدليل الافرازات الخطيرة في الميدان، او حافزا لتعزيز فرص التنمية في بلدان الضفة الجنوبية مثلما يدل ضغط تيارات الهجرة والتوتر السياسي داخل اكثر من بلد في الضفة الجنوبية.

بل ان الحذر، مثلما برز في نهاية القمة الاولى الملتئمة في شهر نوفمبر الماضي في برشلونه، أصبح يسود علاقات الاتحاد مع بعض دول الجنوب التي تشتبه فيه رغبة التدخل في شؤونها الداخلية وإملاء الاصلاحات عليها.

واليوم، تقع على عاتق النمسا التي ستتولى رئاسة الاتحاد في النصف الأول من عام 2006، مسؤوليات تشخيص مسببات الفشل وشروط استعادة الثقة.

الخيبة الاوروبية

وتعد نتائج القمة الاولى التي عقدتها بلدان الاتحاد الاوروبي الـ 25 زائد رومانيا وبلغاريا مع بلدان جنوب شرق حوض البحر الابيض المتوسط، باستنشاء ليبيا، يومي 27 و 28 نوفمبر 2005 في برشلونه مقياسا للنظر في درجات اندفاع مختلف الاطراف والحكم على ما تحقق منذ انطلاق مسيرة الشراكة في نهاية شهر نوفمبر 1995 .

وقد يكون الحكم بخيبة النتائج اذا قيس بمعيار الحضور العربي والاوروبي مؤتمر برشلونه. ففي حين شارك قادة بلدان الاتحاد الاوروبي، منهم الرئيس الفرنسي شيراك والمستشارة الالمانية ميركيل ورئيس الوزراء الايطالي بيرلوسكوني ورئيس الوزراء البريطاني رئيس القمة توني بلير، فان غالبية البلدان العربية المتوسطية كانت ممثلة على مستوى رئيس الوزراء او وزير الخارجية، ما ترك اثرا سلبيا ملحوظا لدى الجانب الاوروبي والتساؤل لدى الكثيرين عن الاسباب الخفية التي جعلت الزعماء العرب يتغيبون عن اول قمة يعقدونها مع الاتحاد الاوروبي في تاريخ العلاقات الاوروبية المتوسطية.

ومع أن هناك لكل من قادة المغرب والجزائر وتونس ومصر ولبنان وسورية مبرراته وظروفه الخاصة التي اقتضت تغيبه عن المؤتمر لكن التغيب الجماعي أوحى - حسب مصدر ديبلوماسي كبير - "وجود تنسيق بين قيادات البلدان العربية المتوسطية من اجل التغيب عن مؤتمر القمة في برشلونه".

كما كانت الخيبة كبيرة بالنسبة لاسبانيا، البلد المضيف، وللاتحاد الاوروبي ككل، لأن تغيب قادة البلدان العربية المتوسطية عكس "رغبة في تسفيه السياسة الاوروبية" وأكد ايضا، في نظر بعض المراقبين، ضعف تاثير الاتحاد الاوروبي لدى شركائه في جنوب شرق الحوض المتوسطي.

وفي المقابل، أوضح ديبلوماسي عربي لسويس إنفو بان البلدان العربية أرادت توجيه رسالة، من خلال تغيب كبار قادة البلدان العربية المتوسطية، مفادها رفض حكومات المنطقة "محاولات التدخل واملاء الاصلاحات من الخارج"، على حد تعبيره.

أجندة امريكية أوروبية مشتركة

لقد انعقدت القمة الاولى لبلدان مسيرة برشلونه في وقت استكملت فيه معظم بلدان الحوض الجنوبي شبكة اتفاقات الشراكة الاوروبية المتوسطية وبدئ في تنفيذها، باستثناء سورية لأسباب ارتبطت بجريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري وتداعياتها الدولية والاتهامات التي تستهدف اجهزة سورية.

وحاول الاتحاد الاوروبي في غضون العقد الماضي تشجيع بلدان الجنوب على تنمية التعاون في ما بينها من خلال توفير معونات تقنية مثل تراكم قواعد شهادات المنشأ أي تسهيل تصدير المنتجات المتوسطية التي تكون مركباتها صنعت في اكثر من بلد من بلدان الجنوب.

وقد يكون الاتحاد تبين محدودية الابعاد السياسية والاقليمية لخطة برشلونه، فبادر قبل عامين بعرض "سياسة الجوار" على شركائه في المنطقة. وتتمثل السياسة الجديدة في وضع برنامج عمل ثنائي مع كل البلدان المعنية يكون في مثابة "خارطة الطريق" لدعم خطة الاصلاحات السياسية وتعزيز التعددية السياسية والانتخابات وتشجيع المجتمع المدني.

كما تعززت القناعة الاوروبية بضرورة تشجيع الاصلاح السياسي في ضوء افرازات الحروب التي تدمي منطقة "الشرق الاوسط الكبير" ونتائج المشاورات التي جرت على مدى العامين الماضيين في هذا الشأن بين الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة. وفي هذا الصدد يمكن القول بأن خطاب الرئيس بوش في شهر فبراير 2005 في بروكسل يعتبر بمثابة الاجندة المشتركة بين الولايات المتحدة واوروبا.

وأكد الرئيس بوش، في الخطاب الذي طوى فيه صفحة الخلافات مع البلدان الاوروبية التي اعترضت على الحرب التي شنها على العراق، أن "اميركا تساند الوحدة الديمقراطية الاوروبية وتدعم ان تكون اوروبا قوية لأننا نحتاج الى شريك قوي يساعدنا في المهمة الصعبة من اجل الديمقراطية".

وأضاف بوش في نفس الخطاب بان "اميركا واوروبا تشتركان في الهدف الاستراتيجي المتمثل في بناء السلام في منطقة الشرق الاوسط". وعكس الخطاب إجمالا تفاهما كان نتيجة نقاشات ومشاورات منتظمة بين الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي حول مستقبل الاصلاحات السياسية في المنطقة العربية والاسلامية المجاورة.

واليوم تبدو القناعة مشتركة بين الجانبين حول اعتبار نقص الديمقراطية والتنمية في المنطقة العربية ضمن اسباب التطرف والعنف وافرازات الارهاب والتداعيات التي تطال البلدان الاوروبية وسياسات الولايات المتحده.

خيبة المجتمع المدني

إلا ان ممثلي المجتمع المدني من بلدان الجنوب يختزلون التفاهم الاميركي الاوروبي حول الاصلاح السياسي والتعددية في المنطقة العربية في شكل معادلة "الرضا بمساحيق التعددية في مقابل الصمت عن إلجام صوت المعارضة الاسلامية" في بلدان الجنوب.

وتضغط المنظمات الحقوقية على مؤسسات الاتحاد الاوروبي من اجل الزام شركائه احترام بنود اتفاقات الشراكة وبخاصة تلك المتصلة بالتزامات حرية التعبير والحريات الاساسية.

وكان ممثل عن منتدى المجتمع المدني شارك لأول مرة في افتتاح القمة الاوروبية المتوسطية في برشلونه وهي خطوة تعد تطورا في قناعة الاوروبيين والشركاء من الجنوب بضرورة أن لا تظل قنوات وبرامج التعاون حكرا على الحكومات والمنظمات المرتبطة بسياساتها. في المقابل، رفضت مصر حضور المراقبين الاوروبيين في الانتخابات العامه الاخيرة ما ترك اثرا سلبيا في صفوف المسؤولين المعنيين بالعلاقات مع بلدان المنطقة، كما تجر تونس الخطى بعد ان قبلت عن مضض تشكيل لجنة تعنى بمتابعة اوضاع حقوق الانسان في برنامج العمل الثنائي مع الاتحاد الاوروبي.

ويراهن المسؤلون الاوروبيون على الحوافز التي تتضمنها "سياسة الجوار" لاقناع شركائهم بضرورة اسراع وتيرة الاصلاح السياسي. وينتظر ان تخصص موارد مالية تنفق لتمويل مشاريع انمائية واجتماعية في البلدان التي انجزت قدرا كبيرا من الاصلاحات السياسية.

وتبرز مصادر المفوضية المثالين المغربي والأردني على اعتبارهما نموذجا لعلاقات الثقة التي تريد بنائها مع بقية الشركاء في جنوب حوض البحر الابيض المتوسط ودليلا بان ما انجز في عقد الشراكة الاوروبية المتوسطية يملآ اقله نصف الكأس.

رب ضارة نافعة

وقد انتهت القمة (رغم الإختلاف الذي شابها حول البيان السياسي) الى وضع برنامج عمل للأعوام الخمسة المقبلة يؤكد التزام كافة بلدان مسيرة برشلونه على "توسيع التعددية السياسية ومشاركة السكان، بخاصة النساء والشباب، وذلك من خلال تشجيع بيئة تكون المنافسة السياسية فيها نزيهة منها تنظيم انتخابات حرة ونزيهة". وتضمن برنامج العمل التزامات دعم الاصلاحات السياسية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية وحماية البيئة ومكافحة الارهاب والهجرة السرية.

وقد يكون اخفاق القمة الاوروبية المتوسطية الاولى، على الصعيد السياسي، "ضارة نافعة" مثلما يقال. فهو اكد مساهمة اتفاقات الشراكة في تنمية العلاقات الاقتصادية الثنائية من دون اقامة بيئة اقليمية وتعاون افقي في ما بين دول الجنوب. وكشف ايضا بان تجربة الاعوام العشرة لم تكن كافية لفرز لغة وقيم مشتركة بين الاتحاد وجيرانه في بلدان جنوب شرق الحوض المتوسطي. بل العكس. لقد كشف عقد الشراكة في نهايته انعدام الثقة بين بلدان الضفتين.

ولعل الحذر يتحول الى منفعة لأن وضوح لغة الحوار في الفترة الاخيرة قد يساعد على بلورة الفهم وخاصة التصور المشترك لمستقبل التعاون في المنطقة الاوروبية المتوسطية، ان بالدعوة الى تعزيز مسيرة برشلونه أو بجرأة الاعتراف بفشلها والتفكير في بدائل تقوم على اسس القرب الجغرافي التقليدي بين الاتحاد وبلدان شمال افريقيا وبينه وبلدان المشرق العربي. وتلك صيغة قديمة كان الاتحاد يبحثها في مطلع التسعينيات لكنه بادر بتوسيعها بعد ابرام اتفاقات أوسلو لايجاد اطار اقليمي يدمج اسرائيل وجيرانها العرب.

ومع فشل اتفاقات أوسلو، فان تصور برشلونه في عام 1995 قد يكون فشل منذ أعوام ولم يكن استمراره ممكنا إلا بفعل آليات الدعم المالي التي وضعها الاتحاد الاوروبي لدعم البلدان المنخرطة في المسيرة التي انطلقت من برشلونه.

نورالدين الفريضي - بروكسل

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.