احتمالات العام الثالث في العراق

مواطن عراقي يلوح بعلم بلاده في ساحة الفردوس ببغداد يوم 9 أبريل 2005 في الذكرى الثانية للإحتلال Keystone

يبدو أن "العام الثالث" في العراق سيكون مختلفا عن العامين السابقين.

هذا المحتوى تم نشره يوم 10 أبريل 2005 - 15:11 يوليو,

فقد اجتاحت عراق ما بعد صدام حسين خلال المرحلة السابقة عواصف عاتية هبّـت من كل اتجاه، شاركت في صُـنعها كل الأطراف.

لقد اجتاحت عراق ما بعد صدام حسين خلال العامين الماضيين عواصف عاتية هبّـت من كل اتجاه، شاركت في صُـنعها كل الأطراف. يتضمن ذلك، أخطاء من قاموا بغزوه، وعنف من أسقطهم الاحتلال، وعُـقد السياسيين الجدد.

وبدا أحيانا أن الدولة قد تنقسم، أو تتجه إلى فوضى، إلا أن ما يحدُث خلال الشهور الأخيرة، يحمل بدايات استقرار لجمهورية رابعة تختلف كثيرا عن ذلك العراق الذي كان.

إن العراق يشهد في المرحلة الراهنة تفاعلات مكثفة، يبدو أنها قد تؤدّي إلى سيناريوهات مختلفة تحمل أيضا ملامح تحوّلات كبرى في هيكل الدولة ونظام الحكم، على نحو قد يجنّـب العراق تلك السيناريوهات السيئة التي سيطرت على الأذهان لفترة طويلة.

فقد حلّـت فكرة الدولة الفدرالية متعددة العرقيات العربية – الكردية محل "سيناريو الانفصال". كما حلّـت فكرة الطائفية (والمحاصصة) السياسية (ولو مؤقتا) محل سيناريو الفوضى. وتتبلور قواعد لعبة سياسية جديدة قابلة للاستمرار. فهناك نموذج "هندي – لبناني" يتشكّـل في العراق.

الجمهورية الرابعة

إن هناك مجموعة من العوامل التي تشير إلى أن هذا العام سوف يشهد بالفعل ذلك التحول في اتجاه "بناء الدولة" في العراق مرة أخرى، أهمها:

1 – ما يبدو أنه عملية "هندسة سياسية" يتم من خلالها إنشاء النظام السياسي البديل. فالفئة التي كان مواطنوها يرغبون بنسبة 98% في الانفصال عن العراق، يتولى أحد قادتها (جلال طالباني) رئاسة الدولة، والفئة التي وقفت ضدّ كل عناصر النظام الجديد، من محتلين وعراقيين، يتولّـى أحد وجوهها (حاجم الحسني) رئاسة الجمعية الوطنية، التي ستُـصيغ دستور الدولة، والفئة التي استُـبعدت تاريخيا من السلطة واضطهدت بعُـنف، يتولّـى أحد ممثليها أهم منصب تنفيذي في البلاد (إبراهيم الجعفري). ولكل من الثلاثة نائبين من الفئات الأخرى، وتتم كل تلك الترتيبات عبر تفاهمات تُـشير إلى وجود طبقة سياسية جديدة بصدد التشكل في العراق.

2 – أن المخاوف التي سادت في الفترة الماضية بشأن طغيان الأغلبية أو غطرسة الأقلية أو النزعة الانفصالية، قد تقلصت إلى حد كبير. فسلوك قادة الائتلاف الشيعي لا يشير إلى ضغوط غير معتادة في اتجاه التفرد بالسلطة، أو الدفع في اتجاه الدولة الدينية أو إقامة علاقة زائدة عن الحد مع إيران، على الرغم من الصرامة التي حكمت سلوكهم أحيانا، وتمكّـن قادة الأكراد من ضبط الميول الانفصالية لدى مواطنيهم في الشمال، مع حصولهم على موقع سبَّـب صدْعا حقيقيا في الفكرة الكردية، وجاءت المفاجأة الحقيقية من جانب السنّـة العرب، الذين اقتربوا من النظام الذي طالما رفضوه، ومارس بعضهم أو دعَـم العنف تُـجاهه في ظل مواقف عملية نسبيا.

3 – أن الإدارة الأمريكية لم تمارس ما كان من المُـفترض أنه "ضغط" سلطة الاحتلال. فلم يبدُ بوضوح ما هو الدور الأمريكي في كل ما يحدُث سياسيا، على الرغم من افتراض أنها كانت قريبة تماما مما يدور من تفاهمات ومقايضات. فما حدث بعد الانتخابات، لم يكن مسرحية ورغم أهمية دور السفارة الأمريكية في بغداد، لا يوجد في العراق حاكم مدني أو عسكري أمريكي، إذ تساقطت الأهداف الأمريكية الكبرى المتعلقة بالعراق واحدة تلو الأخرى، ليتم الاستسلام للحالة العراقية مع وضع خطوط حمراء من بعيد تتعلق بما تعتبره واشنطن مصالح حيوية لها، وهي أحد الأطراف "الكاسبة" في كل الأحوال.

4 - أن أعمال العنف قد بدأت تفقد الكثير من قوة دفعها. فقد أصبح من الواضح أنه لا عودة للنظام القديم. كما بدأ المسار السياسي يحقق نتائج، وإن بصعوبة، كما بدأ السنّـة العرب، باستثناء فئة تنتظر "تفاهمات"، وهي هيئة علماء المسلمين، من النظام الجديد، وأصبحت المواجهات تتم إلى حد كبير مع قوات الأمن العراقية، وتكبّـد العراقيين أنفسهم خسائر كبيرة. كما عانت تنظيمات المقاومة من عدة ضربات قوية وُجّـهت لها، وبفعل امتداد أعمال الإرهاب للدول المجاورة، يبدو أن ثمة جبهة قوية تتشكل ضد تنظيمات العنف، ستؤثر في العراق، وإذا بدأت الحكومة الجديدة عملها بتوافق سنّـي، فقد يعانى المقاومون من أعراض "الأفغان العرب"، بعد سقوط نظام طالبان.

5 – أن الدول المجاورة للعراق، والتي كان مفهوما دائما أنها تدعم أعمال العنف داخله بشكل أو بآخر، قد بدأت تحول سياساتها بزاوية 180 درجة. فسوريا تندفع في اتجاه تفاهمات حقيقية مع الولايات المتحدة تتجاوز مجرد تسليم بعض الأشخاص مثل سبعاوي إبراهيم. وأصبح تيار داخل إيران يميز بين "مصلحة إرهاق الأمريكيين"، و"عدم المصلحة" في إجهاض قيام نظام ديمقراطي في العراق. وتكشفت بعض الأمور شديدة التعقيد بشأن التداخلات الأردنية في الحالة العراقية، وبدأت دول الخليج القريبة في ضبط حدودها وضبط "بعض فئاتها" ذات العلاقة، فيما اقتربت مصر من الصورة.

المشاكل مستمرة

إن كل ما سبق يمثل أسُـسا محتملة، ربما أعمدة أو مجرد "بذور" تُـشير إلى أن العام الثالث من الإحتلال سيكون مختلفا، وأنه قد يشهد قيام جمهورية رابعة تختلف عمّـا شهدته خلال فترات النظام الملكي والانقلابات العسكرية وحكم البعث، علما بأن كل الجمهوريات السابقة قد شهدت أيضا سيولا من الدماء قبل أن تستقر.

لكن تظل هناك مشكلة. فمعظم العوامل السابقة تحمل بعض "المشاكل المحتملة" التي قد تحول اتجاهات تأثيراتها إلى وجهات معاكسة تؤدّي إلى تأجيل قيام الجمهورية المفترضة، أو تكبد الجميع ثمنا كبيرا لقيامها، أو تعيد طرح سيناريوهات "أسوأ حالة" مرة أخرى.

إن الهندسة السياسية الحالية لم تتطرق بعد إلى قضايا "تقسيم الثروة"، رغم أنها توغّـلت في تقسيم السلطة. فلا تزال هناك خلافات حقيقية حول حقائب وزارية ومواقف ضيقة، ولا تزال هناك أطراف داخل الأغلبية والأقلية حانقة على ما يدور، وقد تُـسبب مشاكل حقيقية إذا لم تحصل على عدد كاف من الأسهم. ولا يوجد ضمان بأن إدارة الحكم فعليا سوف تتم بنفس عقلانية وبراغماتية التوصل إلى اتفاقات بشأن هيكلته، ولا تزال المهمة الكبرى الخاصة بصياغة الدستور معلقة في ظل وجود ألغام محتملة تتعلق بمسائل الدين والثقافة وغيرها.

ليس لدى أحد أيضا تصور حول الكيفية التي ستدير بها واشنطن أمورها في العراق إذا بدا أنه يستقـر، خاصة فيما يتعلق بسحب قواتها منه. وقد تفكر الفصائل العنيفة في وسائل شديدة الحدة تؤدي إلى انقلابات حقيقية في الوضع القائم، كالمساس بالشخصيات الكبيرة، أو قد لا تذعن إذا قررت قيادات السنّـة حسم أمورها نهائيا.

يضاف لذلك، أنه إذا لم يتم حل مشكلة البرنامج النووي الإيراني سلميا، قد تصل نيران تداعياتها إلى داخل العراق بشكل سريع، وإذا قرر اليمين المحافظ ممارسة ضغوط لا تطاق على الحكم في دمشق، قد تعود سوريا إلى ممارسة بعض الألعاب في العراق، وليس من الواضح حتى الآن كيف يشعر القوميون الأتراك تجاه الوضع الكردي في العراق، فلا تزال حلقة النار تحيط بحدود العراق من كل جانب.

لقد كانت أوضاع العراق تسير خلال العامين الماضيين في خطين متوازيين، يدفع كل منهما في اتجاه مستقل دون أن توجد مؤشرات محددة تشير إلى وصول أيا منهما إلى ما يشبه المحطات الأخيرة، بحيث ظَـلت احتمالات الاستقرار متصورة، وظلت احتمالات الفوضى مطروحة، وما حدث في الفترة القصيرة الماضية، هو أن الدولة وصلت إلى مرحلة مثيرة تبدو فيها احتمالات الاستقرار في العام الثالث أقوى من احتمالات الفوضى، لكن حدوث ذلك فعليا لا يزال معلقا على عدة شروط، لا يوجد يقين حول إمكانية تحققها كاملة، أو حول المدى الزمني المحتمل لذلك. لكن الأهم هو أن احتمالات عمل نظرية الكارثة لا تزال قائمة.

د. محمد عبد السلام – القاهرة

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة