التحدي الأكبر لإدريــس جطــو!

ملفات اجتماعية حامية تنتظر حكومة إدريس جطو.. في مقدمتها التشغيل والسكن Keystone

منذ تكليف إدريس جطو بتشكيل الحكومة المغربية، والقضايا الاجتماعية والاقتصادية تُـهيمن على الخطاب السياسي وعلى مشاغل الشارع المغربي.

هذا المحتوى تم نشره يوم 01 ديسمبر 2002 - 11:05 يوليو,

كانت هذه القضايا محور توجيهات الملك محمد السادس في تنصيب الحكومة في 7 نوفمبر الجاري، وقبل ذلك في أكتوبر الماضي في افتتاح الولاية التشريعية للبرلمان.

كان تعيين رجل الأعمال وخبير الاقتصاد إدريس جطو وزيرا أولا، وقبل ذلك وزيرا للداخلية، رسالة بعثتها المراجع المغربية العليا لكافة الأوساط المعنية بتبَنّيها المُقاربة الاقتصادية، بدل المقاربة الأمنية لقضايا البلاد.

وقد ركّـز جطو خلال مشاوراته مع قادة الأحزاب لتشكيل الحكومة على أن ترشح له الأحزاب السياسية شخصيات "تكنوقراطية" لتولي الحقائب الوزارية، كي تتمكن الحكومة من معالجة الملفات المعقدة والملحة بالاقتدار الضروري.

وتتصدر الاهتمامات الاجتماعية والاقتصادية التي تشغل بال صانع القرار المغربي قضايا ملحة لعل في مقدمتها التشغيل المنتج، والتنمية الاقتصادية المستديمة والمتوازنة بين مختلف المناطق، والتعليم النافع والسكن اللاّئق... ولئن كانت هذه القضايا تحتاج إلى برنامج شامل يستند إلى الحوار والشفافية، فإنه أيضا يحتاج إلى تَكـتّـل سياسي يدعَم البرنامج ويُشجّـع المعنيين على التعاطي الإيجابي معه.

هذا التكتل السياسي ضمنته الحكومة الجديدة بأغلبية برلمانية كبيرة ضمت الأحزاب ذات التأثير الحقيقي في أوساط الرأي العام المغربي. لكن هذه الأحزاب بعد أن التحقت بالأغلبية، بدأت تعاني توترات داخلية تهدد قوتها وتأثيرها الاجتماعي، وبالتالي، المساندة المطلوبة للحكومة وبرنامجها.

ولئن كانت البطالة معضلة دولية، فإنها في المغرب تتصدر كل المشاغل والاهتمامات الرسمية والشعبية، نظرا لمداها وحجمها. فإذا كانت الأمية متفشية وتنعكس بشكل جليّ على سوق الشغل، فإن حاملي الشهادات العليا العاطلين عن العمل يُشَكّـلون عِبْئا حقيقيا على الدولة واستقرارها. وقد احتل حاملوا الشهادات زاوية كبرى من المشهد السياسي والاجتماعي المغربي طوال السنوات الخمس الماضية، باحتلالهم الشارع المواجه لمقر البرلمان أو الشوارع المحيطة بالوزارات في العاصمة الرباط.

البطالة والفقر يؤديان إلى الكفر بالدولة

تبلغ النسبة الرسمية للبطالة أكثر من 12% من القوى العاملة المغربية، وهي نسبة قابلة للازدياد. ورغم ما أنجزته حكومة التناوب التي قادها الاشتراكي عبد الرحمن اليوسفي خلال السنوات الماضية في ميدان إصلاح الدولة والإدارة وفتح مجالات الاستثمار، فإن تراكم البطالة طوال العقود الماضية، ونسبة النمو الديموغرافي المرتفع، وخلق فرص العمل غير المنتج، لم يؤد إلى التخفيف من حدة البطالة، وستبقى هذه الظاهرة تشكل تهديدا حقيقيا لاستقرار البلاد.

فالبطالة تنتج الفقر، والفقر يؤدي إلى النقمة، والنقمة تكون بالسائد وبالممكن. وفي بلد مثل المغرب تكون هذه النقمة على الدولة وعلى نظامها السياسي، وتدفع الدولة إلى التعاطي مع الفقر الذي تبلغ نسبته رسميا أكثر من 19%، وذلك من خلال تقديم بعض اللّفتات الإنسانية التي لا تُسِمن ولا تُغني من جوع، لكنها تشعر ببعض التضامن الذي وإن كان لا يبدد الحنق أو الغضب، فإنه على الأقل يُخَفِـفُ من حدّته.

والسبيل لتقليص حجم الفقر والبطالة، يراه صانع القرار المغربي بتعزيز الاستثمارات الداخلية والخارجية. فالاستثمار يُشجع التنمية الاقتصادية وخلق فرص العمل لآلاف العاطلين. وقد وفرت الدولة المغربية حوافز عديدة من خلال عدد من القوانين لاستقطاب الاستثمار الخارجي الذي بلغ معدله ما يقارب مليار دولار سنويا نهاية ولاية حكومة اليوسفي، لكن الاستثمار لم يكن في مستوى الطموح ومستوى ما تحتاجه البلاد من مشاريع إنتاجية.

إصلاح مناهج التعليم

يمثل مفهوم "التعليم النافع" الذي أشار إليه العاهل المغربي، دعوة لإعادة النظر في مناهج التعليم وإصلاحه بما يَتَناسَبُ مع العصر والتقدم العلمي الذي يعرفه. وشُكِّـلت من أجل الإصلاح طوال العقدين الماضيين مناظرات ولجان كانت تجد في نهاية المطاف نفسها أمام سدود وموانع تضعها أو كانت موضوعة في طريقها.

واستطاع المغرب بداية العام الدراسي الماضي أن يرفع نسبة التمدرس إلى ما يُقارب 100% (97%)، وهذه النسبة لا تعني أن الأمِيّـة لم تعد ظاهرة مخيفة، إذ تتجاوز الـ 50% من السكان. وقد حرص إدريس جطو على تخصيص حقيبة في حكومته الجديدة لمحاربة الأمية والتعليم غير النظامي.

كما يشكل السكن أزمة مغربية تستفحل يوما بعد يوم، ويعرف المغرب عجزا سنويا في السكن يبلغ اكثر من 700 ألف وحدة سكنية، وتتكاثر حول المدن أحياء من بيوت الصفيح والسكن غير اللائق تشكل حقلا خصبا للانحراف الاجتماعي والجريمة المنظمة والتطرف.

الفقر في الوطن، غربة قاسية

هذه القضايا والأزمات ليست وليدة اللحظة، بل نتاج عقود من التسيير الاقتصادي والإداري غير الملائم، بعض الملفات فُتِحَت ويَجري التحقيق فيها، تُظهِر كم كان هذا التسيير مطبوعا بالفساد وسوء الإدارة. ولعل ذلك ما أدركه ملك المغرب الراحل الحسن الثاني حين قال في إحدى المناسبات إن البلاد مهددة بالسكتة القلبية. وقد استطاعت حكومة اليوسفي أن تخفف من حدّة الفساد، وأن تُعيد بعض التّوازُن إلى بلاد يبلغ تعداد سكانها ثلاثين مليون نسمة وتبعد فقط 12 كلم عن أوروبا، القارة الفردوس والحلم للشباب المغربي الذي يركب البحر مُغامرا بحياته للوصول إليها هربا من وطنه، لأن جحيم الفقر في الوطن غربة قاسية.

إنها اولويات المرحلة المقبلة التي اقتنع بها صانعو القرار في المغرب. لكنها ستكون على حساب قضايا أخرى احتلت الصدارة طوال العقود الماضية. فبعد قضية الصحراء الغربية التي لم تتم تسويتها حتى الآن، وقضية الديمقراطية التي يتحدث عنها المغاربة باطمئنان بعد انتخابات تشريعية نزيهة أجرِيَت في سبتمبر الماضي، تعود القضايا الاجتماعية إلى الواجهة وتحتل الصدارة. لكن أزمة إدارة القضايا المغربية دائما، أنها تعزل القضايا عن بعضها البعض، فالإصلاح الإداري، وبالتالي التنموي والاقتصادي مرهون بإصلاح سياسي وديمقراطية حقيقية لمجتمع مستقر وعلاقات إقليمية قائمة على التعاون لا التنافر.

محمود معروف - الرباط

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة